العراق الذي يريده المواطن ليس عراقاً يظهر جميلاً في الصور والتصريحات، بل عراقٌ يشعر فيه الإنسان أن الغد يستحق الانتظار. لقد اعتاد الشارع العراقي على سماع الخطط والمشاريع، لكنه لم يعد يقيس النجاح بعدد الكلمات، بل بما يلمسه من أثر؛ فالإصلاح الحقيقي هو طريقٌ آمن، وفرصة عمل عادلة لشاب لا تنتظر واسطة، وخدمة أساسية تُقدَّم باعتبارها حقاً أصيلاً لا منّةً إدارية...
في الزمن الحالي والتطور التكنلوجي وسرعة نقل الاخبار، ليس كل ما يحدث في العراق يكتب في خبر عاجل. ولا كل ما يشعر به العراقي يمكن أن يظهر في تصريح رسمي أو مؤتمر صحفي، وذلك لان هناك عراق آخر يعيش بين تفاصيل الحياة اليومية منها.
الموظف الذي يحسب ما تبقى من راتبه قبل نهاية الشهر ليكون مصرف عائلته كافيا، والشاب الذي يحمل شهادة جامعية ويبحث عن فرصة تمنحه شعورا بأنه قادر على بناء مستقبله، ويجعل له مكانا بين المجتمع، والأب الذي يريد لأبنائه حياة أفضل من تلك التي عاشها هو سابقا، والأم التي لا تطلب الكثير بقدر ما تريد أن ترى أبناءها يعيشون بأمان واستقرار.
العراق اليوم لا يعاني من مشكلة واحدة يمكن وضعها في عنوان واضح وصريح لان كل العناوين قليلة عن التعبير في الواقع الذي يعيشه، بل هي مجموعة أسئلة تتداخل في حياة المواطن، سؤال العمل، وسؤال الخدمات، وسؤال المستقبل، وسؤال العدالة في توزيع الفرص، والأهم من ذلك كله، متى يشعر المواطن أن ما يسمعه من وعود يتحول فعلا إلى شيء يراه في الواقع من حياته؟
لقد اعتاد العراقي خلال السنوات الماضية على سماع الكثير من الخطط والمشاريع والتصريحات، لكن المواطن لم يعد يقيس نجاح المؤسسات بعدد الكلمات التي تقال، وإنما بما يلمسه في الشارع، فالمشروع بالنسبة إليه ليس رقما في بيان يصرح بيه مسؤول والخدمات ليست عنوانا في تقرير، والإصلاح ليس شعارا يرفع في مناسبة، الإصلاح الحقيقي هو طريق أفضل، ومؤسسة أكثر احتراما للمواطن، وفرصة عمل لشاب، ومعاملة تنجز دون تعقيد، ومدينة تشعر بأنها جزء من اهتمام الدولة.
ولعل أكثر ما يحتاجه العراق اليوم هو إعادة بناء الثقة، والثقة لا تطلب من المواطن، بل تكتسب منه، عندما يرى المواطن أن المسؤول يستمع إليه، وأن المؤسسة تعترف بالمشكلة قبل أن تبحث عن مبرراتها، وأن الموظف يؤدي واجبه لأنه يشعر بالمسؤولية لا لأنه يخشى العقوبة، تبدأ المسافة بين الدولة والمجتمع بالانحسار.
أما الشباب فهم الحكاية الأهم في العراق وكل العالم فجيل كامل يقف أمام مستقبل مفتوح على احتمالات كثيرة. لكنه يريد أن يعرف أين سيكون مكانه فيه، لا يريد الشاب العراقي أن يسمع دائما أنه مستقبل البلد فقط كلام لا افعال فهو يريد أن يكون جزءا من حاضره أيضا. يريد تعليما يفتح له الأبواب وسوق عمل يمنحه فرصة عادلة ومساحة يستطيع فيها أن يثبت قدرته بعيدا عن الواسطة والمحسوبية التي يعيشها البلد
وفي الجانب الآخر لا يمكن تجاهل المواطن البسيط الذي لا يبحث عن حياة مثالية، إنه يريد حياة طبيعية فقط، كهرباء مستقرة، ماء صالحا، شوارع منظمة، مستشفيات محترمة، مدارس قادرة على صناعة جيل جديد، ومؤسسات تتعامل معه باعتباره صاحب حق لا طالب منة.
العراق يمتلك ما يكفي من الإمكانات لكي يكون أفضل مما هو عليه، لكن الإمكانات وحدها لا تصنع الدول، الذي يصنعها هو حسن الإدارة، ووضوح الأولويات واحترام الإنسان وتحويل المال العام إلى مشاريع يشعر المواطن بنتائجها وتحويل المسؤولية من منصب إلى واجب.
ربما آن الأوان لأن نتوقف عن سؤال: ماذا نملك؟ ونبدأ بالسؤال الأهم: ماذا فعلنا بما نملك؟ فالعراق الذي يريده المواطن ليس عراقا يظهر جميلا في الصور، بل عراقا يشعر فيه الإنسان أن الغد يستحق الانتظار، وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية حين يصبح المواطن هو المقياس لا الرقم ولا التصريح ولا العنوان.



اضف تعليق