يربط المقال بين أزمة الدولار في العراق وفكرة أرسطو عن خطورة التدرج في تجاوز الدستور، معتبرًا أن تراكم الخروقات وضعف الرقابة وغياب التداول السلمي للمناصب يمكن أن يقود إلى التفرد والفساد. ويستشهد الكاتب بنص من كتاب «السياسة» لأرسطو لتوضيح كيف تبدأ التغييرات الدستورية الصغيرة ثم تتسع تدريجيًا حتى تهدد...

كان أرسطو يؤكد ضرورة عدم تجاوز الدستور؛ لأنه بالنتيجة سوف يؤدي إلى تجاوزات أخرى، وما نحن فيه الآن هو تراكم تلك التجاوزات؛ لأن من يتولى منصبًا وهو لم يكن من خيارات الشعب أو الجمهور الانتخابي على الأقل، وعندما تُؤبَّد المناصب ولا يطالها التداول السلمي، وعندما تفشل الرقابة أو تنعدم على بعض قيادات الدولة الرسمية وغير الرسمية، فإن ذلك سيؤدي إلى نتائج غير محمودة، منها التفرد والفساد.

وما جرى اليوم في رفع سعر صرف الدولار الأمريكي ما هو إلا نتيجة تلك التراكمات الكثيرة في التجاوز على الدستور. ويقول أرسطو: «إن التمادي في التجاوز على الدستور أدى إلى ظهور الأوليغارشية، التي تعني حكم الأقلية، ومن ثم التحكم بالبلد دون رادع دستوري»، وعلى وفق قوله الآتي:

«الأنظمة الأرستقراطية معرضة بشدة لتغيرات غير محسوسة من خلال استرخاءات متدرجة، بصورة عامة بالنسبة لكل الدساتير. ذكرنا أن سببًا غير وجيه قد يكون مصدر اضطرابات، عندما يُستغنى عن بند من الدستور يصبح من السهل قبول تغيير بند آخر أكثر أهمية، حتى زعزعة كل البنيان السياسي. هذا ما حصل مثلًا لدستور «توريوم» Thurium، حيث كان يوجد قانون لا يسمح بموجبه بإعادة انتخاب القائد إلا بعد فاصل خمس سنوات من الولاية الأولى، لكن بعض أفراد الجيش الشباب، أصحاب خبرة ووجاهة في وسطهم وشديدو الاحتقار للآخرين، ويقينًا منهم أنهم يصلون بسهولة إلى غايتهم، سعوا في البداية إلى إلغاء هذا القانون بشكل يسمح فيه بالقيادة دون انقطاع، وكانوا يظنون، على كل حال، أن الشعب سيعيد انتخابهم بحماس. وما لبث القضاة المولجون بالحفاظ على القوانين، والذين كانوا يسمون أيضًا مستشارين، وبالرغم من ميلهم إلى معارضة هذا المنحى، أن رضخوا لهذا التدبير، مع اعتقادهم أن هذا التعديل يقتصر على بند وسيحترم المعنيون البنود الدستورية الأخرى، لكنهم عندما أرادوا فيما بعد معارضة تعديلات أخرى لم يعد بمقدورهم المقاومة، وانتقل زمام الدولة بكامله إلى السلطة الشخصية لصالح الذين سعوا إلى هذه التغييرات».

ملاحظة: قول أرسطو نقلًا عن أرسطو طاليس في كتابه الموسوم «السياسة»، ترجمة أحمد لطفي، منشورات دار الجمل، طبعة بيروت عام 2009، ص 432-433.

* قاضٍ متقاعد

اضف تعليق