تُطوى فاتورة زيت المحرك وتوضع في الجيب، ثم تبدأ كلفة أخرى بالتشكّل في الهواء. كلفةٌ تتغيّر مع نوع الزيت والجهد الذي يبذله المحرك، ويصعب تقديرها بالنظر إلى الدخان وحده. وراء هذا التفصيل وجدت الباحثة ضحى جاسب خلف موضوعًا يستحق أن تُصغي إليه بأجهزة القياس...

تُطوى فاتورة زيت المحرك وتوضع في الجيب، ثم تبدأ كلفة أخرى بالتشكّل في الهواء. كلفةٌ تتغيّر مع نوع الزيت والجهد الذي يبذله المحرك، ويصعب تقديرها بالنظر إلى الدخان وحده. وراء هذا التفصيل، الذي يرافق تشغيل الآلات الزراعية كلّ يوم، وجدت الباحثة ضحى جاسب خلف موضوعًا يستحق أن تُصغي إليه بأجهزة القياس.

اختبرت ضحى، من قسم المكائن والآلات الزراعية في كلية علوم الهندسة الزراعية بجامعة بغداد، محرك ديزل تحت أحمال مختلفة، مستخدمةً زيتًا معدنيًا محليًا وآخر صناعيًا مستوردًا. وفي رسالة الماجستير التي أشرف عليها الأستاذ الدكتور علي مازن عبد المنعم، كشفت المقارنة عن أفضلية تتبدّل بتبدّل الملوِّث والحمل؛ فقد ينخفض أحد مكوّنات العادم ويرتفع آخر، وقد تتغيّر نتيجة الزيت نفسه كلّما اشتدّ العمل على المحرك.

ثم حملت الباحثة نتائج التجربة إلى خوارزميات الذكاء الاصطناعي، لبناء نموذج يتعلّم العلاقة بين ظروف التشغيل والانبعاثات ويتنبّأ بها. بحثٌ يسعى إلى منح المزارع معرفةً بما تتركه آلته في الهواء، إلى جانب ما تنجزه على الأرض.

وبين ما كشفته التجربة وما ينتظر الاختبار في الحقل، بدأنا حوارنا مع الباحثة من أصل الحكاية: اختيارها أن تتتبّع التلوث حيث تُزرع الحياة.

ما زالت محركات الديزل جزءًا أساسيًا من العمل الزراعي في العراق، من الحراثة وصولًا إلى الحصاد. لكن الاهتمام بالتلوث غالبًا ما يتركز على المدن والمصانع ووسائل النقل؛ لماذا اخترتِ أن تبحثي هذه المشكلة من داخل القطاع الزراعي؟

اخترتُ دراسة التلوث الناتج عن محركات الديزل في القطاع الزراعي لأن المشكلة لا تقتصر على تأثير هذه الانبعاثات في الإنسان أو جودة الهواء فقط، وإنما تمتد إلى البيئة الزراعية والإنتاج الزراعي نفسه.

فالآليات الزراعية، وخصوصًا الجرارات ومحركات الديزل، تعمل لفترات طويلة وتحت أحمال مختلفة أثناء الحراثة والسقي والحصاد، وبالتالي تطلق ملوثات مثل أكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة والهيدروكربونات وأول أوكسيد الكربون. وقد أكدت الدراسات أن انبعاثات محركات الديزل الزراعية تمثل مصدرًا مهمًا من مصادر تلوث الهواء.

والأهم أن بعض هذه الملوثات لا تبقى محصورة حول المحرك، فمثلًا أكاسيد النيتروجين والهيدروكربونات يمكن أن تسهم في تكوين الأوزون الأرضي، والأوزون يُعد من الملوثات التي يمكن أن تضر النباتات وتؤثر في عملية البناء الضوئي والنمو والإنتاجية. كما تشير الأدبيات الزراعية إلى أن تدهور جودة الهواء يمكن أن يؤدي إلى انخفاض إنتاجية وجودة بعض المحاصيل.

لذلك، عندما يكون مصدر التلوث موجودًا داخل البيئة الزراعية نفسها، فمن المهم ألا ننظر إلى الموضوع على أنه مشكلة تلوث هواء فقط، وإنما كمشكلة لها علاقة بالاستدامة الزراعية أيضًا؛ لأن تلوث الهواء قد ينعكس على النبات والتربة وجودة المحصول، وبالتالي على الأمن الغذائي.

 صاحب الساحبة أو محرك الديزل قد ينظر إلى الزيت بوصفه وسيلة لحماية المحرك وإطالة عمره، وليس عاملًا يمكن أن يؤثر في العادم. ماذا اكتشفتِ عن العلاقة بين زيت التزييت والانبعاثات؟

اكتشفتُ من خلال الدراسة أن زيت التزييت لا يعمل فقط كوسيلة لتقليل الاحتكاك وحماية أجزاء المحرك وإطالة عمره، وإنما يمكن أن يكون له تأثير مباشر وغير مباشر في الانبعاثات الخارجة من المحرك.

فعندما يدخل جزء من زيت التزييت إلى غرفة الاحتراق، سواء نتيجة طبيعة عمل المحرك أو من خلال بعض مسارات استهلاك الزيت، فإنه يتعرض للاحتراق أو التحلل الحراري، وهذا يمكن أن يسهم في تكوين بعض مكونات العادم، ومنها الجسيمات والمواد الهيدروكربونية، كما أن خصائص الزيت وتركيبه وإضافاته ولزوجته يمكن أن تؤثر في ظروف الاحتراق وأداء المحرك، وبالتالي تنعكس على مستويات بعض الملوثات وهو ما كان واضح عند دراستي لنوعين من الزيوت عند نفس ظروف التشغيل وقد كانت النتائج تختلف بين النوعين وهو ما يؤكد عن العلاقة الوثيقة بين زيت التزييت وغازات العادم.

 اخترتِ في التجربة زيتًا معدنيًا محليًا وآخر صناعيًا مستوردًا. في واقع يعتمد فيه المستخدم على خيارات محلية ومستوردة، هل أثبتت النتائج أن «المستورد» أفضل بالضرورة، أم أن لكل نوع تأثيرًا مختلفًا بحسب الملوِّث؟

لا، نتائج الدراسة لم تثبت أن الزيت المستورد أفضل لمجرد أنه صناعي أو يحتوي على كمية أكبر من الإضافات، بل أظهرت أن تأثير الزيت يعتمد على تركيبه ونوع إضافاته وتفاعلها مع ظروف تشغيل المحرك.

فالزيت الصناعي المستخدم في الدراسة كان يحتوي على مستويات أعلى من بعض العناصر المعدنية، مثل الكالسيوم والفوسفور والزنك والمغنيسيوم، مقارنة بالزيت المعدني المحلي. وهذه الإضافات لها وظائف مهمة؛ فبعضها يعمل كمنظفات ومشتتات ومضادات للتآكل والأكسدة، وبالتالي يمكن أن تحسن خصائص الزيت وتحافظ على أداء المحرك. لكن زيادة الإضافات لا تعني بالضرورة انخفاض جميع الانبعاثات، لأن بعض العناصر المعدنية عند احتراق جزء من الزيت يمكن أن تسهم في تكوين الرماد والجسيمات، كما أن تأثير الإضافات يختلف باختلاف نوع الملوث وظروف التشغيل. وهذا ما ناقشته الرسالة في تأثير خصائص الزيت وإضافاته في الانبعاثات.

والدليل من نتائجي أن الزيت المعدني المحلي، رغم انخفاض مستويات بعض العناصر المضافة فيه مقارنة بالزيت الصناعي، حقق انخفاضًا في انبعاثات أكاسيد النيتروجين؛ إذ بلغ متوسط NOₓ مع الزيت المحلي 369.5 ppm مقابل 438.3 ppm مع الزيت الصناعي، أي انخفاضًا يقارب 18.6%.

وفي المقابل، كان الزيت الصناعي أفضل في أول وثاني أكسيد الكربون؛ فقد خفض CO بنحو 34.7% وCO₂ بنحو 8.5% مقارنة بالزيت المعدني. أما UHC فلم تكن الفروق بين الزيتين معنوية، بينما أظهرت الجسيمات الدقيقة تداخلًا واضحًا بين نوع الزيت والحمل، أي أن الأفضلية تغيرت بحسب الحمل.

لذلك فالاستنتاج الذي توصلت إليه هو أن كثرة الإضافات ليست معيارًا كافيًا للحكم على الزيت، وإنما المهم هو نوع الإضافة وتركيزها وتفاعلها مع خصائص الزيت وظروف تشغيل المحرك. وهذا يوضح أن الزيت المحلي، رغم بساطة تركيبه وانخفاض مستويات بعض الإضافات فيه، استطاع أن يتفوق على الزيت الصناعي المستورد في بعض الصفات المقاسة، ولذلك لا يمكن القول إن «المستورد أفضل» بصورة مطلقة؛ بل إن لكل زيت سلوكًا مختلفًا بحسب الملوث والحمل.

نتائجكِ تعطي صورة غير بسيطة: الزيت الصناعي خفّض أول أكسيد الكربون بنحو 34.7 في المائة مقارنة بالمعدني، لكنه سجل أكاسيد نيتروجين أعلى بنحو 18.6 في المائة. ماذا تقول هذه المفارقة للمستخدم الذي يريد أن يعرف أي الزيتين أفضل لمحركه من الناحية البيئية؟ 

هذه النتيجة لا تعني وجود تناقض في أداء الزيت، وإنما توضح أن تأثير زيت المحرك في الانبعاثات متعدد الأبعاد ويختلف باختلاف آلية تكوّن كل ملوث. ففي نتائج الدراسة، أدى استخدام الزيت الصناعي إلى خفض CO بنحو 34.7% مقارنة بالزيت المعدني، وهذا يشير إلى أن خصائص الزيت وتركيبه قد أسهما في تحسين ظروف الاحتراق أو تقليل تكوّن نواتج الاحتراق غير الكامل، وبالتالي انخفاض أول أكسيد الكربون.

في المقابل، كان متوسط NOₓ أعلى مع الزيت الصناعي بنحو 18.6%. وأكاسيد النيتروجين ترتبط بصورة أساسية بظروف الاحتراق ودرجة حرارة اللهب وتوافر الأكسجين وزمن التفاعل داخل الأسطوانة، ولذلك فإن تحسن الاحتراق الذي قد يؤدي إلى انخفاض CO لا يعني بالضرورة انخفاض NOₓ؛ بل قد تتغير الانبعاثات باتجاه مختلف.

كما أن وجود إضافات أكثر في الزيت الصناعي لا يعني تلقائيًا أنه أكثر ملاءمة بيئيًا لجميع الملوثات، لأن نوع الإضافات وتركيبها وتفاعلها مع ظروف تشغيل المحرك هو العامل المهم، وليس مجرد عددها أو كميتها.

لذلك، من الناحية البيئية لا أستطيع أن أصف أحد الزيتين بأنه الأفضل بصورة مطلقة. نتائج الدراسة تشير إلى أن الزيت الصناعي كان أكثر ملاءمة من ناحية خفض CO، بينما أظهر الزيت المعدني مستوى أقل من NOₓ، وهذا يؤكد أن تقييم الزيت بيئيًا يجب أن يعتمد على مجموعة الانبعاثات وظروف الحمل والتشغيل، وليس على تصنيف الزيت وحده بأنه صناعي أو معدني.

 إذا جاءكِ مزارع عراقي يحمل عبوتين، إحداهما زيت محلي والأخرى مستورد، وسألكِ: «أي واحد أضع في الساحبة؟»؛ هل تمنحكِ الدراسة جوابًا مباشرًا، أم أن الاختيار يحتاج إلى معرفة خصائص الزيت وظروف تشغيل المحرك وليس منشأه فقط؟

هنا تظهر أهمية الخوارزمية التي استخدمتها في الدراسة. أنا لا أتعامل مع اختيار الزيت على أنه قرار يعتمد فقط على كونه محليًا أو مستوردًا، وإنما على العلاقة بين نوع الزيت وظروف تشغيل المحرك.

فالخوارزمية في دراستي بُنيت باستخدام نوع الزيت كعامل نوعي، والحمل كعامل كمي، ثم ربطتهما بقيم الانبعاثات الخمسة: CO وCO₂ وNOₓ وUHC وPM، بهدف نمذجة العلاقة والتنبؤ بقيم الانبعاث عند تغير الزيت أو الحمل.

وبالتالي، إذا سألني المزارع: «أي الزيتين أستخدم؟»، فالخوارزمية تعطي أساسًا علميًا لاتخاذ هذا القرار، لأنها لا تنظر إلى الزيت بصورة منفردة، وإنما تأخذ نوع الزيت مع الحمل المتوقع للمحرك وتقدّر مستوى الانبعاثات الناتج.

وهذا مهم لأن نتائج التجربة أظهرت أن الزيت الصناعي كان أفضل في بعض الملوثات، بينما كان الزيت المعدني أفضل في ملوثات أخرى، كما أن تأثير الزيت في بعض الانبعاثات تغير مع تغير الحمل. لذلك فإن الخوارزمية تساعد على الانتقال من مجرد المقارنة بين «محلي ومستورد» إلى تحديد الزيت الأنسب لظرف التشغيل المحدد اعتمادًا على مستوى الانبعاث المتوقع.

في موسم الحراثة أو الحصاد قد يعمل محرك الآلة الزراعية تحت حمل مرتفع. دراستكِ وجدت أن الحمل كان أكثر تأثيرًا في الانبعاثات من نوع الزيت؛ ماذا تعني هذه النتيجة لمن يستخدم المحرك يوميًا؟ 

تعني هذه النتيجة أن الشخص الذي يستخدم المحرك يوميًا لا ينبغي أن ينظر إلى نوع الزيت باعتباره العامل الوحيد المؤثر في الانبعاثات، لأن نتائج الدراسة أظهرت أن الحمل كان أكثر تأثيرًا في مستويات الانبعاثات من نوع الزيت.

ففي مواسم الحراثة أو الحصاد، عندما يعمل المحرك لفترات طويلة وتحت حمل مرتفع، فإن زيادة الحمل قد تؤدي إلى ارتفاع واضح في الانبعاثات. لذلك فإن الاستخدام اليومي للمحرك يتطلب الاهتمام بظروف التشغيل والحمل المسلط عليه، إلى جانب استخدام الزيت المناسب للمحرك.

وبمعنى عملي، اختيار الزيت مهم، لكنه لا يعوض عن التشغيل الصحيح للمحرك وعدم تحميله بأحمال مرتفعة لفترات طويلة.

 عند الانتقال من الحمل الصفري إلى الحمل العالي، سجلت الدراسة زيادات كبيرة في الانبعاثات؛ فأكاسيد النيتروجين ارتفعت بنحو 218 في المائة، والجسيمات الدقيقة بنحو 96.9 في المائة. ماذا يحدث للمحرك عند زيادة الحمل حتى ترتفع الانبعاثات بهذه الصورة؟ 

عند زيادة الحمل المسلط على المحرك، يحتاج المحرك إلى قدرة أكبر للمحافظة على سرعة التشغيل، وبالتالي تزداد كمية الوقود المطلوبة لتلبية هذا الحمل. هذا التغير في ظروف الاحتراق يؤدي إلى تغير في عملية الاحتراق ودرجات الحرارة داخل الأسطوانة، وينعكس بصورة مباشرة على نواتج العادم.

وبالنسبة لأكاسيد النيتروجين، فإن ارتفاع الحمل يرتبط بزيادة شدة الاحتراق وارتفاع درجات الحرارة داخل غرفة الاحتراق، مما يعزز تكوّن أكاسيد النيتروجين، ولذلك سجلت الدراسة زيادة بلغت نحو 218%.

أما الجسيمات الدقيقة، فإن زيادة كمية الوقود وظروف الاحتراق عند الأحمال العالية يمكن أن تزيد من تكوّن نواتج الاحتراق غير الكامل والجسيمات، ولذلك ارتفعت الجسيمات الدقيقة بنحو 96.9%.

إذن، ارتفاع الانبعاثات مع زيادة الحمل هو نتيجة لتغير متطلبات المحرك من الوقود وظروف الاحتراق داخل الأسطوانة، وليس بسبب الزيت وحده.

التجربة جرت في المختبر وتحت ظروف مسيطر عليها، بينما تعمل الساحبة في الحقل وسط ظروف تشغيل متغيرة. إذا انتقلتِ بالتجربة إلى حقل عراقي حقيقي، فما المتغيرات التي ترغبين في إضافتها حتى نعرف بصورة أدق حجم الانبعاثات أثناء العمل الفعلي؟

إذا انتقلتُ بالتجربة إلى الحقل العراقي، فسأضيف مجموعة من المتغيرات التي تمثل ظروف التشغيل الفعلية، لأن الحمل في الحقل لا يكون ثابتًا كما في التجربة المختبرية.

ومن أهم المتغيرات التي أرغب بإضافتها: سرعة دوران المحرك (RPM)، سرعة حركة الساحبة، نوع العملية الزراعية، نوع التربة ومقاومتها، عمق الحراثة، نسبة الحمل الفعلية على المحرك، مدة التشغيل، ودرجة حرارة المحرك والظروف الجوية المحيطة.

كما يمكن متابعة الانبعاثات بصورة مستمرة أثناء العمل، وربط تغيرها مع الحمل وسرعة المحرك وظروف الحقل.

وبذلك يمكن بناء نموذج أكثر واقعية للتنبؤ بالانبعاثات، لأنه لا يعتمد على الحمل ونوع الزيت فقط، وإنما يأخذ بنظر الاعتبار الظروف التشغيلية والبيئية الفعلية التي تعمل فيها الساحبة.

الجسيمات الدقيقة تحديدًا أظهرت نتيجة مثيرة؛ فعند الحمل المتوسط كانت انبعاثاتها مع الزيت الصناعي أقل من المعدني بنحو 20.3 في المائة، لكن عند الحمل العالي أصبحت أعلى بنحو 38.9 في المائة. هل يعني ذلك أن الزيت نفسه قد يتغير أداؤه البيئي بتغير طريقة تشغيل المحرك؟

نعم، هذه النتيجة تشير إلى أن تأثير الزيت في الانبعاثات لا يمكن تقييمه بمعزل عن ظروف تشغيل المحرك. ففي دراستي، كان الزيت الصناعي مرتبطًا بانخفاض الجسيمات الدقيقة عند الحمل المتوسط بنحو 20.3% مقارنة بالزيت المعدني، ولكن عند الحمل العالي أصبحت انبعاثاته أعلى بنحو 38.9%.

وهذا يعني أن العلاقة بين نوع الزيت والانبعاثات تتأثر بمستوى الحمل بمعنى ان هناك تداخل بين العلاقة ما بين الزيت وظروف للتشغيل؛ أي أن الزيت الذي يعطي نتيجة أفضل عند حمل معين ليس بالضرورة أن يعطي النتيجة نفسها عند حمل آخر.

 في ضوء هذه النتائج، هل ينبغي أن يتغير تعامل مستخدمي محركات الديزل مع الزيت من مجرد السؤال عن «نوع الزيت» إلى الاهتمام أيضًا بالحمل وظروف التشغيل وخصائص الزيت؟

نعم، في ضوء نتائج الدراسة، من الأفضل أن يكون التعامل مع زيت المحرك أكثر شمولًا، فلا يقتصر الاهتمام على سؤال «ما نوع الزيت؟»، وإنما يؤخذ بنظر الاعتبار الحمل وظروف تشغيل المحرك وخصائص الزيت.

فنتائج الدراسة أظهرت أن تأثير الحمل في الانبعاثات كان أوضح من تأثير نوع الزيت، كما أن تأثير نوع الزيت لم يكن ثابتًا لجميع الانبعاثات وتحت جميع مستويات الحمل. فمثلًا، بالنسبة للجسيمات الدقيقة، أعطى الزيت الصناعي نتيجة أقل عند الحمل المتوسط، لكنه سجل نتيجة أعلى عند الحمل العالي.

لذلك فإن اختيار الزيت لا ينبغي أن يُبنى على كونه «صناعيًا» أو «معدنيًا» فقط، وإنما على مدى ملاءمته للمحرك وظروف تشغيله، مع مراعاة الحمل. وهذا يعطي صورة أدق عن الأداء البيئي للمحرك.

وبالتالي، فإن رسالتي تدعو إلى النظر إلى الزيت وظروف التشغيل كعاملين مترابطين (تداخل العاملين) عند تقييم الانبعاثات، وليس إلى نوع الزيت كعامل منفرد. وهو ما اكدته نتائج الدراسة حيث ان التداخل ما بين الزيت والحمل كان معنويا احصائيا في الكثير من الصفات المقاسة.

 أدخلتِ الذكاء الاصطناعي إلى بحث يتعلق بالزيوت ومحركات الديزل. لو أردتِ شرح الفكرة لمزارع بعيد عن المصطلحات التقنية، فكيف تشرحين له ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله هنا؟

لو أردتُ شرح الفكرة لمزارع، فسأقول له:

تخيل أن عندنا محركًا جُرّب عليه نوعان من الزيوت وتحت أحمال مختلفة، وقمنا بقياس الغازات والجسيمات الخارجة من المحرك في كل حالة. الذكاء الاصطناعي يأخذ هذه النتائج ويتعلم العلاقة بينها.

بعد أن يتعلم من هذه البيانات، إذا أعطيته نوع الزيت والحمل الذي يعمل عليه المحرك، يستطيع أن يتوقع لنا مستوى الانبعاثات المتوقع قبل إجراء التجربة فعليًا.

يعني بدل أن نجرب كل حالة على المحرك ونقيس الانبعاثات في كل مرة، نستطيع استخدام النموذج للتنبؤ بما قد يحدث عند تغيير الزيت أو الحمل.

ففي بحثي، الذكاء الاصطناعي يعمل كأداة مساعدة لاتخاذ القرار وفهم سلوك الانبعاثات، وليس كبديل عن المحرك أو التجربة العملية.»

 هل يمكن أن نرى مستقبلًا في الساحبات والآلات الزراعية نظامًا يتابع ظروف تشغيل المحرك ويستخدم نموذجًا ذكيًا للتنبؤ بارتفاع الانبعاثات قبل قياسها من العادم؟

نعم، يمكن مستقبلًا تطوير مثل هذا النظام. الفكرة هي أن يتم تزويد الآلة بحساسات تتابع ظروف تشغيل المحرك، مثل الحمل وسرعة الدوران، ثم تُدخل هذه البيانات إلى نموذج ذكي مدرّب مسبقًا على بيانات حقيقية للانبعاثات.

عندها يستطيع النموذج التنبؤ بمستوى الانبعاثات المتوقع عند ظروف التشغيل الحالية، وبالتالي يمكن اكتشاف احتمال ارتفاع الانبعاثات قبل أو بالتزامن مع القياس الفعلي من العادم.

أما في دراستي، فقد استخدمتُ البيانات التجريبية لربط نوع الزيت والحمل بمستويات الانبعاثات وبناء نموذج للتنبؤ بها. لذلك يمكن اعتبار هذه الدراسة خطوة أولية نحو تطوير نظام ذكي للمراقبة والتنبؤ بالانبعاثات في الآلات الزراعية، لكن تطبيقه ميدانيًا وبصورة آنية يحتاج إلى اختباره وتدريبه على بيانات حقلية أكثر تنوعًا.

إذا أرادت جهة عراقية الاستفادة من بحثكِ وتطويره، أين ترين الخطوة الأهم أولًا: توسيع اختبار الزيوت، أم إجراء التجارب على ساحبات زراعية في الحقول، أم تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي ببيانات أكبر؟

إذا كانت هناك جهة عراقية تريد تطوير البحث، فأرى أن الخطوة الأولى والأهم هي إجراء تجارب ميدانية على الساحبات الزراعية في الحقول.

السبب هو أن الدراسة الحالية أُجريت تحت ظروف مختبرية مسيطر عليها، لذلك فإن اختبار النموذج والنتائج تحت ظروف العمل الحقيقية سيبين مدى إمكانية تعميمها على الساحبات المستخدمة فعليًا في العراق، مع اختلاف الأحمال وظروف التربة وسرعة التشغيل ومدة العمل.

بعد الحصول على بيانات حقلية كافية، يمكن الانتقال إلى توسيع قاعدة البيانات وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي لتصبح أكثر دقة وقدرة على التنبؤ في ظروف مختلفة. أما توسيع اختبار الزيوت فيمكن أن يكون جزءًا من هذه المرحلة، بحيث تشمل الدراسة أنواعًا وخصائص زيتية أكثر.

لذلك أرتب خطوات التطوير كالتالي: التحقق ميدانيًا أولًا، ثم توسيع البيانات، ثم تطوير النموذج الذكي اعتمادًا على البيانات الجديدة.

 دراستكِ اقتصرت على نوع محدد من محركات الديزل ونوعين من الزيوت، وأنتِ تشيرين إلى إمكانية التوسع مستقبلًا نحو الساحبات الزراعية والعمليات الحقلية. ما الذي تحتاجه الدراسة المقبلة حتى تكون نتائجها أقرب إلى ظروف الزراعة الفعلية في العراق؟ 

حتى تكون الدراسة المقبلة أقرب إلى ظروف الزراعة الفعلية في العراق، ينبغي الانتقال من ظروف المختبر المسيطر عليها إلى اختبارات ميدانية على ساحبات زراعية تعمل في ظروف حقيقية.

ويشمل ذلك دراسة عدد أكبر من أنواع الساحبات والمحركات والزيوت، وقياس الانبعاثات عند مستويات حمل مختلفة أثناء عمليات زراعية فعلية، مثل الحراثة والحصاد، مع تسجيل المتغيرات التي تتغير في الحقل، مثل سرعة دوران المحرك، الحمل الفعلي، سرعة الساحبة، نوع العملية الزراعية، ومدة التشغيل.

كما ينبغي جمع قاعدة بيانات ميدانية أكبر، لأن هذه البيانات ستسمح لاحقًا بتطوير نموذج ذكاء اصطناعي أكثر قدرة على التنبؤ بالانبعاثات تحت ظروف التشغيل الفعلية.

 بعد كل ما شاهدتِه في التجربة من تأثير الزيت والحمل وتغير الانبعاثات، لو كنتِ أمام مجموعة من أصحاب الساحبات والمزارعين العراقيين، فما النصيحة أو المعلومة الأهم التي تريدين أن تصل إليهم من هذا البحث؟

أهم معلومة أريد إيصالها للمزارعين هي أن الانبعاثات لا تعتمد على الوقود وحده، وإنما تتأثر أيضًا بنوع زيت المحرك وخصائصه وظروف تشغيل المحرك، ولا سيما الحمل المسلط عليه.

لذلك أنصح بتوسيع الدراسات والتجارب المستقبلية لتشمل أنواعًا وخصائص مختلفة من الزيوت، وعددًا أكبر من المحركات والساحبات، وإجراء الاختبارات تحت ظروف التشغيل الحقيقية في الحقول، حتى نتمكن من فهم تأثير الزيت والحمل بصورة أكثر شمولًا.

كما أرى أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تمثل أداة مهمة في هذه المرحلة؛ فمع زيادة حجم البيانات يمكن تطوير نماذج أكثر دقة للتنبؤ بمستويات الانبعاثات عند ظروف تشغيل مختلفة، وبالتالي يمكن استخدامها كأداة مساعدة في اختيار ظروف التشغيل والزيت الملائم، والمساهمة في تقليل الانبعاثات وهو ما حصل فعلا في دراستي الخاصة حيث اعتبر هذه الدراسة مرحلة تأسيسية، وأسعى إلى توسيعها مستقبلًا بصورة أكثر تطورًا.

يبقى الحقل موعدًا للاختبار الأوسع؛ هناك، تتضح قدرة هذه النتائج على مساعدة المزارع في قراراته اليومية، وتجد المعرفة التي بدأت أمام أجهزة القياس طريقها إلى العمل. وفي ختام حوارنا، نشكر الباحثة ضحى جاسب خلف على ما قدّمته من إيضاحات، وعلى مشاركتنا تفاصيل تجربتها وحدود نتائجها وآفاق تطويرها، متمنّين لها التوفيق في مواصلة بحثٍ يضع ما ننجزه على الأرض وما نتركه في الهواء ضمن مسؤولية واحدة.

اضف تعليق