الموظف الذي يختار الدراسة بعد انتهاء ساعات عمله لا يطلب إعفاءه من واجباته الوظيفية ولا يستغل وقت الدوام الرسمي، بل يستثمر وقته الخاص لتطوير قدراته التي تعود بالنفع على المؤسسة والمجتمع. المنع المطلق يحرم المؤسسات من طاقات علمية ويناقض مفهوم التعلم مدى الحياة؛ فالعلم لا يضر بالعمل إذا حُفظت المصلحة العامة بضوابط تنظيمية عادلة...

في الوقت الذي تتجه فيه المجتمعات الحديثة نحو الاستثمار في الإنسان، وتعمل الدول على توسيع فرص التعليم وتوفير الوسائل التي تساعد المواطنين على تطوير قدراتهم العلمية والمهنية، يأتي قرار منع الموظفين من الدراسة في الجامعات خلال الفترة المسائية ليطرح علامات استفهام عديدة حول فلسفة هذا القرار ومدى انسجامه مع الحاجة إلى بناء موظف أكثر علما وكفاءة وقدرة على مواكبة متطلبات العمل.

فالموظف الذي يختار الدراسة في الجامعة بعد انتهاء ساعات عمله لا يطلب إعفاءه من واجباته الوظيفية، ولا يسعى إلى استغلال وقت الدوام الرسمي لأغراض شخصية، وإنما يحاول استثمار وقته الخاص في تحقيق طموح علمي قد تأخر بسبب ظروف الحياة والعمل. 

وقد يكون هذا الموظف قد اضطر إلى دخول الوظيفة في وقت مبكر، أو لم تتح له الظروف الاقتصادية والاجتماعية فرصة إكمال دراسته، ثم وجد في الدراسة المسائية فرصة حقيقية لتصحيح مساره وتحقيق حلم ظل مؤجلا لسنوات.

ومن هنا فإن منع الموظف من الدراسة المسائية قد يُفهم على أنه تقييد لحقه في تطوير نفسه، خصوصا إذا كان ملتزما بعمله ولا تتعارض دراسته مع ساعات الدوام الرسمي، فليس من المنطقي أن يُطلب من الموظف أن يؤدي واجباته كاملة، ثم يُمنع بعد انتهاء عمله من ممارسة حقه في التعليم وتطوير مؤهلاته.

من اتخذ هذا القرار لا يعرف إن التعليم يمثل استثمارا طويل الأمد في الإنسان، وكل شهادة يحصل عليها الموظف لا تضيف إليه وحده، وإنما يمكن أن تضيف إلى المؤسسة التي يعمل فيها وإلى المجتمع بصورة عامة، فالموظف الأكثر تأهيلا يكون أكثر قدرة على فهم طبيعة عمله، ومتابعة التطورات في اختصاصه، والتعامل مع المشكلات بطريقة أكثر وعيا، وتقديم أفكار جديدة يمكن أن تسهم في تحسين الأداء.

كما أن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تجعل الدراسة المسائية خيارا مهما لشريحة واسعة من المواطنين، هناك من لا يستطيع ترك وظيفته والعودة إلى الدراسة الصباحية، لأن الوظيفة تمثل مصدر رزقه ورزق عائلته، وهناك من بدأ حياته العملية قبل إكمال دراسته، ثم قرر في مرحلة لاحقة أن يستعيد حقه في التعليم، هؤلاء الأشخاص ينبغي أن يُنظر إليهم على أنهم يسعون إلى فرصة تساعدهم على بناء مستقبل أفضل.

ومن زاوية أخرى، فإن أي تنظيم للدراسة أثناء الخدمة الوظيفية يمكن أن يكون مقبولا عندما يستند إلى ضوابط واضحة تحمي مصلحة العمل، فمن حق المؤسسة أن تتأكد من عدم تأثير الدراسة في ساعات الدوام أو في أداء الموظف لواجباته، ويمكن وضع معايير تضمن التزام الموظف بالحضور والإنتاجية، مع ترك المجال أمامه للدراسة خارج أوقات العمل.

أما المنع المطلق، فقد يؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في إحباط الموظف الذي يريد تطوير نفسه، وحرمان المؤسسات من طاقات علمية كان يمكن أن تستفيد منها مستقبلا، فالعدالة في مثل هذه القرارات تقتضي النظر إلى حالة الموظف وظروفه الفعلية، لا الاكتفاء بصفة كونه موظفا.

فإذا كان يؤدي عمله بصورة كاملة، ولا يستخدم ساعات الدوام للدراسة، ولا يسبب غيابه أو دراسته ضررا للمؤسسة، فإن منعه من التعليم المسائي يحتاج إلى مبررات واضحة تتناسب مع حجم القيد المفروض عليه.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه السياسات التعليمية الحديثة عن التعلم مدى الحياة، وعن ضرورة إتاحة الفرص أمام الإنسان لتطوير مهاراته في مختلف مراحل عمره، فإن تضييق فرص التعليم أمام الموظفين قد يتعارض مع هذه الرؤية، فالموظف ليس رقما في سجلات الدولة، وإنما إنسان لديه طموحات وقدرات ورغبة في التطور، ومن حقه أن يجد طريقا يجمع فيه بين العمل والتعليم ما دام ملتزما بالقانون وواجباته الوظيفية.

لذلك فإن مراجعة قرار منع الموظفين من الدراسة المسائية تستحق أن تكون موضع نقاش هادئ ومسؤول، بعيدا عن التعميم، وبما يحقق التوازن بين مصلحة الدولة وحق الموظف في التعليم، ويمكن اعتماد ضوابط تضمن انتظام العمل، مع السماح لمن تتوفر فيه الشروط بمواصلة دراسته.

فالدولة التي تريد بناء جهاز إداري قوي تحتاج إلى موظفين متعلمين وطموحين، والموظف الذي يسعى للحصول على شهادة جامعية بعد ساعات عمله لا ينبغي أن يُعامل كصاحب مشكلة، وإنما كشخص يحاول تطوير ذاته ومستقبله، وقد يكون من الأجدى تحويل هذه الرغبة في التعلم إلى فرصة تستفيد منها المؤسسات، بدلا من وضع العراقيل أمامها.

احترام طموح الموظف العلمي هو احترام لفكرة التعليم نفسها، ومنح الموظف فرصة الدراسة خارج أوقات الدوام، وفق ضوابط تحفظ مصلحة العمل، يمكن أن يكون خطوة باتجاه بناء بيئة وظيفية أكثر عدالة وتشجيعا على التطور، فالعلم لا يضر المؤسسة عندما يُمارس خارج وقت العمل، والطموح لا ينبغي أن يكون سببا للعقوبة، والتعليم يبقى من أهم الوسائل التي يمكن من خلالها بناء الإنسان وتطوير الدولة والمجتمع.

اضف تعليق