عندما يرى الناس مؤسسة تتحدث عن إصلاحات كبرى وهي عاجزة عن معالجة أبسط تفاصيل عملها الداخلي، تتكثف كل التقارير والدراسات في سخرية شائعة: "عفية عليك.. حليت مشاكل الأمة وربحت الشركة!". هذه الجملة أكبر من كونها نكتة؛ إنها بالضبط تفكيك شعبي حاد يكشف الفجوة الواسعة بين الإعلان والتنفيذ، ويُسقط أوهام الإدارة الشكليّة التي تستبدل صناعة النتائج بإدارة الصورة...
لماذا تستطيع بعض المؤسسات العراقية أن تتحدث طويلاً عن الإصلاح، فيما تتعثر في معالجة مشكلة إدارية صغيرة داخلها؟ لماذا تتكاثر الاستراتيجيات والخطط واللجان، بينما تبقى المعاملة البسيطة أسيرة الروتين؟ لماذا نسمع كثيراً عن التحول الرقمي، فيما ما زالت بعض الإجراءات تحتاج إلى سلسلة طويلة من التواقيع؟ لماذا تتحدث مؤسسة عن تطوير المجتمع وهي عاجزة عن تطوير آليات عملها؟ ولماذا يصبح الحديث عن المستقبل أحياناً أكثر حضوراً من العمل الذي يصنع ذلك المستقبل؟
هذه الأسئلة لا تستهدف مؤسسة بعينها، وإنما تلامس ظاهرة يمكن ملاحظتها في الحياة العراقية العامة: اتساع الفجوة بين حجم الخطاب الإداري والسياسي وحجم التغيير الذي يصل إلى حياة الناس. وفي هذه الفجوة تحديداً تظهر واحدة من أكثر مشكلات الإدارة تعقيداً؛ عندما تتحول الأفكار والخطط من وسائل لتغيير الواقع إلى وسائل لإدارة صورته.
في العراق، لا يبدو نقص الأفكار هو المشكلة الأساسية. لدينا خطط واستراتيجيات ومؤتمرات وورش عمل ولجان ومبادرات وبرامج للتحول الرقمي والإصلاح الإداري والتنمية والاستثمار والتعليم ومكافحة الفساد. كثير من هذه العناوين ضروري ومشروع، وبعضها حقق نتائج حقيقية في مؤسسات وقطاعات مختلفة. مع ذلك، يبقى المواطن في أحيان كثيرة أمام تجربة يومية مختلفة: إجراء طويل، دائرة تتبادل المسؤولية، منصة إلكترونية لا تلغي الورقة، مشروع يتأخر عن موعده، أو قرار جيد يتعطل عند مرحلة التنفيذ. هنا لا تعود المشكلة في غياب الرؤية، وإنما في المسافة التي تفصل الرؤية عن التنفيذ.
وهذه المسافة تكشف أن العجز المؤسسي لا يعني دائماً عدم معرفة الحل. أحياناً تعرف المؤسسة ما ينبغي أن تفعله، وتملك الموارد البشرية اللازمة، وتستطيع تحديد موضع الخلل، لكنها لا تمتلك الإرادة الكافية لدفع كلفة التغيير. فالإصلاح الحقيقي يزعج التوازنات القديمة؛ يحتاج إلى مراجعة صلاحيات، ومحاسبة، وتغيير أساليب عمل، وربط المسؤولية بالنتيجة، والتخلي عن إجراءات اعتاد عليها الموظفون والمراجعون سنوات طويلة. لذلك قد يصبح إنتاج خطة جديدة أسهل من إصلاح نظام قائم.
من هنا تظهر ظاهرة يمكن وصفها بـ فائض الخطاب مقابل عجز الفعل. كلما كانت النتائج محدودة، يصبح الخطاب أكثر أهمية في حماية صورة المؤسسة. تتسع لغة «التحول» و«التطوير» و«الرؤية» و«الاستدامة» و«الابتكار»، فيما قد يبقى السؤال الأكثر بساطة من دون إجابة: ماذا تغير فعلياً بالنسبة للمواطن؟
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في التحول الرقمي. فالرقمنة الحقيقية لا تعني نقل الاستمارة الورقية إلى شاشة، وإنما إعادة تصميم الخدمة بحيث تقل الخطوات، وتختصر المدة، وتتراجع الحاجة إلى المراجعة الشخصية، ويمكن تتبع المعاملة ومحاسبة الجهة المسؤولة عن تأخيرها.
عندما يتحول النظام الإلكتروني إلى طبقة إضافية فوق الروتين القديم، يصبح لدينا تحديث شكلي للبيروقراطية، لا تحول رقمي حقيقي. وهذه الحالة تقدم مثالاً واضحاً على الفرق بين إدخال التكنولوجيا إلى المؤسسة وإعادة بناء المؤسسة على أساس التكنولوجيا.
الأمر ذاته يمكن ملاحظته في بعض المشاريع والبرامج التنموية. قد يبدأ المشروع بعنوان كبير، ويقام له مؤتمر، وتعلن أهدافه، ثم يطول الزمن بين الإعلان والنتيجة. وبعد فترة يصبح الحديث عن المشروع جزءاً من الإنجاز نفسه، مع أن المعيار الحقيقي يجب أن يكون عدد المستفيدين، والمدة، والكلفة، ونوعية الخدمة، والأثر الاقتصادي أو الاجتماعي. المؤسسة التي لا تقيس هذه النتائج بدقة قد تجد نفسها أمام وفرة في النشاط وقلة في الأثر.
وتزداد المشكلة عندما تنتقل المسؤولية من المؤسسة إلى البيئة المحيطة بها. فتعثر المشروع قد يُفسر أحياناً بضعف وعي المجتمع، وتأخر الخدمة بضغط المراجعين، وضعف الاستثمار بالظروف الاقتصادية، وتراجع الأداء بسلوك الموظفين، فيما تبقى الأسئلة المتعلقة بالتصميم المؤسسي والإدارة والرقابة أقل حضوراً. الظروف الخارجية مؤثرة بالتأكيد، لكن المؤسسة الناضجة لا تستخدمها لإلغاء مسؤوليتها؛ وإنما تسأل: ما الذي نستطيع فعله رغم هذه الظروف؟
في هذه اللحظة يظهر شكل آخر من العجز، هو انتظار المنقذ. قد تنتظر مؤسسة تمويلاً جديداً، أو قراراً من جهة أعلى، أو مشروعاً وطنياً، أو تغييراً سياسياً، أو شخصية إدارية استثنائية. ومع استمرار الانتظار تتكون ثقافة تقول بصورة ضمنية: «سنبدأ عندما تتغير الظروف». وهكذا يتحول التأجيل من حالة مؤقتة إلى أسلوب عمل، ويتحول المستقبل إلى ذريعة لتفسير ضعف الحاضر.
وفي المجتمع العراقي، تأتي «الحسجة» الشعبية لتكشف هذه المفارقات بسرعة لافتة. عندما يرى الناس مؤسسة تتحدث عن إصلاحات كبرى وهي عاجزة عن معالجة أبسط تفاصيل عملها، قد تختصر كل التقارير في عبارة ساخرة مثل: «عفية عليك.. حليت مشاكل الأمة وربحت الشركة!». هذه الجملة ليست فقط نكتة. في الواقع إنها تعبير عن وعي شعبي بالفارق بين الكلام والفعل، وعن قدرة المجتمع على اختبار الخطاب الرسمي من خلال التجربة اليومية.
وعليه تكتسب الكوميديا السوداء وظيفة اجتماعية مهمة. فهي تظهر عندما تصبح اللغة الرسمية أكبر من الواقع، وحين يشعر الناس أن التفسير المؤسسي لم يعد كافياً لوصف ما يرونه. الضحك في هذه الحالة لا يلغي خطورة المشكلة، وإنما يكشفها. وقد تكون السخرية أحياناً أكثر دقة من خطاب نقدي طويل؛ لأنها تختصر التناقض في صورة واحدة يستطيع الجميع فهمها.
لكن الابعد من السخرية هو أن يتحول هذا التناقض إلى حالة طبيعية. عندما يعتاد المجتمع أن يسمع وعوداً لا تتحول إلى نتائج، قد يتراجع مستوى توقعاته من المؤسسة. وعندما يتراجع التوقع، تتراجع المساءلة. وعندما تضعف المساءلة، يصبح الأداء الضعيف أكثر قابلية للاستمرار. وبالتالي تتحول المشكلة من خلل إداري إلى ثقافة مؤسسية واجتماعية تتعايش مع الفجوة بين ما يقال وما يحدث.
الاستنتاج الأهم أن الإصلاح العراقي لا يحتاج دائماً إلى مشروع أكبر، وإنما يحتاج في كثير من الحالات إلى قدرة أكبر على إنجاز الأشياء الصغيرة بصورة صحيحة. إنجاز معاملة في وقتها، اختصار إجراء غير ضروري، نشر بيانات واضحة، تحديد مسؤول عن كل مرحلة، قياس نتائج مشروع، إلغاء لجنة لا وظيفة حقيقية لها، وربط تقييم المدير بما تحقق تحت مسؤوليته؛ هذه التفاصيل قد تبدو أقل بريقاً من الاستراتيجيات الكبرى، لكنها هي التي تبني الثقة بالدولة والمؤسسة.
والاستنتاج الثاني أن المؤسسة التي تريد أن تصلح المجتمع تحتاج أولاً إلى بناء آليات تسمح لها بمراجعة نفسها. المؤسسة التي لا تسمع النقد تتحول مع الوقت إلى مؤسسة تسمع صدى نفسها فقط. أما المؤسسة التي تقيس أداءها، وتعترف بأخطائها، وتسمح للموظف والمواطن بتقديم الملاحظة، وتراجع نتائج قراراتها، فإنها تمتلك فرصة حقيقية للتطور.
والاستنتاج الثالث أن العراق يحتاج إلى الانتقال من ثقافة إعلان المبادرات إلى ثقافة قياس الأثر. ليس السؤال كم مبادرة أطلقنا؟ ولا كم مؤتمراً عقدنا؟ وإنما كم مشكلة انتهت؟ كم يوماً اختصرنا من وقت المواطن؟ كم كلفة خفضنا؟ كم فرصة عمل خلقنا؟ وما الذي تغير بعد عام من إطلاق المشروع؟ هذه الأسئلة تحول الإدارة من إنتاج الكلام إلى إنتاج النتائج.
ما الذي يمكن فعله الآن؟
أولاً: ربط كل خطة بمؤشرات نتائج واضحة.
كل مشروع أو استراتيجية يجب أن تتضمن منذ البداية مؤشرات قابلة للقياس، ومدة تنفيذ، ومسؤولاً محدداً، وآلية مراجعة دورية، حتى لا تبقى الخطة وثيقة جميلة يصعب معرفة ما تحقق منها.
ثانياً: البدء بإصلاح الإجراءات الصغيرة قبل إطلاق المشاريع الكبيرة.
كل مؤسسة يمكنها تحديد أكثر عشرة إجراءات تسبب التأخير للمواطنين والموظفين، ثم إعادة تصميمها خلال مدة زمنية محددة. هذا النوع من الإصلاح يعطي نتائج ملموسة ويعيد بناء الثقة.
ثالثاً: اعتماد مبدأ «الرقمنة أولاً» في الخدمات القابلة للرقمنة.
مع إلغاء الخطوات الورقية المكررة، وربط قواعد البيانات، وإتاحة تتبع المعاملة إلكترونياً، وعدم السماح بأن تتحول المنصة الإلكترونية إلى نسخة رقمية من البيروقراطية القديمة.
رابعاً: جعل تقييم القيادات مرتبطاً بالأثر لا بحجم النشاط.
عدد الاجتماعات والمؤتمرات والكتب الرسمية لا ينبغي أن يكون معيار النجاح. المعيار هو ما تغير في الخدمة، والكلفة، والوقت، والإنتاجية، ورضا المستفيدين.
خامساً: إنشاء آليات مستقلة لسماع النقد المؤسسي.
تحتاج المؤسسات إلى قنوات يستطيع من خلالها الموظف والمواطن الإشارة إلى الخلل من دون خوف، مع نشر نتائج المراجعة والإجراءات المتخذة تجاه المشكلات المتكررة.
سادساً: تحويل الاعتراف بالفشل إلى أداة للتعلم.
المشروع الذي يفشل ليس فضيحة إذا جرى تحليل أسباب فشله والاستفادة منها. المشكلة حين يعاد إنتاج الفشل نفسه لأن المؤسسة تخشى الاعتراف به.
سابعاً: بناء قاعدة بيانات وطنية لقياس الأداء الحكومي والمؤسسي.
يمكن مستقبلاً مقارنة المؤسسات وفق زمن إنجاز الخدمة، وكلفتها، ونسبة الشكاوى، ونسبة الإنجاز، وجودة المخرجات. عندها يصبح الأداء قابلاً للمقارنة، ويصبح الكلام عن التطوير مرتبطاً بأرقام.
ثامناً: ربط الخطط المستقبلية بقدرة المؤسسة الحالية.
لا ينبغي أن تبدأ استراتيجية الذكاء الاصطناعي مثلاً من شراء التقنية، وإنما من سؤال أكثر واقعية: هل لدينا بيانات منظمة؟ هل لدينا موظفون مؤهلون؟ هل نملك بنية رقمية؟ هل نعرف المشكلة التي نريد حلها؟ المستقبل الناجح يبدأ من تشخيص الحاضر.
تاسعاً: إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن من «مراجع ومعاملة» إلى «مستفيد وحق».
كل خدمة تقدمها المؤسسة يجب أن ينظر إليها باعتبارها حقاً أو منفعة عامة لها معايير ومدة ومسؤولية، لا باعتبارها فضلاً إدارياً يمكن أن يتوقف على مزاج الموظف أو تعقيد الإجراء.
عاشراً: جعل الإصلاح الداخلي شرطاً لأي خطاب إصلاحي خارجي.
قبل أن تقدم المؤسسة نفسها نموذجاً للتطوير، عليها أن تسأل: هل تطبق داخلها ما تدعو الآخرين إليه؟ هذا السؤال البسيط يمكن أن يصبح معياراً أخلاقياً وإدارياً مهماً في العمل العام.
المستقبل العراقي لن تصنعه كثرة الخطط وحدها، وإنما قدرة المؤسسات على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والخطة إلى نتيجة، والخطاب إلى أثر. وكلما نجحت المؤسسة في إصلاح تفاصيلها الصغيرة، أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع الملفات الكبرى. أما حين يصبح الكلام عن الإصلاح أكثر فائدة من الإصلاح نفسه، فإن المؤسسة لا تتقدم إلى المستقبل؛ إنها تؤجل مواجهة حاضرها.
وربما تختصر «الحسجة» العراقية كل هذه الفكرة بجملة واحدة: «عفية عليك.. حليت مشاكل الأمة، بس معاملتنا شصار بيها؟». السؤال ساخر في ظاهره، لكنه في جوهره سؤال دولة ومؤسسة ومسؤولية: هل نريد أن نتحدث عن الإصلاح، أم نريد أن نرى أثره فعلاً؟



اضف تعليق