تناقش المداخلة مستقبل السيادة العراقية بعد انسحاب القوات الأجنبية، وشروط نجاح الدولة في اختبار الاستقلال. وتعرض المداخلة متطلبات عبور المرحلة الجديدة، وفي مقدمتها توحيد القرار السيادي، وحصر السلاح، وبناء المؤسسات، وتحقيق التوازن الخارجي، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي ومكافحة الفساد وترسيخ المصلحة الوطنية العراقية بصورة مستدامة. ومدى قدرة العراق على...
قدّم الدكتور عمار أحمد إسماعيل المكوطر، المتخصص في العلاقات الدولية والدبلوماسية، هذه المداخلة إلى الجلسة الحوارية التي عقدها مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية تحت عنوان: «العراق ما بعد 30 سبتمبر.. اختبار السيادة وقوة الدولة»، والتي تناولت سؤالين رئيسين: الأول يتعلق بتوقعات مرحلة ما بعد 30 سبتمبر ومدى قدرة العراق على اجتياز اختبار الدولة والاستقلال والسيادة، والثاني يبحث في الكيفية التي يستطيع بها العراق عبور هذا التحول وتحقيق استقلاله بعيدًا عن خروقات الداخل وتدخلات الخارج. وهذه كانت المداخلة:
السؤال الأول: ما هي توقعاتكم لما بعد 30 سبتمبر، وهل سينجح العراق في اختبار الدولة والاستقلال والسيادة؟
إن 30 سبتمبر لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد تاريخ لانتهاء مهمة التحالف الدولي أو خروج القوات الأجنبية من العراق، وإنما بوصفه بداية لمرحلة جديدة يصبح فيها العراق أمام اختبار حقيقي لقدرة الدولة على ممارسة سيادتها بصورة فعلية.
فالسيادة، في مفهومها الحديث، لا تُختزل في خروج القوات الأجنبية من أراضي الدولة، وإنما تتجسد في قدرة الدولة على احتكار أدوات القوة المشروعة، وحماية حدودها، وفرض القانون، وتوحيد القرار السياسي والأمني والعسكري، وإدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية، فضلًا عن امتلاك قدر من الاستقلال الاقتصادي الذي يحول دون تحويل الاقتصاد إلى أداة للضغط السياسي.
ومن هذه الزاوية، فإن العراق يدخل مرحلة تحمل فرصًا ومخاطر في آن واحد. فالانسحاب الأميركي والتحالف الدولي يمثل انتقالًا للمسؤولية الأمنية إلى المؤسسات العراقية، وهو ما يمكن أن يعزز مفهوم الاعتماد على القدرات الوطنية، إلا أنه في الوقت نفسه يضع الدولة أمام مسؤولية أكبر في مواجهة الإرهاب، وضبط السلاح، ومنع تحول العراق إلى ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن الولايات المتحدة أنهت وجودها العسكري في العراق، مع استمرار التعاون في مجالات التدريب والدعم الاستخباري، فيما تبرز مخاوف مرتبطة بإمكانية استغلال الفراغ الأمني من قبل تنظيم داعش أو جماعات مسلحة أخرى.
أما نجاح العراق في اختبار الدولة والسيادة، فلا يمكن الحكم عليه من اليوم الأول؛ ذلك أن السيادة عملية تراكمية وليست إعلانًا سياسيًا يُذاع أو شعارًا يُنشر. وستكون المؤشرات الحقيقية خلال المرحلة المقبلة هي: مدى قدرة الحكومة على فرض القانون على الجميع، ومدى توحيد القرار الأمني، وقدرتها على حماية الحدود، ومنع استخدام الأراضي العراقية في الاعتداء على الدول الأخرى أو تحويلها إلى ساحة صراع بالوكالة.
ومن أهم الاختبارات كذلك قدرة العراق على تحقيق توازن في علاقاته الدولية. فالعراق ليس مطالبًا باستبدال تبعية خارجية بأخرى، وإنما ببناء سياسة خارجية عراقية مستقلة ومتوازنة تقوم على المصالح الوطنية، وعدم الدخول في محاور مغلقة، وإقامة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران والدول العربية وتركيا وسائر القوى الدولية.
وبالتالي، فإن نجاح العراق لا يُقاس بمن يغادر الأراضي العراقية، وإنما بمن يستطيع أن يجعل قرار بغداد يصدر من مؤسسات الدولة العراقية وحدها.
السؤال الثاني: كيف يمكن للعراق أن يعبر ذلك التحول الكبير ويحقق استقلاله بعيدًا عن خروقات الداخل وتدخلات الخارج؟
يتطلب عبور هذه المرحلة مشروعًا وطنيًا متكاملًا؛ إذ إن مواجهة التدخل الخارجي لا تبدأ من الخارج، وإنما تبدأ من تقوية الجبهة الداخلية.
وأرى أن هناك مجموعة من المرتكزات الرئيسة:
أولًا: توحيد القرار السيادي
لا يمكن لدولة أن تكون كاملة السيادة إذا تعددت مراكز القرار في القضايا المصيرية، ولا سيما الأمن والدفاع والعلاقات الخارجية. ولذلك فإن توحيد القرار الوطني يجب أن يكون أولوية، بحيث تكون المؤسسات الدستورية هي المرجعية الوحيدة في اتخاذ القرارات السيادية.
ثانيًا: حصر السلاح بيد الدولة
إن احتكار الدولة للسلاح لا يعني إقصاء أي مكون اجتماعي أو سياسي، بل يعني إخضاع استخدام القوة للقانون والمؤسسات الرسمية. وقد أكد الرئيس العراقي في 30 سبتمبر أن حصر السلاح بيد الدولة يمثل ركيزة لصون السيادة، وربط قوة الدولة بقدرتها على فرض القانون وحماية مؤسساتها.
ثالثًا: بناء مؤسسات دولة قوية لا مؤسسات نفوذ
فالسيادة الخارجية لا يمكن أن تكون مكتملة إذا كانت الدولة تعاني من ضعف مؤسساتي أو فساد أو محاصصة أو تضارب في مراكز النفوذ. وكلما كانت مؤسسات الدولة أكثر كفاءة واستقلالًا، تقلصت قابلية القرار الوطني للاختراق الخارجي.
رابعًا: اعتماد سياسة خارجية متوازنة
ينبغي للعراق أن ينتقل من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة، وأن يتعامل مع القوى الدولية والإقليمية وفق قاعدة المصلحة العراقية أولًا. فالعلاقة مع الولايات المتحدة ينبغي أن تكون علاقة مصالح وشراكة، وكذلك العلاقة مع إيران والدول العربية وتركيا وسائر الأطراف، من دون السماح لأي طرف بتحويل العراق إلى جزء من مشروعه الإقليمي.
خامسًا: تحقيق الاستقلال الاقتصادي بصورة تدريجية
فالاستقلال السياسي يبقى محدودًا إذا كان الاقتصاد شديد الارتهان لعامل واحد. ولذلك فإن تنويع الاقتصاد، وتطوير الصناعة والزراعة، وتشجيع الاستثمار، وإصلاح النظام المالي، وتقليل الاعتماد على النفط، تمثل جميعها عناصر أساسية في بناء السيادة الحقيقية.
سادسًا: تحصين المجتمع والدولة من الفساد والمحسوبية
فالفساد ليس مجرد مشكلة إدارية، بل يمكن أن يتحول إلى منفذ للتأثير الخارجي؛ لأن ضعف المؤسسات وشراء النفوذ وإضعاف الكفاءة يفتح المجال أمام مراكز قوى غير رسمية لتوجيه القرار العام.
سابعًا: اعتماد مفهوم العراق أولًا بوصفه قاعدة للمصلحة الوطنية
والمقصود بذلك ليس الانغلاق عن المحيط العربي أو الإقليمي أو الدولي، وإنما أن تكون علاقات العراق الخارجية أداة لتحقيق مصالحه، لا وسيلة لتوظيف العراق في صراعات الآخرين.
إن المرحلة التي بدأت بعد 30 سبتمبر تضع العراق أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف علاقاته الخارجية وبناء دولة أكثر قدرة على حماية قرارها الوطني. بيد أن هذه الفرصة لن تتحول تلقائيًا إلى سيادة مكتملة؛ إذ تحتاج إلى إرادة سياسية، ومؤسسات قوية، وتوافق وطني، وإدارة رشيدة لعلاقات العراق الخارجية.
وبناءً على ما تقدم، فإن خلاصة القول: إن خروج القوات الأجنبية يمكن أن يكون بداية للسيادة، لكنه ليس السيادة ذاتها. فالسيادة الحقيقية تبدأ عندما يصبح القانون فوق الجميع، والسلاح تحت سلطة الدولة، والقرار الوطني مستقلًا عن الخارج، والمؤسسات أقوى من الأشخاص والجماعات، والاقتصاد قادرًا على دعم القرار السياسي.
وعندها فقط يمكن القول إن العراق لم ينتقل من نفوذ خارجي إلى نفوذ خارجي آخر، وإنما انتقل فعلًا إلى مرحلة الدولة ذات القرار الوطني المستقل.



اضف تعليق