يتناول المقال مفهوم الدولة الموازية في العراق بعد 30 سبتمبر، موضحًا أن التحدي يتجاوز حصر السلاح إلى معالجة تعدد مراكز القرار والنفوذ السياسي والاقتصادي والإداري. ويؤكد أن بناء الدولة المركزية يرتبط بتوحيد مرجعية القوة والمال والإدارة والسياسة الخارجية، وإخضاع الجميع للقانون والمحاسبة، بما يحول التعدد السياسي الطبيعي إلى ممارسة...

انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق في 30 سبتمبر/أيلول 2026 لم ينهِ النقاش حول السيادة، بل نقله إلى مستوى أكثر تعقيدًا. ففي المرحلة السابقة كان وجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية يمثل أحد أكثر مظاهر الجدل وضوحًا، أما بعد خروجها فإن الاختبار ينتقل إلى الداخل: مدى قدرة المؤسسات الدستورية على أن تكون المرجعية النهائية للقوة والمال والإدارة والسياسة الخارجية. ولهذا فإن بناء الدولة المركزية لا يرتبط فقط بحصر السلاح، وإنما بمنع تشكل مراكز سلطة تستطيع العمل داخل الدولة والاستفادة من مواردها، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بدرجة من الاستقلال عن قرارها.

هنا تظهر قضية «الدولة الموازية»، لكنها تحتاج إلى قدر كبير من الدقة. فالمفهوم لا ينبغي استخدامه بوصفه وصفًا سياسيًا جاهزًا لكل جماعة مسلحة أو حزب نافذ، كما أن تعدد القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية أمر طبيعي في أي نظام تعددي. المشكلة تبدأ عندما ينتقل النفوذ من التأثير في القرار إلى امتلاك أدوات لتنفيذ قرار مستقل عن الدولة، أو عندما تصبح المؤسسة الرسمية غطاءً لشبكة تمتلك ولاءات وموارد وسلاسل قيادة لا تنتهي كلها عند المرجعية الدستورية.

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية بعد إعلان الحكومة العراقية أن الأول من أكتوبر/تشرين الأول يمثل بداية مسار جديد لمعالجة السلاح خارج سيطرة الدولة، وتحديد 30 يونيو/حزيران 2027 سقفًا زمنيًا لخارطة الطريق. رئيس الوزراء علي الزيدي ربط المسار صراحة بالمبدأ الدستوري الذي يجعل قرار الحرب والسلم من اختصاص السلطات الدستورية، بينما تظهر المواقف المتباينة للفصائل أن الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ سيكون عملية سياسية ومؤسسية طويلة، لا إجراءً أمنيًا منفردًا. 

ومن هنا ينتقل المقال الثالث في السلسلة من التركيز على عدد الأسلحة التي يمكن جمعها إلى (بنية السلطة وتوزيعها داخل الدولة)، والتمييز بين النفوذ الذي يمارس ضمن قواعد العملية السياسية والمؤسسات الدستورية، والنفوذ الذي يتجاوز هذه الحدود ليؤسس مركزًا مستقلًا للقرار والموارد والقوة، بما يحوله تدريجيًا إلى سلطة موازية تنافس الدولة في بعض وظائفها السيادية.

الدولة الموازية ليست دولة أخرى

عندما يُستخدم تعبير «الدولة الموازية» قد يوحي بوجود حكومة ثانية مكتملة إلى جانب الحكومة الرسمية، لها مؤسساتها وحدودها وقوانينها. لكن الظاهرة في الواقع أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا. فالدولة الموازية لا تحتاج إلى مجلس وزراء أو برلمان أو علم مستقل، بل قد تنشأ داخل مؤسسات الدولة نفسها عندما تتوزع السلطة الفعلية بين قنوات رسمية وشبكات غير رسمية، بحيث يصبح القرار المكتوب شيئًا والقدرة على تنفيذه أو تعطيله شيئًا آخر.

بهذا المعنى، ليست قوة الحزب السياسي أو قدرته على التأثير في الحكومة دليلًا كافيًا على وجود سلطة موازية. النظام البرلماني يقوم أصلًا على الأحزاب والائتلافات والتفاوض حول المناصب والبرامج والسياسات. كما أن وجود مؤسسات أمنية متعددة لا يعني تلقائيًا ازدواج الدولة، لأن الدول الحديثة تضم الجيش والشرطة والأمن والمخابرات وقوات متخصصة، وقد تكون لها ترتيبات أمنية إقليمية مختلفة داخل النظام الاتحادي.

الخط الفاصل يبدأ عندما تمتلك جهة سياسية أو مسلحة قدرة مستقلة على استخدام القوة أو إدارة الموارد أو فرض القرارات أو بناء علاقات خارجية عملية من دون خضوع نهائي للمؤسسات الدستورية. وعندها لا تكون المشكلة في وجود أكثر من مؤسسة، بل في وجود أكثر من مرجعية للقرار.

وهذه النقطة حاسمة في الحالة العراقية؛ لأن المادة التاسعة من الدستور تنص على خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للسلطة المدنية وتحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، بينما تجعل المادة 110 رسم السياسة الخارجية وسياسة الأمن الوطني وإدارة القوات المسلحة والسياسة المالية والكمركية والنقدية من الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية. لذلك فإن معيار الدولة المركزية موجود في النص الدستوري بوضوح: التعدد يمكن أن يوجد داخل المؤسسات، لكن المرجعية النهائية للقوة والسياسة الخارجية والمال السيادي يجب أن تبقى اتحادية.

من تعدد المؤسسات إلى تعدد مراكز القرار

تناول المقال الثاني من هذه السلسلة خريطة القوة في العراق بعد 30 سبتمبر، وانتهى إلى أن مركزية الدولة لا تعني وضع جميع الأجهزة تحت اسم مؤسسة واحدة، وإنما توحيد مرجعية القرار والقيادة والمحاسبة. والمقال الثالث ينطلق خطوة أبعد: المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما ينتقل تعدد مراكز القوة من المجال العسكري إلى المجال السياسي والإداري والاقتصادي.

العراق يمتلك جيشًا وشرطة اتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب وأجهزة استخبارية وأمنية والحشد الشعبي، فضلًا عن قوات البيشمركة ضمن البناء الاتحادي. وجود هذه المؤسسات لا يمثل بذاته خللًا؛ فالاختبار يتعلق بمكان انتهاء سلسلة الأوامر وبالجهة التي تملك القرار الأخير عندما تتعارض إرادة المؤسسة مع إرادة حزب أو فصيل أو زعيم سياسي.

وهذه تحديدًا هي المسألة التي تركز عليها دراسات حديثة للحالة العراقية. يرى ريناد منصور في تحليل نشره تشاتام هاوس في يونيو/حزيران أن الإدماج الرسمي للمقاتلين داخل مؤسسات الدولة لا يؤدي بالضرورة إلى انتقال السلطة الحقيقية، لأن المعضلة لا تتعلق بمكان تسجيل المقاتل أو الجهة التي تدفع راتبه فقط، وإنما بمكان ولائه ومصدر أوامره عند حدوث التعارض. ويشير إلى أن النفوذ في النظام العراقي كثيرًا ما يعمل عبر شبكات غير رسمية، بحيث يمكن أن ترتبط بعض المواقع الرسمية بقوى سياسية أو مسلحة خارج التسلسل الإداري المباشر.

وهذا يفسر لماذا لا يكفي نقل القوة من خارج المؤسسة إلى داخلها إذا بقي القرار الموازي قائمًا. فالاندماج الحقيقي ليس انتقال اسم الفرد من قائمة فصيل إلى جدول رواتب مؤسسة حكومية، وإنما انتقال القيادة والمحاسبة والقرار إلى الدولة.

الحشد الشعبي والفصائل.. ضرورة الفصل بين مستويين

تحتاج أي معالجة موضوعية للحالة العراقية إلى الفصل بين الحشد الشعبي بوصفه إطارًا رسميًا وبين الجماعات والتنظيمات السياسية والمسلحة التي تمتلك تاريخًا وهوية وقيادات وعلاقات خاصة بها. الخلط بين المستويين يحول التحليل إلى موقف سياسي بدل أن يساعد على فهم بنية القوة.

نشأ الحشد في سياق انهيار أمني استثنائي بعد اجتياح تنظيم داعش مساحات واسعة من العراق عام 2014، ثم جرى تنظيمه قانونيًا وربطه بالبنية الأمنية للدولة. وفي داخله توجد تشكيلات مختلفة في تاريخها ومرجعياتها وعلاقاتها السياسية والخارجية. ولهذا فإن الحديث عن «الحشد» كما لو كان كتلة واحدة ذات موقف واحد لا يعكس التعقيد الفعلي للمشهد.

وتظهر التطورات الأخيرة هذا التباين بوضوح. فبعض القوى أبدت استعدادًا أكبر للاندماج أو إعادة التنظيم تحت سلطة الدولة، بينما استمرت جماعات أخرى في رفض التخلي عن سلاحها أو ربط ذلك بشروط إقليمية وأمنية. وتقول أسوشيتد برس إن بعض الفصائل الرئيسية تمسكت بأسلحتها حتى مع اقتراب خروج آخر القوات الأميركية، في حين تسعى الحكومة إلى وضع الجماعات المسلحة ضمن قيادة مركزية أكثر وضوحًا.

لذلك فإن التحدي أمام الدولة لا يتمثل في حل مؤسسة رسمية لمجرد أنها تضم تشكيلات ذات جذور فصائلية، بل في التأكد من أن جميع مكوناتها تعمل وفق سلسلة قيادة رسمية واحدة، وموازنة خاضعة للرقابة، وقرار عملياتي تحدده الدولة، ومساءلة قانونية لا تستثني أحدًا.

السلاح ليس إلا الطبقة الأولى من القوة

قد يبدو حصر السلاح المشكلة الأكبر لأنه المظهر الأكثر وضوحًا للقوة، لكنه ليس بالضرورة أكثر أشكالها تعقيدًا. فالجماعة التي تمتلك السلاح فقط يمكن التعامل معها بأدوات أمنية وقانونية واضحة نسبيًا، أما الجماعة التي تتحول إلى شبكة سياسية واقتصادية وإدارية فإن تفكيك استقلالها يصبح أصعب بكثير.

وتشير دراسة حديثة لتشاتام هاوس إلى أن الضغوط والعقوبات لم تؤدِ بالضرورة إلى إضعاف النموذج الاقتصادي لبعض الجماعات المسلحة بقدر ما دفعتها إلى إعادة تشكيله والاعتماد بصورة أكبر على الموارد المحلية وشبكات النفوذ داخل المؤسسات. ومع توسع المشاركة السياسية لبعض القوى، أصبح الوصول إلى المواقع الحكومية والقطاعات ذات الإيرادات المرتفعة جزءًا من اقتصاد النفوذ، إلى جانب أنشطة اقتصادية أخرى رسمية وغير رسمية.

وهنا تتغير طبيعة المشكلة. فالفصيل المسلح التقليدي يحتاج إلى مصدر مالي خارجي أو نشاط اقتصادي مستقل كي يمول عناصره وسلاحه، لكن القوة التي تدخل السياسة والإدارة يمكن أن تحصل على مواردها عبر شبكات العقود والمناصب والوظائف والأنشطة التجارية والنفوذ على بعض القطاعات. وعند هذه النقطة يصبح الحد الفاصل بين النفوذ السياسي المشروع واستغلال الدولة لتكوين سلطة خاصة هو محور الإصلاح الحقيقي.

وهذا أيضًا يفسر لماذا لا يؤدي تجفيف مصدر مالي واحد بالضرورة إلى إنهاء النفوذ؛ فقد تتكيف الشبكات وتنقل نشاطها من قناة إلى أخرى. ولذلك فإن معالجة الدولة الموازية لا تبدأ وتنتهي بجمع السلاح، بل تشمل شفافية العقود، وإدارة المنافذ، والرقابة المالية، ونزاهة التعيينات، واستقلال الإدارة، ومكافحة الفساد، ومنع تحول الموارد العامة إلى وسائل لبناء الولاءات الخاصة.

الاقتصاد الموازي أخطر من أن يكون ملفًا ماليًا

في دولة يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على النفط والإنفاق الحكومي، تصبح السيطرة على الوصول إلى الدولة نفسها مصدرًا رئيسيًا للقوة الاقتصادية. فالوظيفة العامة والعقد الحكومي والمنفذ الحدودي والترخيص والاستيراد والأرض والاستثمار ليست أدوات اقتصادية محايدة عندما تدخل ضمن شبكات سياسية مترابطة.

وتشير دراسة تشاتام هاوس المنشورة في أغسطس/آب إلى انتقال بعض شبكات القوى المسلحة من مجرد الاستفادة غير المباشرة من الاقتصاد إلى البحث عن نفوذ أكبر داخل المؤسسات والقطاعات ذات العائد المرتفع. وتذكر الدراسة النفط والحدود والقطاعات الحكومية الحساسة ضمن المجالات التي تتطلب رقابة أقوى إذا أرادت الحكومة معالجة البنية الاقتصادية التي تغذي النفوذ.

لكن ينبغي التعامل بحذر مع هذه التقديرات؛ فهي تحليلات بحثية وليست أحكامًا قضائية على كل جماعة أو مؤسسة، ولا يجوز تحويلها إلى اتهام جماعي. القيمة التي تقدمها هي تحديد الآلية التي يمكن من خلالها أن تتحول القوة السياسية أو المسلحة إلى نفوذ اقتصادي مستدام.

وتبرز هنا إحدى أهم سمات الدولة الموازية: أنها لا تحتاج دائمًا إلى اقتصاد منفصل عن الدولة؛ فقد تكون أكثر قوة عندما يصبح جزء من اقتصادها داخل الدولة نفسها. فالحصول على الموارد العامة بطريقة غير خاضعة للمنافسة والرقابة يمكن أن يكون أكثر استدامة من التمويل السري أو الخارجي.

لذلك فإن استعادة مركزية الدولة اقتصاديًا لا تعني إقصاء القوى السياسية من النشاط الاقتصادي، بل إخضاع الجميع للقواعد نفسها: الضرائب، والجمارك، والتراخيص، والمنافسة، والمحاسبة، والرقابة على المال العام.

الإدارة.. المساحة الأقل ظهورًا والأكثر تأثيرًا

تظهر السلطة عادة في صور الجنود والأسلحة والمقرات، لكن البيروقراطية تستطيع أن تكون مصدر قوة أكثر استدامة. فالدولة الحديثة تعمل عبر آلاف القرارات اليومية التي يتخذها المدير والموظف والمصرف والجمارك وهيئات الاستثمار والبلديات والوزارات والهيئات المستقلة.

وعندما يصبح الوصول إلى الوظيفة أو المنصب مرتبطًا بصورة أساسية بالولاء الحزبي أو الفصائلي، يمكن أن تظهر داخل المؤسسة الرسمية سلسلة ولاء غير مكتوبة إلى جانب سلسلة الإدارة المكتوبة. الموظف يحمل صفة الدولة ويتقاضى راتبه منها، لكنه قد يشعر أن بقاءه وترقيته وحمايته مرتبطة بالجهة التي أوصلته إلى الموقع أكثر من ارتباطها بالنظام الإداري.

وهذه ليست مشكلة عراقية حصرية؛ فالمحاصصة والمحسوبية والزبائنية السياسية تظهر بأشكال مختلفة في دول كثيرة. لكن خطورتها ترتفع عندما تجتمع ثلاثة عناصر في شبكة واحدة: النفوذ السياسي، والموارد الاقتصادية، والقدرة المسلحة.

عندئذ يستطيع مركز القوة أن يحمي مصالحه بأكثر من أداة. إذا تعذر القرار السياسي استُخدمت الإدارة، وإذا تعطلت الإدارة استُخدم الاقتصاد، وإذا تعرضت المصالح لتهديد كبير بقيت القوة المسلحة في الخلفية. وهنا تحديدًا يتحول النفوذ من منافسة سياسية طبيعية إلى بنية قادرة على موازنة سلطة الدولة.

وتذهب قراءة تشاتام هاوس إلى أن بعض قادة الفصائل راكموا خلال سنوات الاستقرار مقاعد برلمانية وحقائب ونفوذًا داخل الخدمة المدنية، وأن الاستفادة من الاستقرار جعلت المشاركة في النظام السياسي والاقتصادي أكثر جاذبية لبعضهم من استمرار حالة المقاومة المفتوحة. وهذه المفارقة قد توفر للدولة فرصة للإصلاح، لكنها تحمل في الوقت نفسه خطر نقل الفصيل إلى داخل المؤسسة من دون نقل ولائه إلى الدولة.

السياسة الخارجية تكشف مكان القرار الحقيقي

ربما يكون الاختبار الأكثر وضوحًا لمركزية الدولة هو قرار الحرب والسلم. فالدولة تستطيع استيعاب خلافات سياسية واسعة في الضرائب والتعليم والاقتصاد والعلاقات الدولية، لكنها تفقد جزءًا جوهريًا من سيادتها عندما تستطيع جهة داخل حدودها استخدام القوة ضد دولة أخرى من دون قرار السلطات الدستورية.

وقد أظهر التصعيد الإقليمي خلال 2026 حساسية هذه القضية للعراق. تحليل «فورين بوليسي» يرى أن الجماعات المسلحة القريبة من إيران لا تعمل جميعها بدرجة واحدة من الاستقلال، لكن بعض الفصائل احتفظ بقدرات وعلاقات عابرة للحدود تسمح لها بالتحرك ضمن صراعات إقليمية أوسع من الحسابات الحكومية العراقية. وفي المقابل، تحاول بغداد الحفاظ على علاقاتها مع إيران والولايات المتحدة ودول الخليج وتجنب تحول الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية صراعات الآخرين.

كما يشير تحليل لمؤسسة كارنيغي إلى أن التنافس الداخلي بين القوى السياسية والمسلحة يؤثر في قدرة العراق على بناء سياسة خارجية موحدة، وأن بعض الجماعات تمتلك نفوذًا رسميًا عبر السياسة وغير رسمي عبر شبكات أخرى، بما يعقد علاقات بغداد مع الولايات المتحدة ودول المنطقة ويؤثر في بيئة الاستثمار والتعاون الأمني.

لهذا يصبح حصر السلاح مرتبطًا بالسياسة الخارجية بصورة مباشرة. المسألة ليست فقط من يمتلك الصاروخ، بل من يستطيع أن يقرر إطلاقه، وعلى أي هدف، وبأي حساب سياسي، ومن يتحمل نتائج الرد عليه.

إذا كان قرار الهجوم بيد جهة، بينما تتحمل الدولة تبعاته الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، تظهر إحدى أكثر صور ازدواج السلطة وضوحًا: القرار خاص، لكن الكلفة عامة.

انتهاء الوجود الأميركي يغير حجة السلاح ولا ينهي المشكلة

شكّل الوجود العسكري الأميركي طوال سنوات أحد المبررات الرئيسية التي قدمتها جماعات «المقاومة» للاحتفاظ بالسلاح. ولذلك كان خروج القوات في 30 سبتمبر لحظة مهمة في النقاش الداخلي العراقي. فقد انتهت رسميًا مهمة عسكرية استمرت سنوات، وأصبحت مسؤولية الأمن بصورة أكبر على عاتق المؤسسات العراقية. رويترز رصدت في يوم الانسحاب مزيجًا من الارتياح والقلق لدى العراقيين، بين من رأى فيه اكتمالًا للسيادة ومن خشي فراغًا أمنيًا أو اتساع نفوذ الجماعات المسلحة أو عودة نشاط تنظيم داعش.

لكن انتهاء الوجود الأميركي لا يؤدي آليًا إلى انتهاء أسباب السلاح خارج الدولة. بعض الفصائل ينظر إلى الصراع ضمن إطار إقليمي يتجاوز العراق، وبعضها يربط موقفه بقضايا أخرى، بينما توجد حسابات داخلية تتعلق بالنفوذ السياسي والاقتصادي والأمني.

وهذا يعني أن 30 سبتمبر لم يكن حلًا للمشكلة، وإنما أزال واحدًا من أبرز مبرراتها. ومن هنا تأتي أهمية قرار الحكومة اعتبار الأول من أكتوبر بداية لمسار جديد ووضع مهلة تنتهي في 30 يونيو 2027. فإذا كان السلاح قد ارتبط سابقًا بوجود قوة أجنبية، فإن المرحلة الجديدة تضع جميع القوى أمام سؤال مؤسسي مختلف: ما الوظيفة التي يؤديها السلاح المستقل بعد زوال السبب الذي كان يقدم لتبريره؟

من نزع السلاح إلى إعادة بناء السلطة

يصبح الخطأ الأكبر في التعامل مع الدولة الموازية اختزالها في عملية تسليم البنادق. فإذا كانت الشبكة قد أصبحت سياسية واقتصادية وإدارية وعسكرية، فإن إزالة طبقتها العسكرية وحدها قد تترك بقية البنية قائمة.

ولهذا تظهر أهمية الحديث عن إعادة بناء السلطة بدل نزع السلاح فقط. مجلس العموم البريطاني، في تقرير بحثي حديث عن العراق، يشير إلى أن الحكومة أعلنت منذ يونيو/حزيران إجراءات تتضمن لجنة لمتابعة نزع سلاح الجماعات ودمجها، ومسارات لتوحيد الرواتب والرتب، وفرصًا لاستيعاب أفراد في القوات المسلحة والشرطة، إلى جانب برامج لشراء الأسلحة المسلّمة. كما يرصد التقرير تباين مواقف الجماعات من هذه الخطط وصعوبة نقل الولاءات وسلاسل القيادة بمجرد تغيير الصفة القانونية.

وهذه النقطة الأخيرة هي جوهر المشكلة. نجاح الاندماج ينبغي ألا يقاس بعدد المقاتلين الذين حصلوا على رقم وظيفي، بل بعدد مراكز القرار المستقلة التي اختفت أو أصبحت خاضعة للقيادة الدستورية.

فإذا اندمج عشرات الآلاف وظيفيًا، لكن بقيت الصواريخ والطائرات المسيرة والمخازن النوعية تحت قرار قيادات مستقلة، فإن التحول يبقى ناقصًا. وإذا سُلّم السلاح بينما استمرت شبكات اقتصادية وإدارية محصنة من الرقابة، فإن جانبًا آخر من السلطة الموازية سيبقى قائمًا.

الدولة لا تحتاج إلى مواجهة شاملة كي تستعيد مركزيتها

قد يقود وصف المشكلة بأنها «دولة داخل الدولة» إلى استنتاج سريع بأن الحل لا بد أن يكون مواجهة بين مركزين للقوة. لكن التجربة العراقية نفسها توضح أن هذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة، خصوصًا إذا كانت القوى المسلحة متداخلة مع السياسة والمجتمع ومؤسسات الدولة.

وترى «فورين بوليسي» أن التحرك السريع والعنيف يمكن أن يفتح باب صراع داخلي يصعب احتواؤه، بينما يؤدي البطء الشديد إلى ترسيخ سلاسل القيادة الموازية. وهذا يضع الحكومة أمام معادلة تحتاج إلى تدرج مؤسسي لا إلى أحد الطرفين المتطرفين.

والدولة تمتلك أدوات أوسع كثيرًا من القوة العسكرية. القانون والقضاء والموازنة والرواتب والتعيينات والعقود والتراخيص والمنافذ والجمارك والمصارف والضرائب والتدقيق المالي وسجلات الشركات كلها أدوات سيادة. ويمكن لاستخدامها المتدرج أن يقلل المساحات التي تستطيع فيها أي شبكة أن تعمل بصورة مستقلة.

بل إن نجاح هذا المسار قد يكون أكثر استدامة من نزع السلاح بالقوة؛ لأن الهدف النهائي ليس أن تصبح الدولة أكثر تسلحًا من منافسيها فقط، وإنما أن تصبح المؤسسة الوحيدة التي لا يستطيع أي فاعل الاستغناء عنها في ممارسة السلطة المشروعة.

30 يونيو 2027.. الموعد ليس هو المعيار

حددت الحكومة 30 يونيو/حزيران 2027 سقفًا لخارطة الطريق الجديدة لحصر السلاح، لكن الحكم على المسار لا ينبغي أن ينتظر ذلك التاريخ. فالمواعيد السياسية يمكن تمديدها أو تعديلها، بينما بناء الدولة يقاس بتحولات يمكن مراقبتها منذ الآن. 

المؤشر الأول هو القيادة: هل تنتقل الأوامر العسكرية بصورة فعلية إلى التسلسل الرسمي؟ والمؤشر الثاني هو السلاح النوعي: هل تصبح الصواريخ والطائرات المسيرة والمخازن الثقيلة تحت سيطرة الدولة؟ والثالث هو المال: هل تخضع الموارد والعقود والشركات والمنافذ للرقابة نفسها التي تخضع لها بقية النشاطات؟ والرابع هو الإدارة: هل يستطيع الموظف الحكومي تنفيذ القانون من دون الحاجة إلى حماية حزبية أو فصائلية؟ والخامس هو السياسة الخارجية: هل يصبح قرار الحرب والسلم قرارًا حصريًا للمؤسسات الدستورية؟

إذا تحققت هذه التحولات تدريجيًا قبل يونيو 2027، سيكون الموعد تتويجًا لمسار بدأ قبله. أما إذا بقيت البنية كما هي حتى اقتراب التاريخ ثم جرى التركيز على أعداد الأسلحة المسلّمة، فقد يتحقق إنجاز أمني محدود من دون تحول مؤسسي عميق.

من تعدد النفوذ إلى وحدة الدولة

العراق ليس دولة بلا مؤسسات، كما أن وصف جميع القوى المؤثرة فيه بأنها تعمل خارج الدولة لا يعكس الواقع. فهو يمتلك دستورًا وحكومة وبرلمانًا وقضاءً وجيشًا وأجهزة أمنية ومؤسسات مالية وإدارية، وتدور داخله منافسة سياسية حقيقية على السلطة والموارد. لكن هذا لا يلغي وجود مشكلة بنيوية تتمثل في التداخل بين الرسمي وغير الرسمي، وبين المؤسسة والشبكة، وبين الحزب والسلاح، وبين الموارد العامة والولاءات الخاصة.

لهذا فإن «الدولة الموازية» ليست اسمًا لفصيل بعينه بقدر ما هي نمط في توزيع السلطة. ويمكن أن يتراجع هذا النمط من دون إلغاء التعدد السياسي أو الاجتماعي إذا أصبحت القاعدة واحدة: السياسة للأحزاب، والسلاح للمؤسسات الأمنية، والمال العام للدولة، والقانون على الجميع، والسياسة الخارجية وقرار الحرب والسلم للمؤسسات الدستورية.

وتبدو مرحلة ما بعد 30 سبتمبر فرصة لإعادة ترتيب هذه العلاقة. خروج القوات الأميركية أزال أحد أكبر عناصر الجدل حول شرعية السلاح الموازي، والصراع الإقليمي أظهر الكلفة التي يمكن أن يتحملها العراق عندما تتجاوز قرارات بعض الفاعلين حسابات الدولة، فيما جعل اندماج عدد من القوى المسلحة في السياسة والاقتصاد الحفاظ على الاستقرار مصلحة مشتركة بصورة أكبر مما كان عليه في مراحل سابقة. لكن هذه الظروف لا تضمن النتيجة؛ فهي توفر فرصة فقط، وطريقة استثمارها ستحدد الاتجاه.

نجاح الدولة المركزية لن يظهر يوم تختفي فيه آخر قطعة سلاح غير مسجلة، بل عندما يصبح امتلاك السلاح خارج القرار الرسمي عديم الجدوى سياسيًا واقتصاديًا، وعندما لا يحتاج المسؤول إلى جهة موازية لحمايته، ولا يحتاج المستثمر إلى وسيط مسلح لضمان مصالحه، ولا يستطيع حزب تحويل موقعه في الدولة إلى حصانة من القانون، ولا تستطيع جماعة اتخاذ قرار عسكري يلزم العراق بنتائجه.

عندها ينتقل العراق من معالجة مظاهر الدولة الموازية إلى معالجة أساسها: ازدواج مصدر السلطة.

وبهذا المعنى فإن ما بعد 30 سبتمبر ليس انتقالًا من وجود القوات الأجنبية إلى غيابها فقط، بل اختبار لقدرة العراق على الانتقال من دولة تحتوي مراكز متعددة للقوة إلى دولة تستوعب التعدد داخلها، مع بقاء القرار السيادي واحدًا.

استنتاجات

1. الدولة الموازية أوسع من السلاح. فهي تتشكل عندما تجتمع القدرة المسلحة بالنفوذ السياسي والاقتصادي والإداري ضمن شبكة تستطيع العمل بدرجة من الاستقلال عن المرجعية الدستورية.

2. الإدماج القانوني لا يكفي وحده. المعيار الأهم هو انتقال القيادة والولاء والتمويل والمحاسبة إلى الدولة، وليس مجرد إدراج المقاتلين والمؤسسات في الهيكل الرسمي.

3. الاقتصاد والإدارة جزء من حصر القوة. ضبط المنافذ والعقود والمال العام والتعيينات والشركات والموارد يمثل جانبًا من استعادة مركزية الدولة لا يقل أهمية عن ضبط مخازن السلاح. 

4. قرار الحرب والسلم هو الاختبار السيادي الأكثر وضوحًا. الدولة المركزية تستطيع استيعاب الخلاف السياسي، لكنها لا تستطيع قبول وجود أكثر من جهة تملك عمليًا قرار إدخال العراق في مواجهة خارجية.

5. 30 يونيو 2027 ينبغي التعامل معه محطة قياس لا موعدًا سحريًا. قيمة خارطة الطريق ستحددها التحولات المؤسسية التي تحدث قبل الموعد: وحدة القيادة، والسيطرة على السلاح النوعي، والرقابة المالية، واستقلال الإدارة، وحصرية القرار الخارجي.

اضف تعليق