الراتب لا تقاس قيمته بعدد الأوراق النقدية التي يتسلمها الموظف، وإنما بما يستطيع أن يشتريه بها. وتخفيض قيمة الدينار في اقتصاد يعتمد على الاستيراد يمثل اقتطاعاً غير معلن من القيمة الحقيقية للدخل. لا يجوز الحفاظ على الهدر والاختلالات الهيكلية ثم البحث عن التوازن بتقليل القيمة الشرائية لأقوات الناس؛ أصلحوا إدارة الدولة والمالية العامة قبل أن تطلبوا من المجتمع دفع ثمن أعطابها...

ليس سعر الصرف رقمًا تقنيًا محايدًا يخص البنك المركزي والمصارف ووزارة المالية وحدها، ولا يجوز التعامل معه كما لو أن تغيير الرقم من 1320 دينارًا للدولار إلى 1520 دينارًا للمستفيد النهائي مجرد تعديل حسابي في دفاتر الدولة. سعر الصرف يدخل، بصورة مباشرة وغير مباشرة، في قيمة راتب الموظف، ومدخرات المواطن، وأسعار الغذاء والدواء والملابس والأجهزة ومدخلات الإنتاج، وفي مقدار ما يستطيع الدينار العراقي أن يشتريه داخل اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد. ولذلك فإن قرار تخفيض قيمة الدينار ليس قرارًا نقديًا مجردًا، وإنما قرار اقتصادي واجتماعي يعيد توزيع الأعباء بين الدولة والمجتمع.

وبحسب القرار المتداول، أصبح سعر الدولار 1500 دينار لشراء وزارة المالية، و1510 دنانير لبيعه إلى المصارف، و1520 دينارًا لبيعه إلى المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية للمستفيد النهائي. وإذا أخذنا سعر المستفيد النهائي وقارناه بالسعر الرسمي السابق البالغ 1320 دينارًا للدولار، فإن الدولار أصبح أغلى بنحو 15.2 في المئة. هذه النسبة ليست تفصيلًا صغيرًا يمكن دفنه تحت لغة السياسة النقدية؛ إنها تعني أن قيمة الدينار تجاه الدولار انخفضت، وأن القدرة التي يمتلكها الدخل المقوّم بالدينار على شراء السلع والخدمات المرتبطة بالدولار قد انخفضت معها.

الراتب بقي كما هو… لكن قيمته لم تبقَ كما هي

هذه هي الحقيقة التي ينبغي قولها بوضوح شديد: الموظف الذي كان راتبه مليون دينار قبل القرار سيستلم مليون دينار بعد القرار، لكن المليون الثاني ليس بالقوة الشرائية نفسها للمليون الأول.

ولإظهار المسألة بعيدًا عن أي مبالغة، يكفي إجراء الحساب على أساس سعر الدولار وحده. مليون دينار عند سعر 1320 كانت تعادل نظريًا نحو 758 دولارًا، بينما المليون نفسه عند سعر 1520 يعادل نحو 658 دولارًا. أي أن القيمة الدولارية للراتب نفسه انخفضت بنحو 13.2 في المئة. ولا يعني ذلك، بالطبع، أن جميع أسعار السلع سترتفع تلقائيًا بالنسبة نفسها؛ فانتقال أثر سعر الصرف إلى الأسعار يتفاوت بحسب نوع السلعة ومصدرها والمنافسة والمخزون وهوامش الربح. لكنه يعني يقينًا أن الراتب فقد جزءًا من قيمته تجاه العملة التي تُسعّر بها نسبة مهمة من الاستيرادات والتكاليف الخارجية.

وهنا ينبغي التمييز بين حقيقتين مترابطتين: انخفاض قيمة الدينار أمام الدولار حقيقة حسابية مباشرة، أما مقدار انخفاض القوة الشرائية الداخلية للمواطن فسيتحدد بمقدار انتقال هذا التخفيض إلى الأسعار. لكن في اقتصاد مستورد مثل الاقتصاد العراقي، من الصعب تصور أن زيادة كلفة الدولار لا تنتقل، بدرجات متفاوتة، إلى الأسواق.

والبنك المركزي العراقي نفسه كان قد شرح هذه العلاقة في بيان سابق حين أشار إلى أن تحميل البضائع المستوردة فرق سعر الصرف يؤدي إلى ارتفاع الأسعار و«التأثير السلبي في القوة الشرائية للمواطنين». وهذا بالضبط هو جوهر الاعتراض اليوم: إذا كان ارتفاع كلفة الدولار يضغط على القوة الشرائية عندما يحدث في السوق غير الرسمية، فإنه لا يفقد هذه الخاصية الاقتصادية عندما يصبح الارتفاع جزءًا من السعر الرسمي.

تخفيض غير معلن للرواتب بالقيمة الحقيقية

لهذا أقول إن القرار، من حيث أثره الاقتصادي إذا انعكس على الأسعار، يمثل تخفيضًا للقيمة الحقيقية للرواتب من دون تخفيض أرقامها الاسمية. الدولة لا تحتاج إلى أن تقول للموظف إنها اقتطعت جزءًا من راتبه؛ يكفي أن يبقى الراتب ثابتًا بينما ترتفع كلفة السلع التي يشتريها.

وهذا الأثر لا يقع على الموظفين وحدهم، بل يمتد إلى المتقاعدين وأصحاب الدخول الثابتة وصغار الكسبة والمدخرين بالدينار، وهم الفئات الأقل قدرة على حماية نفسها من انخفاض قيمة العملة. صاحب رأس المال يستطيع أن يحوّل جزءًا من أمواله إلى الدولار أو الذهب أو العقار أو الموجودات، والتاجر يستطيع بدرجات مختلفة أن يعيد تسعير بضاعته، أما الموظف والمتقاعد فإن دخلهما يبقى مكتوبًا بالدينار نفسه، وعليهما مواجهة الأسعار الجديدة به. ومن هنا يصبح تخفيض العملة قضية عدالة اجتماعية، وليس مجرد قضية نقدية.

لماذا يدفع المواطن ثمن اختلال المالية العامة؟

قد تحصل وزارة المالية، نتيجة تغيير سعر الصرف، على دنانير أكثر مقابل الدولارات النفطية التي تدخل الخزينة. وهذه حقيقة حسابية لا خلاف عليها. لكن من الضروري ألا تتحول هذه الحقيقة إلى خدعة لغوية توحي بأن العراق أصبح أغنى. النفط لم يزد، والدولارات لم تتكاثر، والإنتاجية لم ترتفع، والمصانع لم تتوسع بسبب تغيير سعر الصرف. ما حدث ببساطة هو أن الدولار الواحد أصبح يقابله عدد أكبر من الدنانير.

وهنا يقع جوهر اعتراضي: إذا كان الهدف الأساسي من تخفيض الدينار هو تمكين الدولة من الحصول على دنانير أكثر لتمويل نفقاتها، فنحن أمام معالجة لمشكلة الدولة عن طريق تخفيض قيمة العملة التي يحملها المجتمع.

وهذا هو الطريق الأسهل، لكنه ليس بالضرورة الطريق الصحيح.

فلماذا يبدأ الإصلاح من قيمة الدينار الذي يتقاضاه الموظف والمتقاعد قبل أن يبدأ من الهدر؟ ولماذا يجري البحث عن موارد إضافية عبر سعر الصرف قبل استنفاد إمكانات إصلاح الجمارك والضرائب والمنافذ الحدودية والإنفاق غير المنتج والامتيازات والمخصصات والترهل الإداري؟ ولماذا يُطلب من المواطن أن يتحمل انخفاض القوة الشرائية قبل أن تقدم الدولة كشفًا واضحًا بما فعلته لتقليل كلفة جهازها وتحسين كفاءة إنفاقها؟

هذه ليست أسئلة خطابية، وإنما أسئلة تتعلق بفلسفة إدارة الدولة نفسها.

والمفارقة أكبر من ذلك

في 19 أيلول/سبتمبر 2026، أي قبل أسابيع قليلة، أعلن البنك المركزي العراقي أن لديه احتياطيات أجنبية كافية لتلبية كافة الطلبات على العملة الأجنبية الخاصة بتمويل التجارة الخارجية والبطاقات المصرفية وطلبات المسافرين وفق السعر الرسمي، وعزا ارتفاع سعر الصرف في الأسواق المحلية إلى المضاربات والتوقعات واستغلال الظروف الجيوسياسية. 

وفي حزيران من العام نفسه كان البنك المركزي يؤكد أن سياسته ترتكز على الحفاظ على استقرار سعر الصرف مستندًا إلى احتياطيات أجنبية قوية وأدوات نقدية فاعلة. 

ومن حق الرأي العام، لذلك، أن يعرف: ما الذي تغير خلال هذه المدة القصيرة؟ وما الضرورة الاقتصادية التي استوجبت الانتقال من تأكيد كفاية الاحتياطيات والدفاع عن استقرار سعر الصرف إلى تخفيض قيمة الدينار؟ وما البدائل التي دُرست؟ وما مقدار الأثر المتوقع على التضخم والقوة الشرائية؟ وما الإجراءات التي اتخذت لحماية أصحاب الرواتب والدخول الثابتة؟

بل إن تجربة عام 2020 تقدم درسًا لا ينبغي تجاهله. فعندما خُفضت قيمة الدينار آنذاك، أقر البنك المركزي نفسه بأن تغيير سعر الصرف يؤثر مباشرة في الفئات الهشة، وطالب بإجراءات حكومية لدعمها، وربط معالجة الاختلالات بإصلاح مؤسسات الجباية والجمارك والضرائب وترشيد الإنفاق. 

بعد ست سنوات، يعود السؤال نفسه: ماذا تحقق من الإصلاح البنيوي حتى لا يتحول سعر الصرف مرة أخرى إلى أداة لترميم اختلالات المالية العامة؟

لا أرفض تعديل سعر الصرف بوصفه محرّمًا اقتصاديًا

ليس الاعتراض هنا دفاعًا عقائديًا عن رقم 1320، ولا توجد قيمة مقدسة لأي سعر صرف. وقد توجد ظروف اقتصادية تستوجب تعديل سعر العملة، كما يمكن نظريًا أن يؤدي انخفاض قيمة الدينار إلى تحسين تنافسية الإنتاج المحلي أمام المستورد.

لكن هذا الأثر الإيجابي يحتاج إلى اقتصاد منتج يستطيع الاستجابة. يحتاج إلى صناعة وزراعة قادرتين على زيادة الإنتاج، وكهرباء وطاقة وتمويل وبنية تحتية ونظام مصرفي وأسواق قادرة على تحويل الميزة السعرية إلى إنتاج حقيقي. أما إذا خُفضت قيمة العملة في اقتصاد يعتمد بقوة على الإيرادات النفطية والاستيراد، قبل بناء القدرة الإنتاجية البديلة، فقد تأتي زيادة أسعار المستوردات سريعًا بينما يحتاج نمو الإنتاج المحلي إلى سنوات.

ومن هنا فإن ترتيب الخطوات مهم بقدر أهمية الخطوات نفسها: ابنوا القدرة الإنتاجية أولًا، أصلحوا المالية العامة، قللوا الهدر، عظموا الإيرادات الحقيقية، ثم ناقشوا سعر الصرف في إطار استراتيجية اقتصادية متكاملة، لا بوصفه صنبورًا ماليًا نستخرج منه دنانير إضافية كلما ضاقت الخزينة.

الدولة الحضارية تزيد قيمة الإنسان ولا تأكل من دخله

من منظور الفلسفة الحضارية، الاقتصاد ليس مجرد موازنة تتعادل فيها الأرقام، وإنما هو جزء من منظومة غايتها تمكين الإنسان وتحقيق الحياة الطيبة القائمة على وفرة الإنتاج وعدالة التوزيع. وقوة الدولة لا تقاس بعدد الدنانير التي تستطيع وزارة المالية تسجيلها في حساباتها، وإنما بقدرتها على زيادة الثروة الحقيقية والإنتاج والقيمة المضافة ورفع مستوى معيشة الإنسان.

الدولة المنتجة تعالج العجز بإنتاج قيمة جديدة. أما الدولة الريعية، حين تعجز عن إصلاح بنيتها، فقد تميل إلى معالجة أزمتها بإعادة توزيع القيمة الموجودة أصلًا، وقد يكون تخفيض العملة إحدى وسائل ذلك.

ولهذا فإن القضية أكبر من فارق مئتي دينار في سعر الدولار. إنها تتعلق بالسؤال الذي ينبغي أن يحكم السياسة الاقتصادية العراقية: من يتحمل كلفة عجز الدولة؟

موقفي واضح: لا يجوز أن تكون البداية من جيب المواطن. لا يجوز أن نحافظ على حجم الإنفاق والهدر والاختلالات، ثم نبحث عن التوازن بتقليل قيمة الدينار. ولا يجوز أن يبقى راتب الموظف ثابتًا اسميًا ثم نسمح للسياسة الاقتصادية بأن تقلل قدرته الفعلية على شراء حاجاته ونقول له إن راتبه لم يُمس.

الراتب لا تقاس قيمته بعدد الأوراق التي يتسلمها الموظف، وإنما بما يستطيع أن يشتريه بها.

فإذا بقي عدد الدنانير في الراتب كما هو، وانخفضت قيمتها وارتفعت كلفة معيشة صاحبها، فقد انخفض الراتب اقتصاديًا حتى وإن بقي ثابتًا محاسبيًا.

ولهذا أقولها بصراحة: لا تعالجوا عجز الدولة من جيب المواطن، ولا تعالجوا ضعف الإدارة بتخفيض قيمة ما يملكه الناس. أصلحوا الدولة قبل أن تطلبوا من المجتمع أن يدفع ثمن أعطابها.

اضف تعليق