انتظار الظهور المبارك ليس أملًا سلبياً، بل هو حركةٌ جادة لتزكية النفوس وإصلاح المجتمعات، بالثبات على الطاعة والأمر بالمعروف، ونسأل الله أن يعجل فرج مولانا صاحب الزمان، ليشرق النور الإلهي على الأرض، وينتهي عصر الظلم والجور، ونكون من أنصاره والمتنعمين بعصره وطاعته ودولته التي سوف تُسبغ على رعاياها كرامة العيش وجودة الحياة...
(في زمن الظهور الشريف، كل شيء يتقرّب إلى الله تعالى، وإلى أهل البيت
صلوات الله عليهم) سماحة المرجع الشيرازي
(لقد اسودّت الأرض وغرقت في ظلامٍ دامس منذ تلك اللحظة الشنيعة التي امتدت فيها يد قابيل لتسفك دم أخيه هابيل، فكانت تلك الخطيئة الأولى بمثابة الحجر الأساس لسرادق الظلم والعدوان على مرّ العصور، ومنذ ذلك التاريخ البعيد وإلى يومنا هذا، لم تتوقف الدماء عن الجريان ولا الصرخات عن التعالي، حيث بات الكوكب مسرحًا لمختلف أنواع المظالم والمفاسد والتجاوزات الهائلة على كرامة الإنسان بالإضافة إلى جحافل الجور والاضطهاد.
ونتيجةً لهذه الوحشية المتواصلة، راح ضحيّةَ هذه المظالم الملايين وعشرات الملايين بل ومئات الملايين من الأرواح البريئة، وربما تجاوز العدد أكثر من مليار شخص على امتداد السجل الإنساني الطويل، وقد قُضيَ على أحلام الشعوب وسُحِقَت آمال الأبرياء تحت وطأة الحروب والنزاعات والاستبداد، فتحول مسار التاريخ البشري من رحلة بناء ونماء واستقرار إلى سجلٍّ ملطخ بالدماء ومداف بالألم.
إن هذا السواد الذي يلفُ تاريخنا ليس مجرد مجاز لفظي، بل هو واقع حقيقي يجسد تراكمات البغي والشر، حيث أطفأت مظالم الإنسان لأخيه الإنسان كل شعاع للمودة والعدل، وتركت البشرية تعاني في دهاليز الظلمة التي جلبها جشع النفوس منذ الفجر الأول للمدنية.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة، في محاضرة عنوانها (لنستعدّ للظهور الشريف):
(إنّ الأرض مسودّة ومظلمة، منذ أن قتل قابيل هابيل، وإلى هذا اليوم، بأنواع المظالم، وراح ضحيّة هذه المظالم، الملايين وعشرات الملايين ومئات الملايين، وربما أكثر من مليار، من البشر في طول التاريخ، الذي اسوّد واظلّم بسبب تلك المظالم).
إن هذه المظالم الشديدة، وهذا الظلام الدامس الذي خيّم على وجه الأرض طوال القرون الماضية، سيزول وينتهي لا محالة، تصديقاً لوعد الله الصادق في كتابه الحكيم حين قال: (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا). فستضاء الدنيا وتشرق الأرجاء كافة بنور الله تعالى، لتنجلي تلك المظالم المتراكمة، وينطوي إلى غير رجعة عهد الجهل والفساد والجور.
مرحلة جديدة من الأمن والسلام
وحتما سوف يتحقق التحول التاريخي العظيم الإمام الحجة المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، حيث يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً، وبقدومه المبارك تبدأ مرحلة جديدة من الأمن والسلام تنعم فيها البشرية بالوئام الحقيقي والعدالة المطلقة، وينتشر النور الإلهي ليحل محل كل ظلام وسواد، وتتحقق أمنية الأنبياء والصالحين في قيام دولة الحق والاستقامة فوق كل شبر من هذه الأرض.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(ولكن هذه المظالم، وهذا الظلام الذي على وجه الأرض، ينتهي لا شكّ، كما في الآية الكريمة بالقرآن الحكيم: (وأشرقت الأرض) فتُضاء الأرض وتشرق بنور الله تعالى، وتنتهي تلك المظالم، وينتهي الجهل والفساد والظلام عن معظم الأرض، بظهور سيّدنا ومولانا بقيّة الله الأعظم عجّل الله تعالى في فرجه الشريف وصلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين).
أراد الله تعالى وفق حكمته البالغة أن يكون وقت ظهور الإمام المهدي المنتظر (صلوات الله عليه) مخفياً عن العباد، لا يعلم به أحد، وقد جاءت الأحاديث الشريفة المتواترة بالمعنى لتؤكد أن الله سبحانه وتعالى (يصلح أمره في ليلة)، أي يأذن بالظهور ويهيئ أسبابه وينصره فجأة وفي لمحة عين دون مقدمات تدريجية ظاهرية يعلمها الناس.
أما عن السؤال التالي: متى يكون ذلك؟، فالجواب الذي أجمعت عليه الروايات الشريفة هو التفويض والإذعان لإرادة الله عز وجل، إذ كذّب الأئمةُ عليهم السلام كل توقيت للظهور، وأمروا المؤمنين بالانتظار الواعي، فقضية الظهور غيبية، لأنها تخضع للغيب الإلهي، فالظهور يتحقق بغتة متى ما اكتملت الشروط وانتهى الإعداد الإلهي، لتشرق الأرض بنور ربها وتتحقق دولة العدل الإلهي الشاملة.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(لقد أراد الله تعالى أن يكون ظهور الإمام (المهدي المنتظر) صلوات الله عليه، مخفيّاً، ولا يعرف الناس وقته. وفي الأحاديث العديدة، ولعلّها متواترة أيضاً، معنى أو إجمالاً، إنّ الله تعالى يصلح أمر الإمام صلوات الله عليه في ليلة. أي يظهر الإمام مرّة واحدة. فمتى ذلك يكون؟).
إنّ حكمة الله تعالى الرفيعة اقتضت أن يبعد علم توقيت الظهور الشريف عن الخلائق، ليبقى أمل الانتظار حياً في قلوب المؤمنين عبر العصور، لهذا قبل مئات السنين، أشار العلامة المجلسي في بعض كتبه إلى علامات تحققت في عصره، معرباً عن أمله في أن يعاصر زمن الظهور المبارك للإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه.
ورغم مضي أكثر من ثلاثمائة سنة على ذلك القول، يظل الشوق متجدداً يتوارثه الأجيال، فنحن اليوم كما كان السلف، ندعو الله عز وجل بقلوب ملؤها الرجاء أن يمنَّ علينا بالعيش في أيام الظهور الميمون، وأن نكون ممن يسعدون برؤية وجهه الكريم ونصرة دولته المباركة، ليتحقق الوعد الإلهي بالعدل الشامل.
سماحة المرجع الشيرازي يؤكد الجواب فيقول:
(الجواب هو إنّ حكمة الله تعالى الرفيعة، اقتضت أن يكون ذلك مخفيّاً عن الناس. ولذا وقبل مئات السنوات، قال العلاّمة المجلسي في بعض كتبه بأنّه من العلامات التي ظهرت إلى الآن، نأمل أن نكون نحن موجودين عند ظهور مولانا بقيّة الله الأعظم صلوات الله عليه. وقد مضى الآن على ذلك أكثر من ثلاثمئة سنة، ونحن نأمل وندعوا الله عزّ وجلّ أن نعيش أيّام الظهور، ونكون من الذين يسعدون بلقاء مولانا بقيّة الله الأعظم عجّل الله تعالى في فرجه الشريف).
كرامة العيش وجودة الحياة
ومن الأمور المتحققة في زمن الظهور الشريف، أن النفوس تتسامى وينقلب السلوك البشري نحو الكمال الإلهي، فيتقرب كل شيء إلى الله تعالى وإلى أهل البيت عليهم السلام في ذلك العصر المبارك، حيث يغدو التعامل بين الناس قائماً على العبادات والفضائل الأخلاقية بدلاً من المعاملات المادية، فتفقد الأموال والأحجار الكريمة كالذهب والفضة قيمتها واعتبارها أمام قيم الحق والفضيلة.
وسوف يكون الأخذ والعطاء في حينها مبنياً على التنافس في المجالات الروحية والإحسان للآخرين وفي التقوى أيضا، حيث يفيض المال فلا يقبله أحد، وتسود طهارة القلوب وتكامل العقول، لتتحقق الغاية الأسمى من الخلقة في العبودية الخالصة وسيادة الأخلاق الفاضلة في أرقى صورها على أيدي صاحب العصر والزمان.
يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(كذلك في زمن الظهور الشريف، كل شيء يتقرّب إلى الله تعالى، وإلى أهل البيت صلوات الله عليهم. ويتعامل الناس بالعبادات لا بالأموال، ولا يكون في ذلك الوقت، قيمة للذهب والفضّة والأحجار الكريمة، ولا لأي شيء آخر، لأنّ الناس سيتعاملون بالفضائل، اي يكون أخذهم وعطاءهم بالفضائل لا بالأموال).
أمام هذا المرتقَب العظيم يبرز سؤال جوهري: ما هو واجبنا وتكليفنا في عصر الغيبة؟ إنّ المحور الأساس والغاية الأسمى تتلخص في نيل رضا الإمام عجل الله فرجه الشريف، ولا يتحقق هذا الرضا إلا عبر الطاعة المطلقة لله سبحانه وتعالى، والالتزام الصارم بأوامره ونواهيه وبالسنن والأحكام الإلهية.
التكليف يفرض علينا السعي الحثيث لتزكية النفس وتربيتها على فضائل الأخلاق والعبادة، جنبا إلى جنب مع تهيئة الآخرين وإعداد المجتمع الإنساني لهذا الظهور المبارك، ويتم ذلك من خلال النهوض بمسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل إنسان بحسب وسعه وإمكانياته، لرسوخ قيم الحق والعدل تمهيدا للدولة الكريمة.
لذا يؤكد سماحة المرجع الشيرازي على ان:
(الأمر المهم، هو إنّنا جميعاً نعيش قبل ظهور سيّدنا ومولانا بقيّة الله الأعظم صلوات الله عليه، فما هو واجبنا وتكليفنا؟، الجواب: المهم أن نحصل على رضا الإمام عجّل الله تعالى في فرجه الشريف. ويكون رضا الإمام صلوات الله عليه في طاعة الله سبحانه وتعالى، وعلينا تزكية النفس وتربيتها على الالتزام بالطاعة، ونهيئ الآخرين من البشر، كل بمقدار إمكانه، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالصلاح والإصلاح).
انتظار الظهور المبارك ليس أملًا سلبياً، بل هو حركةٌ جادة لتزكية النفوس وإصلاح المجتمعات، بالثبات على الطاعة والأمر بالمعروف، ونسأل الله أن يعجل فرج مولانا صاحب الزمان، ليشرق النور الإلهي على الأرض، وينتهي عصر الظلم والجور، ونكون من أنصاره والمتنعمين بعصره وطاعته ودولته التي سوف تُسبغ على رعاياها كرامة العيش وجودة الحياة.



اضف تعليق