يمكن قراءة اللاعنف باعتباره مهارة تتعلمها الأجيال، ومسؤولية تتحملها المؤسسات، وتجربة يختبرها المواطن عند أول اعتراض. فقد يعرف الشخص أن الضرب خطأ، لكنه يحتاج أيضًا إلى معرفة الطريقة التي يوقف بها الاعتداء عليه. وقد يسمع عشرات الدعوات إلى الحوار، بينما يظل محتاجًا إلى جهة تنصت، وإجراء مفهوم، وشخص يشرح له خياراته...
«لا تسكت عن حقك»؛ عبارة سهلة الحفظ، تتردد في تربية الأبناء، ونصائح الأصدقاء، وأحاديث العمل. تحمل وعدًا بالكرامة، لكنها تترك سؤالًا مفتوحًا أمام من يسمعها: كيف؟ كيف يردّ الطالب على التنمر؟ وكيف يعترض الموظف على الإهانة؟ وإلى أين تذهب امرأة تخشى أن تتحول شكواها إلى سبب لاعتداء جديد؟ وبين معرفة الإنسان بأنه تعرّض للظلم ومعرفته بالخطوة التالية، تمتد مساحة قد يملؤها الخوف أو الغضب أو تدخل أشخاص يملكون نفوذًا أكبر منه.
تستحق هذه المساحة أن تكون موضوعًا لليوم الدولي للاعنف، الموافق الثاني من تشرين الأول. فالحديث عن السلوك السلمي يكتسب معنى عمليًا عندما يتصل بقدرة الإنسان على حماية نفسه، واستعادة حقه، والمشاركة في تقرير ما يحدث له. أما السؤال الذي تفتحه المناسبة، فيتعلق بما تتيحه الأسرة والمدرسة ومكان العمل ومؤسسات الدولة من معرفة وإجراءات وحماية، كي يستطيع المتضرر اختيار طريق سلمي يثق بإمكان وصوله إلى نتيجة.
من هنا، يمكن قراءة اللاعنف باعتباره مهارة تتعلمها الأجيال، ومسؤولية تتحملها المؤسسات، وتجربة يختبرها المواطن عند أول اعتراض. فقد يعرف الشخص أن الضرب خطأ، لكنه يحتاج أيضًا إلى معرفة الطريقة التي يوقف بها الاعتداء عليه. وقد يسمع عشرات الدعوات إلى الحوار، بينما يظل محتاجًا إلى جهة تنصت، وإجراء مفهوم، وشخص يشرح له خياراته. هذه التفاصيل تمنح المناسبة صلتها بحياة الناس، وتضعها أمام امتحان يتكرر في البيت والصف والدائرة والشارع والهاتف.
بين الغضب والإنصاف… أين يبدأ الطريق؟
تقدم رسالة الأمين العام للأمم المتحدة بمناسبة اليوم الدولي للاعنف لعام ٢٠٢٥ أساسًا لهذا الفهم؛ إذ تربط إرث المهاتما غاندي بالسلام والحقيقة والكرامة، وبالقدرة على مقاومة الظلم ومواجهة القمع مع تجنب الكراهية والقسوة. ويتيح هذا الربط نقل النقاش إلى سؤال الحقوق: ما الشروط التي تساعد الإنسان على التمسك بمطالبه من دون أن يتحول خلافه إلى إيذاء؟ وكيف تكتسب الوسائل السلمية قوتها داخل المجتمع؟
تحمل هذه الزاوية أهمية خاصة في العراق؛ فهي تسمح بمتابعة ما يجري بين الضرر والإنصاف، بدل الاكتفاء بتعداد صور العنف. يبدأ المسار من التعرف إلى الإساءة، ثم فهم الحق، وطلب المساعدة، وتقديم الشكوى، ومتابعتها، والوصول إلى معالجة. وكل مرحلة تستحق سؤالًا مستقلًا: مَن يشرح؟ ومَن يحمي؟ ومَن يستجيب؟ وما الذي يعرفه المتضرر عن مصير صوته بعدما يودعه لدى الجهة المختصة؟
البيت يعلّمنا كيف نختلف
تبدأ بعض الإجابات من المنزل، حيث يكتسب الطفل خبرته الأولى في السلطة والاعتراض والعقاب. ويقدر موجز لليونيسف نُشر في تشرين الثاني ٢٠٢٥ تعرض نحو ١٫٦ مليار طفل دون الثامنة عشرة، أي قرابة طفلين من كل ثلاثة، للتأديب العنيف من مقدمي الرعاية. ويشمل المؤشر العقاب البدني والعدوان النفسي خلال الشهر السابق للمسح. تستند هذه التقديرات إلى بيانات جُمعت بين ٢٠١٠ و٢٠٢٤ من ١٠٢ دولة، مع تعديلات إحصائية لتقدير النطاق العالمي.
تضع الأرقام التربية أمام سؤال يتجاوز النية التي يعلنها الكبار: ماذا يتعلم الطفل من الطريقة التي يُصحح بها سلوكه؟ فالمطالبة بالاحترام تصبح أكثر قابلية للفهم عندما يستطيع الصغير ملاحظتها في تعامل البالغين معه. وإذا أردنا تعليمه التعبير عن غضبه بالكلمات، فإن شكل الاستجابة لكلماته يستحق الفحص أيضًا. هل يستطيع شرح موقفه؟ وهل يفهم سبب المنع؟ وهل تُتاح له فرصة الاعتذار والإصلاح؟ هكذا تصبح التربية اليومية جزءًا من البنية التي يتعلم داخلها الإنسان التعامل مع النزاع.
داخل العراق، توفر مسودة البرنامج القطري لليونيسف، المؤرخة في ١١ تشرين الثاني ٢٠٢٤، خلفية عن هذا التحدي. تشير الوثيقة إلى إطلاق السياسة الوطنية لحماية الطفل عام ٢٠٢٣، وتناقش محدودية تطور القوى العاملة الاجتماعية والمساندة لمنظومة الحماية. كما تورد تعرض أكثر من ٨٠٪ من الأطفال لشكل من أشكال التأديب العنيف، استنادًا إلى بيانات تعود إلى ٢٠١٨. وتفرض سنة البيانات تمييزًا واضحًا: الرقم يصف مرجعه الزمني، ولا يقدم قياسًا جديدًا لواقع الأطفال في ٢٠٢٦.
تفتح الوثيقة سؤال القدرة على التنفيذ. فالسياسة تحتاج أشخاصًا يستطيعون التعرف إلى الخطر، والتحدث إلى الطفل، والتواصل مع أسرته، وإحالته إلى خدمة مناسبة، ومتابعة ما يحدث بعد التدخل. وتصبح معرفة عدد هؤلاء العاملين وتوزيعهم وتدريبهم مسألة مرتبطة بحق الطفل في الوصول إلى الحماية.
كذلك يستحق نقص البيانات الحديثة المتابعة؛ لأن تقييم التقدم يحتاج قياسات متجددة، تسمح بفهم ما تغير، وأين تظل الفجوات قائمة، وأي الفئات يصعب الوصول إليها.
تقدم منظمة الصحة العالمية مدخلًا عمليًا إلى دعم الأسرة. ففي إرشاداتها الصادرة في شباط ٢٠٢٣، تعرض توصيات قائمة على الأدلة بشأن تدخلات موجهة إلى الآباء ومقدمي الرعاية للأطفال حتى سن السابعة عشرة، بهدف تقليل إساءة المعاملة والتربية القاسية، وتعزيز العلاقة بين الوالدين والطفل، والوقاية من المشكلات الانفعالية والسلوكية. وبذلك يتحول الحديث عن التربية السلمية إلى مجال قابل للتدريب والتطبيق، له أدوات وأهداف يمكن متابعتها.
يفتح هذا المدخل بابًا مختلفًا للنقاش مع الأهل. فالسؤال عن البدائل ينبغي أن يحضر إلى جانب السؤال عن السلوك المؤذي: كيف توضع حدود مفهومة؟ وكيف يُدار الخلاف المتكرر؟ وكيف يُشرح الخطأ؟ ومتى تحتاج الأسرة إلى مساندة متخصصة؟ وتبرز هنا قيمة الخدمات التي تصل إلى مقدمي الرعاية قبل تفاقم المشكلة. أما الاكتفاء بمطالبتهم بتغيير سلوكهم، فيترك جانبًا مهمًا من المهمة معلقًا: أين يتعلمون الطريقة الأخرى، ومَن يساعدهم على ممارستها والاستمرار فيها؟
وللسؤال عن نتائج التدريب إجابة بحثية تستحق الانتباه. فقد تناولت مراجعة منهجية وتحليل تجميعي نُشرا في مجلة eClinicalMedicine عام ٢٠٢٣ أثر التدخلات الوالدية في العنف بمرور الوقت. ومن بين التجارب التي شملتها المراجعة، أبلغت ٦٠ تجربة موزعة على ٢٢ دولة عن نتائج تخص العنف الجسدي أو العاطفي. ووجد الباحثون انخفاضًا في السلوك الوالدي العنيف بعد التدخل، مع استمرار أثر أصغر خلال المتابعة التي امتدت إلى أربعة وعشرين شهرًا.
تعطي النتيجة أساسًا للأمل، وتضع شرطًا لتقييم البرامج: الاستمرار. فنجاح التدريب عند انتهائه يحتاج متابعة لما يبقى منه بعد شهور، وما إذا كانت الأسرة تحصل على دعم إضافي عند التعثر. وأشارت الدراسة نفسها إلى مخاطر تحيز في جوانب مختلفة، وإلى اعتماد واسع على إفادات الأهل. لذلك يكون عرضها الأدق بوصفها دليلًا على إمكان التحسن، مع حدود تستدعي الحذر. وفي التجربة العراقية، تقود إلى سؤال محدد: هل تقاس برامج التوعية بتغير السلوك، أم بعدد المشاركين والصور والشهادات؟
حقّ الطالب أمام امتحان المدرسة
ثم تأتي المدرسة، حيث يختبر الطفل حقوقه داخل جماعة أوسع. وفي تشرين الثاني ٢٠٢٣، اعتمدت الدول الأعضاء في اليونسكو، وعددها ١٩٤ دولة آنذاك، توصية التربية من أجل السلام وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة. تضع التوصية أربعة عشر مبدأ توجيهيًا، وتتصل بالمناهج وطرائق التدريس وبيئات التعلم، وتؤكد كفايات مثل التعاطف والتفكير النقدي والتفاهم والحوار. وهي بذلك تتيح النظر إلى السلام باعتباره موضوعًا ينعكس على طريقة عمل المدرسة بكاملها.
يمكن اختبار هذا التصور بأسئلة قريبة من يوم الطالب: هل يعرف كيف يعترض على قرار يراه مجحفًا؟ وهل يستطيع الإبلاغ عن إساءة من دون أن يُحرج أمام زملائه؟ وكيف يتعامل المعلم مع اختلاف الروايات؟ وما الفرصة التي يحصل عليها الطرف الأضعف لشرح تجربته؟ تزداد قيمة درس الحقوق عندما يجد الطالب إجراءً يترجمه. كما أن المدرسة تستطيع تعليم التفاوض عبر مواقف صغيرة متكررة، تمنح الطلبة فرصة الإصغاء وتقديم الأسباب والاتفاق على قواعد مشتركة ومراجعتها عند الحاجة.
توضح بيانات العنف المدرسي حجم الحاجة إلى هذه الإجراءات. ففي بيان أصدرته اليونسكو في السادس من تشرين الثاني ٢٠٢٤، أوردت تعرض طالب من كل ثلاثة للتنمر شهريًا على المستوى العالمي، وذكرت أن ٣٢ دولة فقط، تعادل ١٦٪، كانت تمتلك إطارًا قانونيًا شاملًا مخصصًا لمكافحة العنف المدرسي وفق تقييمها. كما شددت على مشاركة الطلبة والمعلمين والأسر والمجتمع في بناء بيئة تعلم آمنة ومحترمة، وعلى إرشاد المتضررين إلى أماكن طلب المساعدة.
بالنسبة إلى الطالب، تبدأ فعالية الحماية من وضوح الطريق. قد توجد تعليمات داخل ملفات الإدارة، لكن فائدتها ترتبط بمعرفته بها، وفهمه لمن يتحدث إليه، وما الذي سيحدث بعد حديثه. ويستحق تقييم المدرسة أن يتضمن طريقة تسجيل الوقائع، والوقت الذي تستغرقه الاستجابة، ومتابعة سلامة الطالب بعد الشكوى. فإغلاق الحادثة إداريًا لا يقدم وحده معلومات كافية عن تجربة صاحبها. ويظل السؤال مفتوحًا حول قدرته على العودة إلى الصف مطمئنًا، واستمرار متابعته عندما تتغير أشكال المضايقة أو تنتقل إلى مكان آخر.
الإساءة تلاحق صاحبها إلى الهاتف
يضيف الهاتف امتدادًا لهذا الاختبار. ففي آذار ٢٠٢٤، نشر المكتب الإقليمي لأوروبا في منظمة الصحة العالمية نتائج عن التنمر والعنف بين المراهقين، استنادًا إلى دراسة شملت أكثر من ٢٧٩ ألف مشارك في ٤٤ بلدًا ومنطقة. وأفاد نحو ١٥٪ بالتعرض للتنمر الإلكتروني، فيما أبلغ نحو ١٢٪ عن ممارسته ضد الآخرين. تعود أحدث بيانات الدراسة إلى ٢٠٢٢، ويشمل نطاقها أوروبا وآسيا الوسطى وكندا؛ ولذلك تستخدم للمقارنة وفهم الظاهرة ضمن حدودها الجغرافية.
تثير هذه النتائج سؤالًا عن الأدوات التي يحتاجها المتضرر عندما تصبح الإساءة قابلة للتكرار والمشاركة أمام جمهور واسع. فالتربية الرقمية يمكن أن تشمل التعرف إلى السلوك المؤذي، وفهم خيارات الإبلاغ، ومعرفة الجهة التي تقدم المساعدة، والتعامل مع الضغط الذي يدفع إلى الرد الفوري. ويحتاج الشاهد أيضًا إلى دور واضح؛ إذ يستطيع أن يسأل عن كيفية مساندة زميله بدل المشاركة في توسيع دائرة الإهانة. وكل ذلك يفتح مساحة لتعليم استجابات مدروسة تحمي الحقوق وتحافظ على إمكان المعالجة.
توجد في كربلاء نقطة محلية يمكن البناء عليها. فقد نشر موقع المؤسسة المعروفة آنذاك بالمعهد التقني كربلاء، التابعة لجامعة الفرات الأوسط التقنية، خبرًا في الثاني عشر من شباط ٢٠٢٥ عن ندوة تناولت الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالابتزاز الإلكتروني. وتضمن الخبر التأكيد على الوعي الرقمي وحماية البيانات الشخصية والتبليغ عن حالات الابتزاز للجهات المختصة. يوثق هذا النشاط وجود اهتمام جامعي بتعليم الوقاية والتعامل مع الخطر، ويمنح الموضوع صلة مباشرة بالبيئة المحلية.
لكن قياس الفائدة يحتاج خطوة تالية للنشاط. هل أصبح مسار طلب المساعدة أوضح؟ وهل توجد جهة جامعية يمكن اللجوء إليها بسرية؟ وهل يعرف الطلبة حدود دور الجامعة وصلتها بالجهات المختصة؟ وتستحق هذه الأسئلة أن تدخل في تقييم الأنشطة المقبلة؛ لأن الوصول إلى الطلبة بالرسالة يختلف عن التأكد من قدرتهم على استعمالها عندما يواجهون موقفًا ضاغطًا أو تهديدًا حقيقيًا. كما أن متابعة ما يتذكره المشاركون بعد مرور الوقت تمنح المؤسسة فرصة لتطوير رسالتها، وتحديد ما يحتاج إلى شرح وتدريب إضافيين.
تظهر مسؤولية المؤسسات التعليمية أيضًا في إرشادات منظمة العمل الدولية للتعليم والتدريب التقني والمهني، المنشورة في حزيران ٢٠٢٤. تستهدف الإرشادات حماية المتعلمين والمدربين والموظفين من العنف والتحرش، وتقدم استراتيجيات عملية وقوائم تحقق ومواد توعوية. وتشير إلى تعرض المتعلمين والعاملين الشباب، وخاصة الشابات، لمخاطر تستدعي بيئات تعلم وتدريب آمنة. يوسع هذا المنظور دائرة النقاش لتشمل الورشة والمختبر وموقع التدريب، إلى جانب القاعة الدراسية.
تساعد هذه الزاوية على صياغة معيار بسيط: ينبغي أن يعرف المتدرب كيف يطلب المساندة داخل البيئة التي يتعلم فيها. وعندما تتعدد الجهات بين مؤسسة تعليمية ومكان تدريب خارجي، تصبح مسؤولية الاستجابة موضوعًا يحتاج تحديدًا واضحًا. مَن يستقبل البلاغ؟ ومَن يتابع؟ وكيف تصل المعلومات إلى الشخص المعني؟ وتستطيع المؤسسة أن تجعل هذه المعرفة جزءًا من التهيئة قبل التدريب، فتدخل حماية الكرامة والحقوق ضمن شروط اكتساب المهارة، وتمنح الطالب فهمًا مبكرًا لما ينبغي أن يتوقعه من بيئة العمل.
كيف تعترض وأنت تخشى على وظيفتك؟
وفي مكان العمل، يأخذ سؤال الاعتراض شكلًا آخر يرتبط بالدخل والاستمرار المهني وعلاقات السلطة. يناقش تقرير لمنظمة العمل الدولية، صدر في كانون الثاني ٢٠٢٤، منع العنف والتحرش عبر تدابير السلامة والصحة المهنية، ويعرض أهمية الاستراتيجيات الشاملة والأطر القانونية والاتفاقات الجماعية. يسمح هذا المنظور بإدراج المعاملة التي يتلقاها العامل ضمن مسؤوليات المؤسسة، وبتناول الوقاية والاستجابة بوصفهما جزءًا من إدارة بيئة العمل.
يستحق تصميم الشكوى الاهتمام إلى جانب شجاعة المشتكي. فالموظف يحتاج معلومات عن الجهة المختصة، وكيفية التعامل مع تعارض المصالح، وحدود السرية، وإمكان متابعة النتيجة. كما تستحق العلاقة بين الشكوى والتقييم الوظيفي فحصًا واضحًا ضمن سياسات المؤسسة. وكلما أمكن شرح هذه الإجراءات بلغة مفهومة، أصبح الحديث عن الاحترام أكثر قابلية للاختبار. أما السؤال الذي يواجه الإدارات، فهو كيف تثبت للعامل أن الاعتراض سيُفحص بجدية، وأن معيار التعامل معه سيبقى متصلًا بعمله وحقوقه.
تكتسب مسألة الإصغاء وزنًا إضافيًا عند النظر إلى الثقة بالمؤسسات. ففي نتائج مسح نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تموز ٢٠٢٤، بلغت الثقة المرتفعة أو المتوسطة بالحكومة ٦٩٪ بين من يشعرون بأن لهم تأثيرًا في أفعالها، مقابل ٢٢٪ بين من يشعرون بعكس ذلك. أُجري المسح في تشرين الأول وتشرين الثاني ٢٠٢٣ عبر ثلاثين دولة عضوًا. وهذه علاقة إحصائية ضمن نطاق محدد، تساعد على فهم أهمية الشعور بامتلاك صوت مسموع.
يجب الحفاظ على حدود هذه المقارنة عند استخدامها في العراق. فهي لا تقيس ثقة العراقيين، ولا تثبت أن تجاهل الشكوى يقود مباشرة إلى العنف. لكنها تمنح النقاش سؤالًا مؤسسيًا مهمًا: كيف يعرف المواطن أن مشاركته أحدثت أثرًا؟ وقد تتضمن الإجابة إشعارًا واضحًا باستلام الشكوى، وشرحًا للاختصاص، وسببًا مفهومًا للقرار، وإمكانًا للمراجعة. فالإصغاء يظهر في طريقة التعامل مع الطلب، بما في ذلك الحالات التي يتعذر فيها تحقيق ما يريده صاحبه.
كم يكلّف الوصول إلى الحق؟
وتكشف دراسة «تشريح فجوة العدالة في ١٠٤ دول»، التي نشرها مشروع العدالة العالمي عام ٢٠٢٣، عن مساحة أخرى للتحليل: الرحلة التي يقطعها الناس للتعامل مع مشكلاتهم القانونية. يتناول التقرير الاحتياجات القانونية والكلفة الاقتصادية للمشكلات، ويقدم تقديرات وطنية لفجوة العدالة، إلى جانب تحليل مؤشر الوصول إلى تسوية النزاعات في اثنتين وستين دولة. يساعد هذا الإطار على النظر إلى العدالة من موقع الشخص الذي يحتاج إليها، وما يواجهه أثناء محاولة الوصول.
في هذا المنظور، يستحق الطريق نفسه القياس: كلفة الانتقال، والوقت المنقطع عن العمل، والقدرة على فهم الوثائق، والحصول على المشورة، ومعرفة الخطوة التالية. وهذه عناصر تحتاج فحصًا في التجربة العراقية، دون افتراض نتائج مسبقة. كما يمكن أن يكشف تتبع شكوى واحدة مراحل يصعب رؤيتها داخل الأرقام الإجمالية. فالحق المكتوب يحتاج مسارًا يستطيع صاحبه استخدامه، ويستحق هذا المسار أن يُفحص من حيث وضوحه وإتاحته وكلفته وقدرته على إنتاج معالجة مفهومة، ومن حيث الفروق التي يفرضها مكان السكن والدخل والمعرفة بالإجراءات.
داخل العراق، يقدم تقرير مجموعة الحماية العالمية، المنشور في تموز ٢٠٢٣، أساسًا أكثر تخصصًا لمناقشة المساعدة القانونية. اختير العراق لتطبيق تجريبي لإطار تحليل هذه المساعدة، في سياق الانتقال من الاستجابة الإنسانية إلى مقاربات تنموية أكثر استدامة. ويشرح التقرير استخدام الأداة لتحليل الوصول إلى المساعدة القانونية والخدمات المرتبطة بها. تكمن فائدته في توفير إطار لفحص الخدمة والبيئة التي تعمل داخلها، بدل افتراض أن وجودها يضمن وصول جميع المحتاجين إليها.
ويفتح ذلك أسئلة عن التغطية والاستمرارية: أين تتوفر المشورة؟ ومَن تشمل؟ وكيف يعرف الشخص أنه مؤهل للحصول عليها؟ وماذا يحدث إذا احتاج متابعة أطول؟ ويستحق النقاش أن يميز بين تقديم معلومة عامة، وإرشاد قانوني، وتمثيل في إجراءات محددة، لأن لكل خدمة وظيفة مختلفة.
كما أن وضوح هذه الفروق يساعد المواطن على تكوين توقعات واقعية، ويساعد في مساءلة الجهة المقدمة للخدمة عمّا أنجزته فعلًا، وما ظل خارج نطاق قدرتها أو اختصاصها.
تمنح قصة نشرتها مفوضية اللاجئين في العراق في كانون الثاني ٢٠٢٥ صورة بشرية لهذا المسار. عرضت المفوضية تجربة أسرة ساعدها محامٍ على تجاوز مشكلة وثائق وتحديث سجلات الإقامة لدى السلطات العراقية، بما أتاح جمع أفرادها ضمن الملف نفسه. وذكرت أن صاحب القصة كان من بين ١٣٬٥٠٠ لاجئ وطالب لجوء تلقوا خدمات مساعدة قانونية خلال ٢٠٢٤. العدد يخص هذه الفئة من المستفيدين، وترد تجربة الأسرة ضمن المادة المنشورة لدى المفوضية.
توضح التجربة قيمة وجود شخص يشرح الإجراءات ويتابعها مع صاحب الحاجة. ففي بعض الحالات، تبدأ استعادة القدرة على التصرف من وثيقة أو تصحيح سجل أو فهم إجراء. وتساعد هذه الزاوية على توسيع معنى الدفاع السلمي عن الحق ليشمل المشكلات اليومية التي تحدد الوصول إلى الخدمات. كما تمنح تقييم المساعدة معيارًا ملموسًا للنتيجة: ما الذي تغير في حياة المستفيد بعدها؟ وهل أصبح قادرًا على إكمال إجراء كان متعثرًا، وفهم خطواته اللاحقة، والاستفادة من حق يرتبط به؟
ماذا يحدث بعد تسجيل الشكوى؟
أما الأرقام القضائية العراقية، فتضع حجمًا محددًا للجزء الذي وصل إلى المحاكم. ففي تقرير نشره مجلس القضاء الأعلى في السابع والعشرين من كانون الثاني ٢٠٢٤، ورد حسم ١٨٬٤٣٦ دعوى عنف أسري خلال ٢٠٢٣، إلى جانب ذكر ٣٬١١٦ دعوى ابتزاز إلكتروني. وأورد التقرير ٦٨٢ دعوى ابتزاز إلكتروني في استئناف كربلاء. تمنح هذه الأرقام خلفية محلية مهمة لمناقشة المسار القضائي، لكنها تبقى إحصاءات للدعاوى ضمن نطاق المصدر.
تستدعي القراءة الدقيقة التمييز بين عدد القضايا وعدد الأشخاص وتجاربهم والوقائع التي قد تبقى خارج التسجيل. كما أن وصف الدعوى بأنها محسومة لا يشرح، بمفرده، نوع النتيجة أو أثرها على صاحبها. ومن هنا تنشأ مساحة متابعة أكثر عمقًا: ما المدة التي استغرقتها الإجراءات؟ وكيف عُرضت الخيارات على المتضرر؟ وما الذي أمكن معرفته عن وضعه بعد الحسم؟ إن استعمال الرقم كبداية للأسئلة يمنحه قيمة أكبر من تقديمه بوصفه وصفًا كاملًا للعنف أو للإنصاف.
وبعد عام، نشر المجلس إحصاءات تشير إلى ١٧٬٧٨٠ دعوى عنف أسري محسومة خلال ٢٠٢٤، و٣٬٥٤٣ دعوى ابتزاز. تحتاج المقارنة إلى الانتباه إلى صياغة الفئات؛ إذ ورد الابتزاز في هذا التقرير دون حصر لفظي بالإلكتروني. كذلك فإن انخفاض عدد دعاوى العنف الأسري بين السنتين لا يكفي وحده لإثبات تراجع الوقائع في المجتمع، لأن الوصول إلى القضاء والتسجيل والحسم عناصر ينبغي فهمها عند تفسير الأرقام.
يمكن أن تخدم المقارنة سؤالًا مختلفًا وأكثر دقة: ما المعلومات الإضافية التي نحتاجها لفهم حركة القضايا؟ فبيانات مدة التقاضي، ونوع النتائج، وتوزيع الدعاوى، وعودة الأطراف إلى الشكوى، قد تساعد في قراءة أوسع إذا توفرت ونُشرت بصورة قابلة للمقارنة. وفي مناسبة اللاعنف، تبرز قيمة هذه المعرفة لأنها تربط الدعوة إلى استخدام المؤسسات بإمكان تقييم أدائها. كما تمنح المواطن صورة أوضح عمّا يمكن أن يتوقعه، وتتيح النقاش العام على أساس يتجاوز الانطباعات المتداولة عن سهولة الشكوى أو صعوبتها.
تتصل هذه الأسئلة بمناقشة أوسع للمساءلة. ففي دراسة نشرها مجلس القضاء الأعلى في تشرين الثاني ٢٠٢٤ بشأن العنف الأسري والعدالة وعدم التمييز، عُرضت ملاحظات على مذكرة ومسودة تقرير أممي، مع مناقشة الأطر المحلية ومسؤوليات الحماية والوقاية. وتوفر الدراسة مادة لفهم الموقف القضائي والنقاش المحيط به. ويستلزم استخدامها تمييز ما تنقله عن الوثائق الأممية وما تعرضه بوصفه رأيًا أو ردًا من الجانب القضائي.
تنبع أهمية هذا التمييز من أن الحق يحتاج حماية ومساءلة معًا. فالدعوة إلى التهدئة تستحق أن تُسأل عن أثرها على الطرف المتضرر، وعن الضمانات التي ترافقها. ويحتاج تقييم أي معالجة إلى الإصغاء لصاحب الشكوى، ومعرفة ما إذا كان الضرر قد توقف، وما الخيارات التي أُتيحت له.
كما ينبغي أن يظل الحديث عن الوقاية متصلًا بوضوح المسؤوليات؛ لأن توزيع الأدوار بين القضاء والأجهزة التنفيذية والخدمات الاجتماعية يساعد على معرفة الجهة التي يمكن مساءلتها عن كل مرحلة.
وفي الرابع من شباط ٢٠٢٦، ناقشت لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة التقرير الدوري الثامن للعراق. وثق ملخص الأمم المتحدة في جنيف إشادة خبراء باعتماد استراتيجيات وطنية، إلى جانب أسئلة عن العدالة للناجيات من العنف الجنسي، والتعويضات، والمساءلة عن جرائم تُرتكب باسم «الشرف». وتضمن الحوار عرضًا من الوفد العراقي للإجراءات والبرامج الحكومية. يضيف هذا المصدر رقابة دولية حديثة، مع ضرورة الفصل بين أسئلة اللجنة وإجابات الوفد.
تتيح هذه المراجعة متابعة ما يحدث بعد إعلان الاستراتيجية. فمؤشرات التنفيذ، وكيفية وصول المستفيدات إلى الخدمات، وما تنشره المؤسسات عن النتائج والعقبات، كلها عناصر تحدد قيمة التعهدات في حياة الناس. وتصبح مشاركة المتضررات في التقييم جزءًا مهمًا من فهمه؛ لأن الوثيقة الحكومية تقدم زاوية، وتجربة طالبة المساعدة تقدم زاوية أخرى. وبهذا يتجه النقاش إلى مواضع محددة قابلة للفحص، مع الحفاظ على حق الجهات المعنية في شرح عملها والرد على الأسئلة المتعلقة بقدرتها على توفير الإنصاف.
تبدأ بعض طرق الحماية بمكالمة. وفي تقرير نشرته وكالة نون الخبرية في التاسع من آذار ٢٠٢٥، قال مدير الاستجابة والسيطرة المركزية إن منظومة الطوارئ ٩١١ جمعت ستة وعشرين خطًا رسميًا، وقدمت آنذاك واحدًا وسبعين نوعًا من الخدمات، مع إمكان التواصل بخمس لغات. وشرح المسؤول أن توحيد الرقم استهدف تقليل العبء على المواطن المرتبك أمام حادث، وجعل تصنيف الحاجة والتنسيق بين الجهات من مهام منظومة الاستجابة.
يعالج هذا التصميم جزءًا من المسافة بين الحاجة وطلب المساعدة: معرفة الباب الأول. لكن تقييمه من زاوية الحقوق يحتاج متابعة ما بعد الاتصال؛ مثل وضوح الإحالة، والوقت المستغرق، ومعرفة المتصل بما سيحدث. وتبقى الأرقام المذكورة منسوبة إلى المسؤول في تاريخ التصريح. أما الاختبار العملي للخدمة، فيبدأ بأسئلة عن كيفية قياس نجاح الاستجابة، ومراجعة الحالات التي تتأخر، والوسيلة التي يستطيع بها المواطن التعبير عن عدم رضاه عن التعامل مع بلاغه، وما إذا كان يتلقى تفسيرًا مفهومًا لما جرى.
وتقدم وحدات رعاية النساء مثالًا آخر على تقريب الخدمات. ففي السادس عشر من أيلول ٢٠٢٥، أعلنت اليونيسف ووزارة الصحة افتتاح وحدة في مستشفى الولادة بالرمادي، ضمن مبادرة أصبح نطاقها يشمل خمسة مستشفيات. تجمع الوحدات الرعاية الصحية والدعم النفسي والاجتماعي والإرشاد القانوني والإحالة للحماية في مكان واحد، مع التركيز على الأمان والسرية. يوضح الإعلان محاولة تنظيم الخدمة حول احتياجات الناجية، وتقليل انتقالها بين مرافق متعددة للحصول على المساندة.
يفتح هذا النموذج أسئلة عن الوصول الفعلي والاستمرارية. فوجود الخدمة يحتاج معرفة الناس بها، وقدرة المستفيدة على الوصول، ووضوح الإحالات، وتوفر العاملين المؤهلين. كما أن افتتاح الوحدة يمثل نقطة يمكن البناء عليها لتقييم لاحق، يتناول عدد المستفيدات وطبيعة الخدمات ورضاهن وحدود التغطية. ومن زاوية اللاعنف، تكمن أهمية النموذج في توفير مساندة تساعد المتضررة على اتخاذ قراراتها بصورة أوضح، وتربط التعامل مع الإساءة بالحماية والرعاية والوصول إلى المسار القانوني المناسب.
ويمتد النقاش إلى طبيعة العلاقة بين الشرطة والمجتمع. فقد نشر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، في آب ٢٠٢٤، تقريرًا عن الدروس المستفادة من دعم العمل الشرطي المتمحور حول الناس. يوفر التقرير إطارًا لمناقشة الخدمة الأمنية من جهة احتياجات السكان وعلاقتهم بالمؤسسات. ويتيح طرح أسئلة عن الاستجابة والثقة، وعن إدخال ملاحظات المواطنين في تطوير الأداء، وكيفية تقييم أثر التغييرات التي تتبناها المؤسسات.
هذا الجانب يجعل تجربة طالب المساعدة جزءًا من التقييم. فالمواطن يستطيع وصف وضوح التعليمات، وطريقة استقباله، وما إذا عرف الجهة التي ستتابع طلبه، وكيف أُبلغ بالنتيجة. وهي تفاصيل قابلة للجمع والتحليل إذا توفرت آليات مناسبة تضمن الخصوصية. كما أن نشر ما تتعلمه المؤسسة من الشكاوى يمكن أن يساعد في بناء علاقة أكثر وضوحًا مع المجتمع. وعندها يصبح الاعتراض مصدر معلومات لتحسين الخدمة، ويكتسب المواطن سببًا عمليًا للعودة إلى القنوات الرسمية عندما تواجهه مشكلة أخرى.
مَن يضمن أن الصلح أنصف المتضرر؟
إلى جانب المؤسسات الرسمية، تبرز الوساطة بوصفها مهارة يمكن بناؤها داخل المجتمع. ففي كانون الأول ٢٠٢٣، وثق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تدريب ثلاثين ميسّرًا من سبع محافظات عراقية، بينها كربلاء، على التفاوض والوساطة، مع تدريب إضافي لخمسة عشر منهم لإعداد مدربين. وتضمن المصدر شهادة مشارك عن مساهمته في تسوية نزاع على أرض بين مجتمعين في برطلة، عبر مفاوضات انتهت باتفاق. تبقى هذه شهادة منشورة ضمن مادة الجهة المنظمة.
يوفر البرنامج مدخلًا محليًا مناسبًا لفهم ما يحتاجه الوسيط: القدرة على الإصغاء، وفهم الخلاف، وتنظيم الحوار، ومساعدة الأطراف على استكشاف حلول. أما تقييم التدريب، فيحتاج معرفة ما فعله المشاركون بعد انتهائه، وما واجهوه من حدود وعقبات. ويمكن تتبع إحدى التجارب مع أطرافها، مع مراعاة رغبتهم وخصوصيتهم، لفهم كيف جرى الاتفاق وما إذا استمر. فعدد المتدربين يصف نشاطًا، بينما تصف المتابعة قدرة المهارة المكتسبة على العمل داخل نزاع حقيقي.
وتستحق الوساطة أن تُناقش مع شروطها. فدليل مبسط للعدالة التصالحية، نشره موقع الأمم المتحدة في إندونيسيا في أيار ٢٠٢٥، يشرح مقاربة تركز على إصلاح الضرر والعلاقات المتأثرة بالجريمة، من خلال مشاركة طوعية للمتضرر ومرتكب الفعل والمجتمع ضمن منظومة العدالة. يستند الدليل إلى مرجع أممي أقدم، ويخاطب سياقًا محددًا. لذلك يفيد في تقديم المفهوم ومبادئه، دون تحويله إلى وصف للإجراءات المعمول بها في العراق.
يفتح شرط الطوعية سؤالًا دقيقًا لأي تسوية: هل يستطيع الطرف المتضرر التعبير عن رفضه؟ وهل يفهم ما يوافق عليه؟ وكيف تُراعى الفروق في النفوذ والقدرة على التفاوض؟ هذه أسئلة ضرورية عند تناول الحلول الاجتماعية، حتى يبقى معيار نجاحها متصلًا بالحقوق وإصلاح الضرر. كما ينبغي فحص الاتفاق من حيث إمكان تنفيذه واستمراره، ومعرفة ما يحدث عند الإخلال به. فالهدوء الذي يعقب الجلسة يحتاج متابعة، وصاحب الحق يستحق أن يكون حاضرًا في تعريف النتيجة التي تُقدَّم باسم نجاح التسوية.
وتظهر تطبيقات أخرى للوساطة في تقرير النتائج السنوية للأمم المتحدة في العراق لعام ٢٠٢٥، المنشور في حزيران ٢٠٢٦. يوثق التقرير دعم شبكة تضم ثلاثًا وعشرين وسيطة سلام، لتعزيز المساهمة في التعامل مع النزاعات المرتبطة بالانتخابات والعنف ضد النساء في السياسة. كما يعرض مبادرات شبابية ومجتمعية لبناء السلام. ينقل هذا المصدر السؤال إلى المشاركة العامة: كيف تُتاح للناس أدوات إدارة الخلاف وهم يتنافسون ويختلفون حول الشأن المشترك؟
تسمح التجربة بالنظر إلى تعلم اللاعنف عبر مراحل الحياة، من الأسرة والمدرسة إلى العمل والمشاركة المدنية. وتستحق البرامج أن تُتابع وفق ما تتيحه من قدرة فعلية على التدخل، ومدى قبول الأطراف بها، وإمكان استمرارها بعد التمويل أو التدريب. كما أن حضور النساء والشباب يحتاج أن يظهر في القرارات وطريقة العمل، لا في قوائم المشاركة وحدها. وتظل النتائج المنشورة نقطة بدء للفحص؛ إذ تقود إلى أسئلة عن نزاعات محددة، وما تحقق فيها، وما تعذر، والدروس التي غيّرت الممارسة لاحقًا.
عند جمع هذه المسارات، يتضح أن سؤال استرداد الحق يحتاج أكثر من نصيحة فردية. فالمتعرض للإساءة يحتاج معرفة تساعده على تسمية ما حدث، وشخصًا يشرح خياراته، وإجراءً يستطيع الوصول إليه، وحماية تتيح له الاستمرار، ومعلومة واضحة عن النتيجة.
وقد تختلف الجهة المناسبة باختلاف الحالة، لكن وضوح الطريق يظل معيارًا يمكن مساءلة المؤسسات عنه. كما أن تعليم ضبط الغضب يكتسب قوته حين يصاحبه تعليم الاعتراض، وتوثيق الموقف، وطلب المساندة، وفهم حقوق الآخرين.
وتبقى أسئلة تحتاج بيانات أكثر تفصيلًا: كم شكوى تُسحب، ولماذا؟ وما الزمن الذي تستغرقه المعالجة؟ وكيف يصف المتضرر تجربته بعد انتهائها؟ وهل تصل الخدمات إلى القرى والأحياء البعيدة بالقدر نفسه؟ وما الذي يعرفه الطلبة والعاملون عن قنوات الحماية المتاحة لهم؟ الإجابة عنها تتطلب أن تصبح تجربة صاحب الحق جزءًا من المعرفة التي تنتجها المؤسسات عن نفسها، وأن يُتاح للناس الاطلاع على مؤشرات تساعدهم في تقييم الخدمة وفهم حدودها.
يمنح الثاني من تشرين الأول فرصة لوضع هذه التفاصيل في صلب النقاش العام. فالأرقام تصف جانبًا من الضرر، والدراسات تقدم بعض البدائل، والبرامج العراقية تفتح أبوابًا يمكن متابعتها. أما الامتحان الأقرب إلى الناس، فيبدأ عند أول محاولة لطلب المساعدة: هل يجد المتضرر من يفهم سؤاله ويشرح له طريقًا؟ وهل يستطيع أن يتابع حقه من دون أن يضيع بين الجهات أو يجهل ما يجري باسمه؟
وعندما نقول للطفل أو الموظف أو الجار «لا تسكت عن حقك»، نستطيع أن نكمل العبارة بمعرفة نافعة: أين تبدأ، وكيف تتحدث، ومَن يساعدك، وما الذي تستطيع توقعه، وكيف تراجع القرار. عند هذه النقطة يصبح اللاعنف قدرة يمكن ممارستها، ويصبح الدفاع السلمي عن الحق تجربة تستحق أن تنتقل بين الأجيال. فالكرامة تحتاج صوتًا، والصوت يحتاج طريقًا يصل به إلى من يملك مسؤولية الإصغاء والإنصاف.



اضف تعليق