الاستنزاف الرمادي هو حالة مزمنة من تآكل الدافعية الذاتية وخمود الطاقات الوجدانية؛ حيث يتحول الإنسان إلى كائن ميكانيكي يؤدي وظائفه بكفاءة ظاهرية ولكن ببلادة روحية خالية من طعم الإنجاز. إنها المنطقة الثالثة التي لا تظهر في التحاليل الطبية، لكنها تجعل الروح ترتدي معطفاً خشناً يعزلها عن حرارة الأحداث وبرودتها، حتى تتبخر الأحلام الكبرى تحت وطأة التكيف الإجباري...
حين نريد ان نوصف حالتنا التي نعيشها لا يوجد في اذهاننا سوى ثنائية كلاسيكية متجذرة، اما ان نقول اننا اصحاء بالتمام، او اننا مرضى منهكين، وهذه الثنائية هي التي ينطلق منها العالم لقياس مدى رفاهية كفاءتنا وجودة حياتنا، فإما أن نثبت حضورنا المنتج الفاعل، أو تُسقطنا الحمى وتمنحنا عذراً قانونياً واجتماعياً ونفسياً للتوقف.
لكن طبيعة حياتنا المعاصرة جعلتنا نعيش منطقة ثالثة رمادية وهو ما جعل الانسان يعيش بما يسمى ب (الاستنزاف الرقمي) حيث لا يعود الإنسان مريضاً بالمعنى السريري، ولا سليماً معافى بالمعنى النفسي والروحي، إنه ببساطة يتحول إلى كائن يؤدي مهامه اليومية بآلية محايدة وبصورة بليدة تجعل هامشاً في دفتر لا متن يعتمد عليه، فماهو الاستنزاف الرمادي؟، وماهي اثارها وصوره النفسية؟، وكيف نغادره؟
ويعرف الاستنزاف الرمادي نفسياً على انه حالة مزمنة من تآكل الدافعية الذاتية وخمود الطاقات الوجدانية، تحدث نتيجة التعرض المتواصل لضغوط التكيف العصبي والنفسي دون أن ترتقي إلى مستوى الاضطراب السريري الواضح؛ وهي تتسم بفقدان حاد وحيادي للمشاعر وعجز الدماغ عن إنتاج لذة الإنجاز رغم الاستمرار الميكانيكي في أداء الوظائف الحياتية والمهنية بكفاءة ظاهرية.
أيهما أكثر تعرضاً النساء أم الرجال؟
من الناحية الإحصائية البحتة في المؤشرات المرتبطة مثل الإرهاق العاطفي والاحتراق المزمن، حيث ترتفع نسب الإبلاغ والتعرض للاستنزاف الرمادي بوضوح لدى النساء مقارنة بالرجال، حيث تشير بعض الدراسات الإحصائية في بيئات العمل والضغط المجتمعي إلى أن نسب الاستسلام للمنطقة الرمادية تزيد لدى النساء بنسب تتراوح بين 32% إلى 38% مقارنة بنحو 21% إلى 25% لدى الرجال.
حالة الاستنزاف الرمادي التي يعيشها الكثير من البشر هي حالة لا تظهر في التحاليل المختبرية ولا يمكن ان يحددها طبيب وهي ليس حالة مرضية لأنها نتاج العوامل النفسية المرهقة التي تحيطنا وتجعلنا نفقد شعفنا ببطء هادئ ومخيف الى الحد الذي يجعل من الانسان اشبه بالألة التي تنفذ الأوامر بدون روح ولا مشاعر او احاسيس.
ماهي انعكاسات الاستنزاف الرمادي؟
تبرز عدة انعكاسات لمن يصاب بحالة الاستنزاف الرمادي أبرزها مايلي:
اول الانعكاسات التي تظهر على الانسان حين يقع تحت تأثير هذه الحالة هي حياد المشاعر، اذ تتساوى لديه حدة الانفعالات السبية والايجابية، فلا يحزن حزناً كبيرا على أي مصاب او انتكاسة يتعرض لها، ولا فرح مبهج يثير الضحك من القلب، بل يعيش حالة من البلادة الوجدانية المؤقتة أو المستدامة، وكأن الروح ترتدي معطفاً سميكاً من الصوف الخشن يعزلها عن حرارة الأحداث وبرودتها.
ومن الانعكاسات هي اصابة الانسان بنشوة الإنجاز بلا معنى، بمعنى انه رغم نجاحه لكنه لا يرى قيمة لهذا النجاح وهو ما يجعله غير مكترث لما يحصل معه ولا يشعر بأي طعم حقيقي لهذا النجاح، والامر هنا يشبه الى حد بعيد تناول طعام خال من الملح والبهارات حيث يشعر بامتلاء المعدة لكنه لا يذوق شيئاً، فتصبح الأفعال مجرد حركات ميكانيكية يؤديها الجسد بينما الإحساس غائب.
وحين يسيطر الاستنزاف على الانسان فأن يؤثر في مستوى الهوية والشغف الشخصي لديه، حيث تتبخر الأحلام الكبرى وتتلاشى الهوايات التي كانت تمنح الحياة بهجتها ويجد الإنسان نفسه عاجزاً عن التخطيط للمستقبل أو حتى التفكير فيما يحب حقاً، لأنه منشغل تماماً بمحاولة الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن للبقاء واقفاً على قدميه.
كيف نخرج من هذه المنطقة؟
أولى خطوات الخروج هي الاعتراف بالمنطقة الرمادية وقبولها، اذ ينبغي على المصاب القبول الواعي لحالة التعب غير المرئي وبالتالي يحاول ان يخفف من حدة الصراع الداخلي، فلابد ان يصارح نفسه، ولا داعي لأن يمثل دور الممتلئ بالطاقة طوال الوقت وهذا الاعتراف سيجعله يبحث عن البدائل المريحة.
كما يجب ان يحدث الانسان صدمة شعورية حسية إيجابية، فحين يتعاد الدماغ على الروتين الرمادي فأنه بحاجة إلى منقذ خارجي يوقظ حواسه المتبلدة، يمكن تحقيق ذلك عبر كسر الروتين بطرق غير تقليدية تماماً كالتنزه في الطبيعة بلا هاتف، الانخراط في نشاط يدوي ملموس (كالرسم، النجارة، أو العناية بالنباتات)، أو تجربة مهارة جديدة كلياً تخرجه الى منطقة الراحة الفكرية، وبذا يمكن للإنسان ان يغادر هذه المنطقة الغير مريحة.



اضف تعليق