فرصة عمل، وماء وكهرباء، وبيت يمكن الاستقرار فيه؛ هذه احتياجات وضعها سكان في غرب نينوى أمام فرق تقيّم صحتهم النفسية. وصفوا ما يشعرون به بالتعب والضيق والقلق، وربطوا معاناتهم بالنزوح ونقص الخدمات. حملت إجاباتهم معنى يتجاوز حدود العيادة: للوجع أسباب يعرفها من يعيشه، وقد تبدأ مساعدته من الإنصات إلى تفاصيل يومه...
فرصة عمل، وماء وكهرباء، وبيت يمكن الاستقرار فيه؛ هذه احتياجات وضعها سكان في غرب نينوى أمام فرق تقيّم صحتهم النفسية. وصفوا ما يشعرون به بالتعب والضيق والقلق، وربطوا معاناتهم بالنزوح ونقص الخدمات. حملت إجاباتهم معنى يتجاوز حدود العيادة: للوجع أسباب يعرفها من يعيشه، وقد تبدأ مساعدته من الإنصات إلى تفاصيل يومه، وإلى ما يراه ضروريًا لاستعادة حياته. وثّقت المنظمة الدولية للهجرة هذه الأصوات في تقييم نشرته عام ٢٠٢٤، لتضع إلى جانب الحاجة إلى الرعاية النفسية مطالب معيشية يصعب فصلها عنها.
وتكشف الإجابات فرقًا مهمًا في تفسير تأخر المساعدة. فبينما تحدث مقدمو خدمات عن الوصمة وضعف الوعي، أبدت غالبية المشاركين استعدادًا لطلب الدعم إذا توفر. تضع هذه النتيجة مسؤولية أمام المؤسسات: تشجيع الناس على الكلام يحتاج خدمة تستقبلهم عندما يقررون ذلك. وقد يحمل الشخص رغبة في العلاج، ثم يصطدم بالطريق إليه؛ عندها يصبح فحص الإتاحة ضروريًا قبل تفسير غيابه بالخجل أو الرفض الاجتماعي. شمل التقييم مناطق البعاج والقيروان وسنجار وسنوني، واستند إلى عمل ميداني أُنجز في كانون الأول ٢٠٢٣، وتبقى نتائجه مرتبطة بالمجتمعات التي تناولها، دون تعميمها على سكان العراق جميعًا.
يأتي اليوم العالمي للصحة النفسية، في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، ليضع أصحاب التجربة في قلب هذا النقاش. تدعو حملة منظمة الصحة العالمية لعام ٢٠٢٦ إلى تحويل أصواتهم إلى تأثير في القرارات والخدمات التي تمس حياتهم. وبالنسبة إلى العراق، تفتح هذه الدعوة بابًا لمراجعة ما يحدث بين الاعتراف بالمعاناة والحصول على المساعدة: مكان رأي المراجع في علاجه، وقدرة الأسرة على مواصلة الرعاية، واستجابة المؤسسة لما يكشفه الناس من عوائق. هناك تُختبر قيمة الإنصات، عندما يعود أثره إلى صاحب الحكاية في صورة تغيير يستطيع أن يلمسه.
الطريق إلى الطبيب
على الجانب الآخر من غرفة الاستشارة، يصف أطباء نفسيون عراقيون عوائق تتجاوز قرار الشخص بطلب المساعدة. دراسة نوعية نشرتها المجلة العراقية للصيدلة في أيلول ٢٠٢٦، واستندت إلى مقابلات مع عشرة أطباء في بغداد خلال حزيران وتموز ٢٠٢٣، تناولت كلفة الرعاية ونقص المعالجين المدربين والخصوصية والوصمة وضعف الوعي. تحدث مشاركون عن حاجة الخدمات إلى إمكانات وتدريب، وعن أثر المعلومات المضللة في فهم الاضطرابات وعلاجها. تجمع هذه الإفادات بين ما يحمله المراجع معه إلى العيادة، وما يواجهه بعد الوصول، حيث يمكن أن يضيق المكان أو الوقت أو تنقص المهارة المطلوبة.
وتحمل إشارة أحد الأطباء إلى أن الإحصاءات لا تشمل من لا يصلون إلى العلاج دلالة مهمة: سجلات المراجعين ترصد الداخلين إلى النظام، ويظل خارجه أشخاص تختلف أسباب غيابهم. كذلك لا تختزل مقابلات الأطباء العشرة واقع البلاد كله؛ إنها تكشف خبرة مهنية محددة، بتوقيت معلوم، تساعد على تحديد مواضع الخلل. وتضع الخصوصية خصوصًا مسؤولية مباشرة على مقدم الخدمة. فمن يخشى انكشاف أمره يحتاج إلى ترتيبات تحمي معلوماته، إلى جانب الرسالة التي تشجعه على الكلام. عند هذه النقطة يصبح تحسين المكان والإجراء جزءًا من بناء الثقة التي تطلبها حملات التوعية.
أما اتجاهات الناس، فتبدو أقل تجانسًا مما توحي به عبارة «المجتمع يرفض العلاج النفسي». دراسة عراقية نُشرت إلكترونيًا في أيلول ٢٠٢٤، ثم ضمن عدد علمي في ٢٠٢٥، استطلعت ١٣٩٤ مشاركًا عبر الإنترنت، ووجدت اتجاهات إيجابية تجاه الحالات النفسية لدى ٥٤٫٧٣ في المئة منهم، وفق المقياس المستخدم. جُمعت الإجابات بين كانون الأول ٢٠٢٢ وشباط ٢٠٢٣ بعينة غير احتمالية، لذلك لا تمثل النسبة تقديرًا لكل العراقيين. لكنها تُظهر، داخل العينة المدروسة، مساحة قبول إلى جانب الاتجاهات السلبية، وتمنح النقاش عن الوصمة قدرًا من التحديد بدل إطلاق حكم واحد على السكان.
وجد الباحثون كذلك ارتباطات بين الاتجاهات وبعض الخصائص الديموغرافية، منها الجنس والعمر. وتفيد هذه الفروق في تصميم رسائل أقرب إلى الفئات المعنية، مع إبقاء الفرق واضحًا بين التعبير عن موقف إيجابي والذهاب فعليًا إلى طلب الرعاية. فقد يقبل الشخص فكرة العلاج ويعجز عن كلفته، أو يجد الأسرة متفهمة والخدمة بعيدة.
لذلك يظل النجاح في تغيير التصورات خطوة ضمن رحلة أطول. ويمنع هذا التفريق تحميل المراجعين وحدهم مسؤولية تأخرهم، أو اعتبار انخفاض الإقبال دليلًا كافيًا على رفض اجتماعي، قبل فحص شروط الحصول على الخدمة نفسها.
داخل مجتمع اللاجئين في العراق، كانت فوزية تخشى نظرة الناس إذا طلبت دعمًا نفسيًا. أم لثمانية أطفال، تواجه ضغط مسؤوليات المنزل وعدم استقرار عمل زوجها، ثم تعود إلى عائلتها محمّلة بالتوتر والغضب. تروي شهادة نشرتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في تشرين الأول ٢٠٢٤ أنها التحقت بجلسة جماعية نظمتها المتطوعة السورية نرمين. أكثر ما ساعدها، وفق روايتها، إدراك أن أخريات يواجهن معاناة مشابهة. ومع استمرار الجلسات تحدثت عن تحسن تعاملها مع ضغوطها، وعن أطفال كانوا أول من لاحظ التغير في طريقتها داخل البيت.
كانت نرمين تصل إلى البيوت، وتنظم جلسات، وتساعد على ترتيب بدائل فردية لمن لا يرتاحون إلى الحديث أمام مجموعة، ضمن عمل تدعمه المفوضية وشريكتها منظمة «وجان». حضرت تقنيات التنفس وإدارة الضغط والرفق بالنفس في الأنشطة التي وصفها التقرير. أهمية الحكاية في تفاصيل الوصول: امرأة ترددت، وشخص من مجتمعها اقترب، ومساحة أتاحت لها أن تتكلم. الأثر الذي تصفه فوزية يخص تجربتها كما روتها للمفوضية؛ لكنه يوضح ما تختصره عبارة «دعم نفسي اجتماعي» عندما تُترجم إلى علاقة أكثر هدوءًا مع الأبناء وقدرة أفضل على احتمال يوم صعب.
موعد يحتاج إلى ميزانية
محليًا، يضع تقرير نظام رصد الموارد والخدمات الصحية «HeRAMS» عن العراق طبقة من البيانات أمام هذا النقاش. نُشر في كانون الثاني ٢٠٢٥، واستند إلى تحديثات حتى الرابع عشر من تشرين الثاني ٢٠٢٤ شملت ٥١٠٦ وحدات لتقديم الخدمات الصحية. ويتناول الأمراض غير السارية والصحة النفسية، مع رصد الإتاحة والعوائق. وتظهر في مكونات الرصد مشكلات تتصل بالعاملين والتدريب والإمدادات والموارد المالية. تخرج الفجوة هنا من عموم عبارة «نقص الخدمات» إلى عناصر يمكن تحديد المسؤولية عنها والعمل على تحسينها، بحسب نوع المنشأة والدور المقرر لها داخل النظام.
وتحتاج قراءة الخريطة الصحية إلى التفريق بين خدمة غير متاحة في منشأة يفترض أن تقدمها، وخدمة تقع أصلًا خارج نطاق عمل منشأة أخرى. فعدد الأبنية وحده لا يحدد قدرة الناس على الوصول إلى علاج مناسب، كما لا يدل غياب الاختصاص في كل مركز على إخفاق مستقل. الأهم وجود مسار واضح بين مستويات الرعاية، وتوافر ما يحتاجه كل مستوى لأداء وظيفته. ويوفر الرصد أساسًا لمقارنة هذا التصميم بالتطبيق. وتكتمل فائدته عندما تُربط بيانات المرافق بتجارب مراجعيها، بحيث يظهر أثر النقص الموثق في وقت الانتظار أو الإحالة أو استمرار المساعدة، مع الحاجة إلى قياس تلك النتائج بصورة مستقلة.
تندرج هذه التحديات المحلية ضمن فجوة عالمية واسعة. تقرير «الصحة النفسية في العالم اليوم»، الصادر عن منظمة الصحة العالمية في أيلول ٢٠٢٥، يشير إلى أن أكثر من مليار إنسان يعيشون مع اضطراب نفسي. ويصف نقصًا في الموارد والعاملين وجودة الخدمات والاستجابة، إلى جانب العبء الصحي والاقتصادي. هذا الرقم يوسع نطاق المسؤولية: التعامل مع الصحة النفسية شأن يومي داخل الأنظمة الصحية، يتصل بعدد كبير من الناس وبقدرتهم على العمل والتعلم والعلاقات. وتحتاج الاستجابة إلى تنظيم يستوعب تنوع الحالات والاحتياجات، بدل انتظار المناسبة السنوية لتجديد الاعتراف بحجم المشكلة.
ومع اتساع الحاجة، تصبح جودة ما يُتاح جزءًا من الحساب نفسه. فزيادة الخدمة لا تجيب وحدها عن ملاءمتها لمن يستعملها، وتبقى الموارد معرضة لسوء التوجيه إذا غابت معرفة العوائق الفعلية. وتنبّه الفجوات التي يعرضها التقرير إلى ضرورة النظر إلى الوصول والجودة معًا: عدد من يحصلون على المساعدة، وطبيعة المساعدة التي تصل إليهم. ويمكن أن تبدو المؤسسة نشطة في سجلاتها بينما يظل المستخدم عاجزًا عن مواصلة المسار. لهذا يكتسب تقييم الرعاية من منظور متلقيها قيمة عملية؛ إنه يضيف إلى حجم الإنفاق والعمل صورة عما استطاع هذا العمل تغييره في حياة الناس.
يعطي «أطلس الصحة النفسية ٢٠٢٤»، المنشور في أيلول ٢٠٢٥ اعتمادًا على بيانات ١٤٤ دولة، صورة أكثر تحديدًا عن الموارد. بقي الإنفاق الحكومي على الصحة النفسية عند نحو اثنين في المئة من الموازنات الصحية، مع تفاوت كبير بين البلدان. وبلغت نسبة البلدان التي حققت تحولًا كاملًا إلى الرعاية المجتمعية نحو تسعة في المئة. تتعلق هذه المؤشرات بالدول التي أبلغت ببياناتها، ويحتاج تقدير الوضع العراقي إلى بياناته الخاصة. لكنها تبين مقدار العمل المطلوب حتى يستطيع الناس الحصول على الدعم قرب أسرهم وشبكاتهم الاجتماعية، ضمن منظومة تتوافر فيها البدائل خارج الإقامة الطويلة في المؤسسات.
ويحتاج الانتقال إلى الرعاية المجتمعية ترتيبًا للتمويل والخدمات والعاملين، حتى تصبح الحياة خارج المؤسسة مدعومة فعلًا. فعبارة «العودة إلى المجتمع» تفقد معناها العملي إذا بقيت الأسرة وحدها أمام احتياجات الرعاية. ومن هنا يرتبط النقاش عن المشاركة بالنقاش المالي: يعرف المستخدم ومقدم الرعاية العائلي ما الذي ينقص المسار بعد مغادرة المستشفى، وأين تتوقف المساندة. تساعد هذه المعرفة في ترتيب الإنفاق على خدمات يستفيد منها الناس في حياتهم العادية. أما مقارنة الدول، فتقتضي الانتباه إلى اختلاف الموارد وتغطية المؤشرات؛ المتوسط العالمي يصف فجوة واسعة، ويحتاج كل بلد إلى بياناته لتحديد نصيبه منها.
الحياة التي تنتظر خارج العيادة
تتقاطع احتياجات العمل والسكن والخدمات التي وصفها سكان غرب نينوى مع شهادة سانيا من باكستان، المنشورة لدى منظمة الصحة العالمية في السابع من تشرين الأول ٢٠٢٦. بدأت تجربتها مع الاكتئاب في السابعة عشرة، ثم حملت معرفتها الشخصية والمهنية إلى العمل على السياسات. تحدثت عن محدودية استقلال النساء وفرص العمل، وعن أثر الأزمات المناخية والفيضانات في البيوت والحياة. واستمعت إلى تجارب من مناطق ريفية وعبر مساحات إلكترونية، وسعت إلى إيصال أولوياتها إلى النقاش العام. توسع روايتها دائرة النظر من الشخص الذي يطلب العلاج إلى البيئة التي يعود إليها بعد انتهاء الموعد.
تقر سانيا بقيمة العلاج، وتلفت في الوقت نفسه إلى ضغوط تحتاج استجابة في العمل والحماية الاجتماعية والقدرة على اتخاذ القرار. هذه العلاقة تمنع وضع الرعاية الطبية والإصلاح الاجتماعي في منافسة مفتعلة؛ يمكن للإنسان أن يحتاجهما معًا، كل في مجاله. كما تجعل الاستماع إلى النساء والشباب وسيلة لاكتشاف عوائق لا تظهر في وصف الأعراض وحده. وما توثقه شهادتها هو المشاركة ومحاولة نقل هذه الخبرات إلى السياسات، أما تحقق التغيير في حياة كل من استمعت إليهم فيحتاج متابعة مستقلة. تبقى قصتها مثالًا على انتقال الخبرة من فهم ألم شخصي إلى إدراك شروط اجتماعية يشترك فيها آخرون.
أدخلت منظمة الصحة العالمية هذه الصلة إلى إرشادات السياسات وخطط العمل التي أصدرتها في آذار ٢٠٢٥. تربط الوثيقة الصحة النفسية بالفقر والسكن والتعليم والعمل، وتضع إصلاح الخدمات ضمن مسؤولية تتوزع على قطاعات حكومية متعددة. المعنى التنفيذي واضح: لا يستطيع الطبيب توفير وظيفة أو إصلاح منزل، لكن الخطة العامة تستطيع وصل الخدمة الصحية بمسارات المساندة الاجتماعية. وعندما تنفصل هذه المسارات، يضطر الشخص إلى التعامل مع مشكلاته كأنها ملفات متباعدة، رغم اجتماعها في يوم واحد وتأثيرها في قدرته على الالتزام بالمواعيد والاحتفاظ بالدخل ومواصلة حياته الأسرية.
وتتناول الإرشادات القيادة والتمويل والعاملين وتنظيم الرعاية، مع إشراك أصحاب التجربة في تشكيل النظام. بذلك تصبح ملاحظات مستخدمي الخدمة مادة للتخطيط: ما يمكن تغييره داخل المؤسسة، وما يتطلب تعاونًا مع جهة أخرى، وما يحتاج تمويلًا إضافيًا. وتظهر قيمة هذا الترتيب خصوصًا عندما تتكرر المشكلة بين أشخاص متعددين؛ فالتكرار يكشف عائقًا تنظيميًا يستحق الحل على مستوى الخدمة. أما الاكتفاء بنصيحة كل شخص بالتكيف معه فيعيد إنتاج الرحلة المرهقة نفسها. وتقود الرعاية المتمحورة حول الإنسان إلى توزيع أوضح للمسؤوليات، بحيث يعرف المراجع الجهة التي تساعده والخطوة التالية في مساره.
صاحب العلاج خارج القرار
يتخذ غياب صوت المراجع شكلًا شديد الوضوح في شهادة تيوا، التي نشرتها منظمة الصحة العالمية في تشرين الأول ٢٠٢٦. بدأت نوبات الهلع لدى الشابة البريطانية في الحادية عشرة، واحتُجزت للعلاج في السادسة عشرة. وروت أن فرقًا علاجية كانت تناقش خطط رعاية المراهقين دون حضورهم، ثم تبلغهم بما تقرر بعد انتهاء الاجتماع. تحدثت أيضًا عن التقييد والعزل وإعطائها الدواء قسرًا. تقدم روايتها صورة عن المسافة التي يمكن أن تنشأ داخل المؤسسة نفسها: الشخص حاضر بجسده، فيما تغيب مشاركته عن المحادثة التي تحدد ما سيحدث له، وتؤثر في يومه وثقته بمن يتولون رعايته.
تتذكر تيوا أيضًا طبيبة نفسية سريلانكية فتحت معها حديثًا عن الأدب والنسوية والكاتبة تشيماماندا نغوزي أديتشي. جلست قربها عندما كانت متضايقة، وأخذت أسئلتها وخلفيتها الثقافية بجدية. تغيرت طبيعة العلاقة: أصبحت شابة لها اهتمامات وطموح، وصار العلاج محادثة تتسع لحياتها. تعمل تيوا اليوم في السياسات والمناصرة، وتواصل العناية بصحتها وتلقي العلاج. تحمل خبرتها الشخصية إلى عملها المهني، وتطلب الاعتراف بقيمة الاثنين معًا. فالقدرة على المساهمة في إصلاح الرعاية لا تتطلب من صاحبها إعلان تعافٍ كامل أو إخفاء حاجته المستمرة إلى المساعدة، ويستطيع أن يكون محتاجًا إلى الدعم وقادرًا على تقديم معرفة نافعة في الوقت نفسه.
تحمل شهادة أنتو، المنشورة قبلها بيوم، ذاكرة أخرى عن الرعاية. الرجل الإندونيسي، البالغ ثمانية وأربعين عامًا، يروي أنه قُيّد بالسلاسل خلال تلقيه العلاج عامي ١٩٩٩ و٢٠٠٠، في ممارسة تُعرف باسم «باسونغ». وقعت الأحداث قبل سنوات طويلة من حملة هذا العام، لكنها بقيت جزءًا من تجربته مع المؤسسات. يقدم أنتو روايته من موقع مختلف اليوم: زوج وأب وفنان وناشط، يستطيع تسمية ما سُلب منه، والحديث عما استعاده. وتنقل شهادته النقاش من صورة المؤسسة باعتبارها مبنى يقدم خدمة، إلى الطريقة التي يعيش بها الإنسان أيامه داخلها وما يحمله منها بعد خروجه.
تظهر الابنة والرسم وفن الباتيك والعلاقات الاجتماعية في حديثه عن التعافي. هذه التفاصيل تمنح كلمة التحسن معنى يخص صاحبها؛ أن يمارس دورًا يحبه، ويقيم علاقة، ويجد مكانًا بين الآخرين. كما يصف اتصاله بأشخاص ذوي تجارب نفسية داخل إندونيسيا وخارجها. يصبح صاحب التجربة هنا طرفًا في شبكة معرفة ومساندة، بعد أن كان موضوعًا لقرار الآخرين. وتحتفظ قصته بخصوصيتها؛ ما استعاد به أنتو المعنى في حياته يعبّر عن اختياراته، ويكشف أهمية أن تترك الرعاية مساحة لاختيارات مختلفة، بدل اختزال الجميع في نتيجة واحدة أو مسار جاهز.
خرج مطلب الكرامة من الشهادات الفردية إلى وثيقة جماعية في كاتماندو، خلال قمة إقليمية عقدت في حزيران ٢٠٢٤ بمشاركة أصحاب تجربة ومقدمي رعاية من ثماني دول آسيوية. صاغ المشاركون ميثاقًا يتناول الصحة والحرية والعمل والسكن والتعليم والمشاركة العامة. ويكشف اتساع المطالب حجم الحياة التي قد تتأثر بالحالة النفسية وبطريقة تعامل المجتمع معها. فالحصول على موعد علاجي لا يجيب وحده عن احتمال خسارة العمل، أو الإقصاء من التعليم، أو حرمان الشخص من التعبير عن رأيه في مسائل تخصه. لذلك ربط الميثاق إصلاح الخدمات بالحقوق وبالمشاركة في السياسات وتنفيذها وتقييمها.
وجمع اللقاء خبرات من بنغلاديش وبوتان والهند وإندونيسيا والمالديف ونيبال وسريلانكا وتايلند، مع إقرار أثر الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية وغيرها في حياة الناس. يمنع هذا التنوع التعامل مع «صوت أصحاب التجربة» كأنه رأي واحد يمكن استحضاره بتوجيه دعوة إلى شخص واحد. فالأولوية التي يضعها شاب يعيش مع أسرته قد تختلف عن أولوية امرأة تبحث عن استقلالها أو شخص فقد مسكنه. قيمة التمثيل أن تصل هذه الفروق إلى صياغة الخدمة، وأن يجد كل مشارك مجالًا للتعبير عن احتياجه، بما فيه الاحتياج الذي لا ينسجم مع الصورة المريحة للمؤسسة.
خبرة تتحول إلى عمل
استقل مايكل رايان قطار الأنفاق في لندن مع ابنه، البالغ ثمانية عشر عامًا، في طريقهما إلى مباراة لأرسنال وإيفرتون. أعاد المكان إليه زمنًا كان ينام فيه داخل شبكة الأنفاق بعد سنوات مضطربة من المعاناة النفسية والإدمان. وفي رواية نشرتها منظمة الصحة العالمية في أيار ٢٠٢٦، يربط منعطفًا مهمًا بلقائه رجلًا مر بتجربة قريبة واستعاد قدرة على مساعدة الآخرين. رأى أمامه احتمالًا لحياة مختلفة.
ثم أصبح رايان متطوعًا وعاملًا في دعم الأقران، قبل توليه مسؤولية المشاركة والتعافي في خدمات الصحة النفسية لدى الجهاز التنفيذي للخدمات الصحية في إيرلندا.
امتدت خبرته إلى ما يتجاوز مساعدة فرد آخر. شمل عمله التأثير في تطوير الخدمات والسياسات، مع موظفين إقليميين لإشراك أصحاب التجربة، وكليات للتعافي يشارك الناس وأسرهم ومختصون في تصميم برامجها التعليمية. تعطي هذه الخطوات معنى مؤسسيًا للانتقال من متلقٍ للرعاية إلى شريك في تنظيمها. ويواصل رايان الحديث بصراحة عن تحدياته؛ حياته مع ابنه وعمله ومسار تعافيه أجزاء متجاورة من التجربة. لذلك تحمل رحلة القطار دلالة تتجاوز العودة إلى مكان قديم: استطاع الرجل أن يختار سبب وجوده هناك، وأن يشترك في نشاط عادي مع شخص يحبه، وأن يحمل تلك المعرفة إلى موقع مسؤولية.
ذهبت تايلند خطوة عملية أخرى في إدخال دعم الأقران إلى النظام. وفق عرض نشرته منظمة الصحة العالمية في نيسان ٢٠٢٦، اعتمدت إدارة الصحة النفسية عام ٢٠٢٤ معيارًا لخدمات التعافي التي يقدمها الأقران، ثم تبناه المكتب الوطني للأمن الصحي، بما يتيح تعويضًا ماليًا عن خدمات معتمدة ضمن التغطية الصحية الشاملة. يتطلب الدور تدريبًا وكفايات وشهادة. بذلك يحصل صاحب التجربة على موقع محدد في تقديم الخدمة، وتحصل المؤسسة على قواعد لتنظيم العمل. ويصبح الاعتراف بالخبرة متصلًا بمسار تأهيل وتمويل، وهما شرطان مهمان لاستمرار المشاركة بعد انتهاء الأنشطة التعريفية.
شملت التجربة مراجعة المنهج مع أصحاب تجربة، وتدريبًا يجمع الدراسة والممارسة الميدانية بإشراف، في جلسات فردية ومجموعات. التحق عشرون شخصًا بالبرنامج، وحصل ستة عشر على الشهادة الكاملة. وبحد أقصى يبلغ ثلاثين جلسة سنويًا لكل عامل معتمد، قدرت المنظمة الطاقة الممكنة بأربعمئة وثمانين جلسة في السنة؛ وهذا تقدير قدرة، لا حصيلة جلسات منفذة. كما بقي اعتماد المنهج المعدل رسميًا وتوسيع المسار إلى مراكز خدمات الإعاقة ضمن الخطوات التالية المعلنة. تكشف هذه التفاصيل شكل الإصلاح عندما يصبح قابلًا للتتبع: معيار وتدريب واعتماد وتمويل وطاقة خدمة، مع تحديد ما تحقق وما ظل قيد الاستكمال.
لكن توسيع دعم الأقران يحتاج قراءة دقيقة للأدلة. مراجعة شاملة نشرتها مجلة «BMC Medicine» في شباط ٢٠٢٤ جمعت خمسًا وثلاثين مراجعة تضم مئات الدراسات، ووجدت نتائج متفاوتة، مع مؤشرات فائدة في بعض الجوانب مثل التعافي والكفاءة الذاتية وبعض أعراض الاكتئاب. في المقابل، صُنّفت الغالبية الساحقة من المراجعات المشمولة منخفضة الجودة أو منخفضة جدًا. يفرض ذلك تمييزًا بين وعد المقاربة وقوة الدليل على أثر محدد، ويمنع تقديمها كحل مضمون لكل شخص أو كبديل آلي عن الرعاية التخصصية. تتأثر النتائج بالسياق وطريقة التنفيذ والفئة التي تتلقى الدعم وما يجري قياسه.
وكشفت المراجعة أيضًا مشكلات في بيئة العمل، منها غموض الأدوار وضعف الأجور والتدريب والدعم المؤسسي. وهي تفاصيل تحدد ما إذا كانت الوظيفة قابلة للاستمرار، وما إذا كان صاحب التجربة يدخل الفريق بمهام مفهومة ومكانة واضحة. فالتشابه في التجربة لا يلغي الحاجة إلى الإشراف والحدود المهنية والتأهيل. وقد تتحول الرغبة في توسيع المشاركة إلى عبء إذا رُبطت مسؤوليات كبيرة بموارد محدودة. لهذا يحتاج إدخال دعم الأقران إلى متابعة أثره وظروف العاملين به معًا، حتى لا تُستخدم قيمة الخبرة الشخصية ذريعة لتقديم عمل أقل حماية أو أقل تقديرًا داخل المؤسسة.
تتيح دراسة نوعية منشورة في «BMC Psychiatry» في شباط ٢٠٢٦ الاقتراب من هذا العمل كما يراه ممارسوه. استمعت إلى خمسة وثلاثين عاملًا مأجورًا في دعم الأقران، بمشاركة باحثين ذوي خبرة معاشة. وصف المشاركون قيمة الأمل والتبادل وفهم الشخص في سياقه، ومساعدته على اكتشاف ما يريد لحياته. وتظهر العلاقة في رواياتهم بوصفها مساحة يستطيع فيها المستخدم أن يجد شخصًا يعرف بعض ما يمر به، من دون أن يفترض تطابق التجربتين. يستمد الدور خصوصيته من هذه المعرفة، ثم يحتاج إلى تحويلها إلى ممارسة تحترم استقلال الطرف الآخر وحدود العلاقة.
وتحدث العاملون عن المناصرة داخل الخدمات وعن الضغط العاطفي واحتمال الإنهاك. تكشف هذه الإفادات جانبًا قد يغيب خلف الاحتفاء بقصص التعافي: من يساعد الآخرين يحتاج بدوره إلى مساندة وشروط عمل تسمح له بالاستمرار. كما أن القرب من تجارب مؤلمة قد يستدعي جهدًا إضافيًا، فلا يصح اعتبار الاستعداد للعطاء موردًا لا ينفد. وتبقى الدراسة وصفًا لتجارب مشاركيها، تفيد في فهم الدور وصعوباته، ولا تقيس وحدها أثره السريري على جميع المستفيدين. وتدعم الحاجة إلى بناء فرق تعترف بمعرفة الأقران وتوفر لهم التدريب والاحترام والدعم، بما يصون العامل والخدمة معًا.
صوت الطفل قبل أن تتراكم السنوات
تبدأ بعض رحلات المعاناة في سن مبكرة، بينما يصعب العثور على خدمة مناسبة للعمر. إرشادات منظمة الصحة العالمية واليونيسف، الصادرة في تشرين الأول ٢٠٢٤ بشأن خدمات الأطفال والشباب، تنبه إلى أن قليلًا من المحتاجين يحصلون على الرعاية اللازمة. وتدعو إلى تطوير خدمات مجتمعية تراعي احتياجاتهم، مع الاعتراف بعدم وجود نموذج واحد يصلح لكل البلدان. يفتح هذا المدخل مجالًا لتحسين ما هو متاح، حتى عندما تكون الموارد محدودة، بدل انتظار إنشاء منظومة مثالية. ويجعل تصميم الخدمة ومسار الوصول إليها جزءًا من الاستجابة المبكرة، إلى جانب تأهيل العاملين وتحديد معايير الجودة.
وللرعاية المناسبة للعمر معنى يتجاوز تخصيص موعد للصغار في جدول المؤسسة. فهي تقتضي الانتباه إلى طريقة فهمهم للمعلومات، وقدرتهم على التعبير، وعلاقتهم بمقدمي الرعاية وبالبيئة المحيطة. ويقع إشراكهم ضمن مسؤولية الخدمة عن معرفة احتياجات من تستخدم معهم التدخلات. أما ترك تصميمها بالكامل لمن يتحدثون بالنيابة عنهم، فيحجب جانبًا من التجربة التي يفترض أن تستجيب لها. تقدم الإرشادات اتجاهًا لتحسين التصميم على مستوى المجتمع، وتترك للبلدان اختيار الترتيبات الملائمة. ويظل معيار الاختيار العملي قدرة الطفل أو الشاب على الوصول إلى مساعدة مفهومة ومناسبة، في وقت يستطيع فيه الانتفاع بها والاستمرار معها.
يظهر أحد مسارات الوصول في تقرير اليونيسف عن العراق للنصف الأول من عام ٢٠٢٤. فقد سجل وصول أنشطة الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي المجتمعية إلى ٩٥٧٧٩ طفلًا ومراهقًا ومقدم رعاية. وأشار إلى تدريب ألف معلم وميسر على مهارات تربوية أساسية ودعم نفسي اجتماعي. يقرب هذا النوع من العمل المساندة من البيئات التي يعيش ويتعلم فيها الأطفال، ويمنح أشخاصًا على تماس يومي معهم معرفة تساعد في الاستجابة. كما يوضح تعدد الفئات داخل رقم الوصول؛ فالأطفال والمراهقون ومقدمو الرعاية مجموعات تتباين احتياجاتها، ويختلف دور كل منها داخل الأنشطة والخدمات التي يتناولها التقرير.
ولا يساوي التدريب المدرسي تأهيل معالج نفسي متخصص، مثلما لا يساوي عدد المستفيدين عدد من تعافوا. قيمة هذه البيانات أنها توثق نطاق أنشطة أُنجزت خلال فترة محددة، وتوفر نقطة بداية لتقييم الجودة والاستمرار. أما معرفة أثرها في تعلم الأطفال وعلاقاتهم وشعورهم بالأمان، فتحتاج مؤشرات متابعة تناسب أهداف كل برنامج. ويمنع الفصل بين الوصول والأثر تضخيم الإنجاز أو التقليل منه؛ الوصول خطوة ضرورية، ثم تبدأ مسؤولية التأكد من ملاءمة المساعدة. وفي هذا المستوى يصبح رأي الطفل ومقدم الرعاية والعامل التعليمي ضروريًا لفهم ما يجري بعد إدراج الاسم في قوائم المستفيدين.
الرعاية بعد مغادرة المنظمة
عرف عمر علي عمل أطباء بلا حدود خلال النزوح، ثم أصبح عاملًا في تعزيز الصحة. وردت قصته ضمن تقرير نشرته المنظمة في آذار ٢٠٢٤ عن ثماني سنوات من عملها في الحويجة والعباسي بمحافظة كركوك. وتحدث التقرير عن سكان عادوا إلى مناطقهم حاملين خسائر الحرب، وعن خدمات جمعت رعاية الأمراض غير السارية والصحة النفسية. تضع هذه التجربة شخصًا عرف النزوح داخل صلة يومية بالمجتمع، وتكشف قيمة المعرفة المحلية في تقريب الخدمة. ويختلف هذا الدور عن المسمى التخصصي لدعم الأقران، لكنه يبين كيف تدخل خبرة الحياة إلى العمل الصحي عبر أبواب متعددة.
وثقت المنظمة تقديم أكثر من ثمانية عشر ألف جلسة فردية للصحة النفسية خلال سنوات العمل، إلى جانب جلسات جماعية وتدريب عاملين محليين، ثم تسليم أنشطتها إلى السلطات الصحية في مطلع ٢٠٢٤. تنتمي هذه الحصيلة إلى مدة البرنامج كلها، ولا تصف نشاط سنة واحدة. والأهم أن التسليم يغيّر الجهة المسؤولة عن استمرار الرعاية، بينما تبقى احتياجات الناس قائمة. يبين التدريب المحلي أحد عناصر التحضير للانتقال، وتظل جودة الاستمرار بعده بحاجة إلى بيانات لاحقة. فالمنظمة تستطيع إنهاء مشروعها وفق جدول، أما الشخص الذي بنى علاقة مع الخدمة فيحتاج إلى معرفة من يتولى متابعته وكيف يواصل الحصول على المساعدة.
شهد العراق انتقالًا آخر في خدمات دعمتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين. ففي إشعار مؤرخ في التاسع من تموز ٢٠٢٥، أوضحت المفوضية أنها أنهت تدريجيًا خدمات موازية كانت تقدم عبر شركاء من المنظمات غير الحكومية، بينها الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي. وأرشدت طالبي المساعدة إلى مسارات وجهات بديلة في إقليم كردستان ومحافظات الوسط والجنوب. يوثق الإشعار تغييرًا في ترتيبات محددة كانت تمولها المفوضية، ولا يعني توقف الرعاية النفسية في العراق. لكنه يوضح سبب حاجة المستفيد إلى معلومات محدثة؛ الجهة التي عرفها أو أحاله إليها شخص آخر قد تتغير مسؤوليتها عن تقديم الخدمة.
تبدأ استمرارية الرعاية من هذه المعلومة، وتحتاج بعدها إلى انتقال يستطيع المستخدم إتمامه. فمعرفة اسم الجهة البديلة تختلف عن القدرة على الوصول إليها، واستيفاء إجراءاتها، واستكمال المتابعة. لا يقدم الإشعار قياسًا لنتائج الانتقال على جميع المستفيدين، ولذلك تبقى حصيلة التجربة مفتوحة على المتابعة. وتظهر هنا قيمة الاستماع بعد تغيير البرامج، عندما يصف الناس الطريق الذي سلكوه بالفعل. فمن خلال هذه الخبرة يمكن تمييز إحالة أدت إلى مساعدة عن إحالة بقيت عنوانًا. ويصبح التواصل مع المستخدمين جزءًا من إدارة الانتقال، خصوصًا لمن اعتادوا خدمة منتظمة ويحتاجون إلى فهم ما سيحدث لها دون انقطاع في المعلومات.
وتقدم حصيلة الأمم المتحدة في العراق لعام ٢٠٢٥، المنشورة في حزيران ٢٠٢٦، دليلًا على استمرار أنشطة في هذا المجال. يذكر التقرير أن المنظمة الدولية للهجرة وصلت إلى ٣٢٧٦٣ نازحًا وعائدًا وفردًا من المجتمعات المضيفة بخدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي. وشمل النهج مستويات متعددة، من الإرشاد غير التخصصي والإسعاف النفسي الأولي إلى الرعاية النفسية التخصصية. يوضح هذا التوزيع أن المساندة تضم تدخلات تختلف في طبيعتها ودرجة تخصصها، وأن تنظيم الاستجابة يقتضي معرفة احتياج الشخص وربطه بالمستوى الملائم، مع إبقاء الخدمات جزءًا من سياق أوسع للحماية والتعافي المجتمعي.
تصف هذه الحصيلة وصول برنامج محدد خلال عام محدد؛ ولا يجوز جمعها تلقائيًا مع أرقام منظمات أخرى وافتراض عدد فريد للمستفيدين، لاحتمال التداخل واختلاف الفترات والتعريفات. وبالقدر نفسه، يحتاج نجاح البرنامج إلى ما يتجاوز عدّ الاتصالات أو المشاركين. فالاستمرار وملاءمة المساندة والقدرة على أداء أنشطة الحياة جوانب أخرى من النتيجة. يعطي التقرير أساسًا لمتابعة ما أُنجز، بينما تساعد أصوات المستفيدين في تفسير قيمته: الخدمة التي أتاحت خطوة إلى الأمام، والعائق الذي استمر بعدها، والمساعدة التي احتاجت تعديلًا. بهذا تقترن أرقام التنفيذ بصورة أوضح عن المنفعة التي وصلت إلى الناس وعن العمل المتبقي.
من الحملة إلى مسؤولية معلنة
وصلت فجوة الرعاية النفسية إلى مجلس النواب العراقي عبر دراسة أعدتها دائرة البحوث والدراسات النيابية في كانون الثاني ٢٠٢٤ ونُشرت في أيار من العام نفسه. تناولت نقص الموارد والخدمات والتمويل والتدريب، وأوصت بتفعيل الدور الرقابي وعقد جلسات نقاش مع وزارة الصحة. تنقل هذه الخطوة الموضوع إلى جهة تملك متابعة السياسات والإنفاق، وتتيح ربط المشكلة بقرارات حكومية قابلة للمراجعة. أما الأرقام التي استندت إليها الدراسة عن العاملين، فتعود إلى مصادر وسنوات سابقة؛ استخدامها لوصف عام ٢٠٢٦ يتطلب تحديثًا، حتى تقوم الرقابة على صورة راهنة للقدرة المتاحة وتوزيعها.
ويستطيع المسار الرقابي أن يربط نقص العاملين بخطط التعيين والتدريب، ونقص المستلزمات بالتجهيز والتمويل، وتفاوت الوصول بتوزيع الخدمات والإحالة. هذه مسؤوليات يمكن تحديد الجهات المعنية بها ومتابعة تنفيذها، بدل إبقاء الحديث في نطاق الاعتراف العام بالمشكلة. وتضيف مشاركة مستخدمي الخدمات معرفة بأثر تلك القرارات بعد صدورها؛ فالاعتماد المالي لا يخبر وحده بما وصل إلى المركز، ووجود الخدمة في قائمة رسمية لا يكشف جميع شروط الانتفاع بها. الجمع بين الوثيقة وتجربة المستخدم يمنح الرقابة مادة أدق، ويتيح للمؤسسة تفسير ما تعثر وتحديد ما يحتاج إلى تعديل، على أساس وقائع يمكن العودة إليها ومراجعتها.
أما حملات مواجهة الوصمة، فيمنحها دليل «موزاييك» الصادر عن منظمة الصحة العالمية في تشرين الأول ٢٠٢٤ مسارًا يتجاوز نشر الرسائل العامة. يقوم على قيادة أصحاب التجربة أو مشاركتهم في القيادة، والتواصل الاجتماعي، والشراكات الشاملة. ويضع تحديد الغاية والتخطيط والتنفيذ والمراجعة ضمن دورة واحدة، مع أمثلة دولية. يغيّر هذا الترتيب موقع صاحب التجربة في الحملة: يشارك في اختيار المشكلة واللغة وطريقة الوصول إلى الجمهور، ويملك فرصة مراجعة الصورة التي تقدم عنه. هكذا يصبح من حقه الاعتراض على رسالة تختزله في الضعف أو البطولة، وعلى نشاط يروي وجعه دون أن يخدم أولوياته.
ويمنح تحديد الغاية معنى لقياس النتيجة. فالحملة التي تسعى إلى تغيير معاملة في مؤسسة تحتاج أن تراجع تلك المعاملة، وتختلف عن نشاط هدفه تحسين معرفة الجمهور بخدمة متاحة. أما الاكتفاء بعدد الحضور أو انتشار المنشور، فيصف حجم النشاط ويترك أثره الفعلي غير محسوم. يؤكد منطق الدليل أهمية التعلم والمراجعة والشراكة، بما يسمح بتعديل الرسالة إذا أخفقت في الوصول أو كرست صورة غير مقصودة. وتفيد هذه المقاربة في تحويل المناسبة السنوية إلى بداية عمل له هدف ومسؤولون ومتابعة، ويشارك المتأثرون بالوصمة في الحكم على فائدته، بدل اقتصار حضورهم على تقديم الشهادة أمام الجمهور.
وتكشف بيانات حملة هذا العام أن المشاركة ما زالت متفاوتة عالميًا. فمن البلدان المستجيبة لمسح أطلس الصحة النفسية، أبلغت ٣٧ في المئة بإشراك أصحاب التجربة في تدريب العاملين بالرعاية الأولية، و٤٥ في المئة عن تعاون مستمر معهم ومع مجموعات الأسر أو مقدمي الرعاية في تخطيط الخدمات أو تقديمها أو رصدها. تختلف المؤشرات ومجالاتها، لكنها تظهر أن سماع الصوت ما زال يحتاج إلى ترسيخ في مراحل النظام. لذلك تتجه الدعوة إلى فرص تأثير منتظمة، يستطيع من خلالها الشخص متابعة ما حدث لرأيه، والمساهمة في تعديل الرعاية التي يعرف نقاط قوتها وضعفها من الداخل.
تضع خريطة طريق أصدرتها منظمة الصحة العالمية في أوروبا في حزيران ٢٠٢٥ دمج الخبرة المعاشة داخل السياسات والخدمات والقوى العاملة في إطار منظم. أُعدت بمشاركة أصحاب تجربة، وتعرض ستة إجراءات أساسية وأمثلة تطبيقية من بلدان أوروبية. وتخاطب الحكومات ومقدمي الخدمات والعاملين والمستخدمين، بما يوزع مهمة التغيير على أطرافها. جوهر هذا الاتجاه أن تصبح الخبرة جزءًا من طريقة عمل النظام، وأن تتاح لها أدوار مستمرة في التقريب بين المؤسسة ومن يلجأ إليها. فالمعرفة المتولدة عن الرعاية والعودة إلى الحياة تحمل قيمة يمكن توظيفها في تحسين الخدمات وتطويرها.
وفي العراق، يمكن أن يبدأ هذا المسار من خدمة واحدة تقرر إشراك مجموعة متنوعة من مستخدميها في مراجعتها، وتحدد مشكلة قابلة للمعالجة، ثم تعلن ما ستغيره وموعد مراجعته. تلك خطوة عملية في اتجاه الدمج الذي تدعو إليه خريطة الطريق، يتحدد شكلها بحسب الموارد والاحتياجات المحلية. وبعدها يصبح أثر الإنصات مرئيًا في إجراء أو معلومة أو مسار مساعدة جرى تحسينه، وفي تفسير واضح لما تعذر تنفيذه. عندئذ يجد صاحب التجربة مكانًا ثابتًا داخل القرار، ويعود إلى حياته بشيء يتجاوز الارتياح لأن أحدًا استمع إليه: خدمة شارك في تشكيلها، ويستطيع أن يرى أثر صوته فيها.



اضف تعليق