يناقش المقال أثر تقلبات سعر الصرف في كشف هشاشة الاقتصاد العراقي واعتماده الكبير على النفط والاستيراد، موضحًا أن تعديل قيمة الدينار قد يمنح المالية العامة مرونة مؤقتة، لكنه يرفع كلفة الاستيراد ويضغط على الأسعار والقوة الشرائية. ويدعو إلى تنويع الاقتصاد، ودعم الإنتاج المحلي، وتحسين الاستثمار، وتنسيق السياسات المالية والنقدية...
إعداد:
م.م. عواطف عبدالرحمن فرج – اختصاص التنمية الاقتصادية
م.م. شهد حسون راضي – اختصاص الاقتصاد القياسي
لم يعد ارتفاع سعر صرف الدولار في العراق مجرد تغير في قيمة العملة الأجنبية مقابل الدينار، بل أصبح مؤشرًا يكشف عن اختلالات هيكلية أعمق في بنية الاقتصاد العراقي، وفي مقدمتها الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية في تمويل الإنفاق العام، وضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية غير النفطية، واستمرار الاعتماد على الاستيراد لتلبية جانب واسع من احتياجات السوق المحلية.
ومع تصاعد التحديات الاقتصادية والاضطرابات الإقليمية الأخيرة، عادت التساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة الصدمات الخارجية، ومدى فاعلية السياسات المالية والنقدية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وحماية القوة الشرائية للمواطن.
وقد أعاد قرار تعديل سعر صرف الدينار العراقي، الذي دخل حيز التنفيذ في السابع من تشرين الأول 2026، هذه التساؤلات إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بعد اعتماد سعر 1500 دينار لشراء الدولار من وزارة المالية، و1510 دنانير لبيعه إلى المصارف، و1520 دينارًا لبيعه نقدًا للجمهور، وفقًا لبيان البنك المركزي العراقي. وجاء القرار في ظل ضغوط مالية مرتبطة باضطراب الإيرادات النفطية وحركة التصدير نتيجة التطورات الإقليمية، الأمر الذي يكشف حجم الترابط بين النفط والسياسة النقدية والاستقرار المالي في العراق.
ولم تقتصر التطورات على السعر الرسمي، بل امتدت إلى السوق الموازي الذي شهد تقلبات ملحوظة عقب القرار. فقد تجاوز سعر الدولار في بعض التعاملات 1700 دينار للدولار الواحد يوم 7 تشرين الأول 2026، وفقًا لتغطية وكالة أسوشيتد برس، قبل أن يسجل سعر المئة دولار نحو 165,500 دينار في بغداد عند الساعة 3:45 عصرًا، ونحو 165,400 دينار في البصرة عند الساعة 3:41 عصرًا من يوم 8 تشرين الأول. وتمثل هذه الأرقام أسعار التداول بين التجار في السوق، وقد تختلف عن أسعار البيع والشراء لدى محال الصيرفة. وتعكس هذه التحركات حساسية السوق تجاه القرارات النقدية والتوقعات الاقتصادية، فضلًا عن اختلاف الأسعار بحسب توقيت التداول وطبيعة التعاملات.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين السعر الرسمي والسعر الموازي؛ إذ إن استمرار الفجوة بينهما لا يرتبط بحجم المعروض من الدولار وحده، وإنما يتأثر أيضًا بسهولة الوصول إلى القنوات المصرفية الرسمية، وحجم الطلب التجاري، والتوقعات المستقبلية، وكفاءة إجراءات تمويل الاستيرادات. ومن ثم، فإن تقلبات الدولار في السوق الموازي لا تمثل ظاهرة نقدية معزولة، بل تعكس تفاعلًا بين عوامل اقتصادية ومالية ومؤسسية متعددة.
النفط والاختلال الهيكلي في الاقتصاد العراقي
تتمثل إحدى أبرز المشكلات الهيكلية في الاقتصاد العراقي في الاعتماد الكبير على النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات العامة والعملات الأجنبية. فعندما تتراجع كميات التصدير أو تنخفض الأسعار العالمية للنفط، تتعرض المالية العامة لضغوط مباشرة، ولا سيما في ظل ارتفاع النفقات الجارية والالتزامات الحكومية المستمرة.
وقد كشفت التطورات الإقليمية الأخيرة عن مدى حساسية الاقتصاد العراقي تجاه اضطرابات أسواق الطاقة وطرق النقل البحري. فبحسب بيانات أوردتها وكالة رويترز، ارتفعت الصادرات النفطية العراقية إلى نحو 2.34 مليون برميل يوميًا خلال آب 2026، مقارنة بنحو 1.35 مليون برميل يوميًا في تموز، إلا أنها بقيت دون مستويات ما قبل الأزمة التي تجاوزت 3.3 ملايين برميل يوميًا. ويشير ذلك إلى أن التعافي الجزئي للصادرات لا يلغي استمرار المخاطر التي تواجه الإيرادات النفطية، ولا سيما مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب مسارات التجارة.
تعكس التقديرات الأولية لمشروع موازنة العراق لعام 2027 حجم الأزمة المالية المقابلة، إذ تشير تسريبات وكالة رويترز عن اللجنة المالية النيابية إلى تخطيط لإنفاق 217 تريليون دينار واعتماد 58 دولارًا كسعر لبرميل النفط، مما يفتح الباب لعجز يفوق 40 تريليون دينار. هذه الأرقام غير النهائية تدق ناقوس الخطر حول استدامة النفقات في ظل التبعية الكاملة لاقتصاد النفط المتأثر بالصدمات الخارجية.
ومن منظور التنمية الاقتصادية، لا يمكن اعتبار ارتفاع سعر الدولار المشكلة الأساسية التي تواجه الاقتصاد العراقي، وإنما يمثل أحد المظاهر المرتبطة باختلالات هيكلية أعمق، يأتي في مقدمتها الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية وعدم تحقيق التنويع الاقتصادي بالمستوى المطلوب. فعلى الرغم من امتلاك العراق موارد نفطية كبيرة، فإن محدودية تطوير القطاعات الصناعية والزراعية والإنتاجية الأخرى جعلت الاقتصاد أكثر عرضة للتقلبات الخارجية، وأضعفت قدرته على توفير مصادر بديلة للدخل والعملات الأجنبية.
وتكمن المشكلة التنموية في أن استمرار الاعتماد على المورد النفطي لا يقتصر تأثيره على الموازنة العامة، بل يمتد إلى طبيعة النمو الاقتصادي وفرص العمل والاستثمار. فالنمو الذي يعتمد بصورة رئيسة على الإيرادات النفطية يظل أكثر حساسية للصدمات الخارجية مقارنة بالنمو القائم على قاعدة إنتاجية متنوعة. ومن ثم، فإن معالجة تقلبات سعر الصرف لا ينبغي أن تقتصر على الإجراءات النقدية قصيرة الأجل، بل تتطلب توجيه الإيرادات النفطية نحو الاستثمار المنتج، وتطوير القطاعات غير النفطية، وبناء قاعدة اقتصادية قادرة على تحقيق النمو والاستقرار على المدى الطويل.
تعديل سعر الصرف بين المكاسب المالية والتكاليف الاقتصادية
من الناحية المالية، يمكن أن يؤدي تخفيض قيمة الدينار إلى زيادة الحصيلة الاسمية للإيرادات النفطية عند تحويلها من الدولار إلى العملة المحلية. ولتوضيح هذه الآلية حسابيًا، إذا افترضنا تحويل إيرادات نفطية مقدارها مليار دولار بسعر 1300 دينار للدولار، فإن الحصيلة تبلغ 1.3 تريليون دينار، بينما ترتفع إلى 1.5 تريليون دينار عند تحويل المبلغ نفسه بسعر 1500 دينار، أي بزيادة حسابية مقدارها 200 مليار دينار.
يُذكر أن هذا النموذج جاء افتراضيًا لبيان الأثر المالي لتقلبات العملة فقط، ولا يعكس الحجم الفعلي لإيرادات الدولة التي تحكمها أسعار الصرف الرسمية وحجم التدفقات الدولارية. وبناءً عليه، فإن أي نمو في الحصيلة المحلية بالدينار لا يعد دليلًا على انتعاش الإنتاج أو زيادة العوائد النفطية. ورغم أن خفض قيمة العملة قد يمنح الحكومة مرونة مالية مؤقتة لتسوية النفقات الداخلية، إلا أنه يظل عاجزًا بمفرده عن معالجة الأزمات الهيكلية الناتجة عن غياب التنوع الاقتصادي وتضخم المصاريف الجارية.
وفي المقابل، فإن ارتفاع سعر الدولار يزيد الكلفة الدينارية للاستيرادات بالنسبة إلى المتعاملين المتأثرين بالتعديل، الأمر الذي قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ولا سيما في اقتصاد يعتمد على الأسواق الخارجية لتوفير نسبة مهمة من احتياجاته الاستهلاكية والإنتاجية.
ومن منظور التحليل الاقتصادي الكمي، يمكن أن تنتقل تقلبات سعر صرف الدولار في السوق الموازي بصورة سريعة إلى أسعار بعض السلع المحلية، إذ قد يلجأ عدد من التجار إلى إعادة تسعير البضائع فور ارتفاع الدولار، حتى بالنسبة إلى السلع الموجودة في المخازن، استنادًا إلى توقعاتهم بشأن زيادة تكلفة تعويض المخزون مستقبلًا.
غير أن سرعة انتقال هذا التأثير وحجمه يختلفان بحسب نوع السلعة ومصدر تمويل الاستيراد ومستوى المنافسة في السوق. ولذلك فإن الارتفاع الفوري لبعض الأسعار لا يعني بالضرورة انتقال أثر سعر الصرف بالكامل إلى المستوى العام للأسعار في المدة نفسها.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الاستجابة السعرية المباشرة لبعض السلع والأثر التضخمي الكلي، الذي قد يظهر تدريجيًا ويتفاوت من قطاع إلى آخر. كما أن قياس العلاقة بين تغيرات سعر الصرف والأسعار المحلية يتطلب متابعة البيانات الزمنية لمؤشر أسعار المستهلك وسعر الصرف الموازي، بهدف تقدير حجم انتقال أثر سعر الصرف إلى التضخم والفترات الزمنية اللازمة لظهوره.
كذلك ينبغي التمييز بين العلاقة الإحصائية والعلاقة السببية؛ إذ إن تزامن ارتفاع الدولار مع زيادة الأسعار المحلية لا يعني بالضرورة أن سعر الصرف هو العامل الوحيد المسؤول عن التضخم، لأن مستويات الأسعار تتأثر أيضًا بتكاليف النقل والطاقة، والاضطرابات التجارية، والتغيرات في العرض والطلب، ومستوى الإنفاق العام.
وتظهر هنا مفارقة اقتصادية مهمة تتمثل في اختلاف توزيع منافع القرار وتكاليفه بين الأطراف الاقتصادية؛ فقد تستفيد المالية العامة من ارتفاع القيمة الدينارية للإيرادات النفطية، بينما تتحمل الأسر والمشروعات المعتمدة على المدخلات المستوردة جزءًا من تكاليف التعديل. وفي المقابل، قد تستفيد بعض الأنشطة الإنتاجية المحلية من ارتفاع الأسعار النسبية للسلع المستوردة، شريطة امتلاكها القدرة على زيادة الإنتاج وتلبية احتياجات السوق.
وقد أوضح البنك المركزي العراقي، في بيانه الصادر بتاريخ 7 تشرين الأول 2026، أن تعديل سعر الصرف يستهدف تعزيز تنافسية المنتج الوطني، وتشجيع الصناعة المحلية والاستثمار في القطاعات غير النفطية، فضلًا عن توفير فرص عمل جديدة، مؤكدًا كفاية احتياطياته الأجنبية لتلبية احتياجات التحويل الخارجي وتمويل التجارة.
غير أن تحقق هذه الأهداف يرتبط بمدى استجابة القطاعات الإنتاجية المحلية، وتوافر بيئة استثمارية مناسبة، وكفاءة البنية التحتية، وإمكانية الحصول على التمويل والطاقة ومدخلات الإنتاج. فارتفاع أسعار المستوردات وحده لا يضمن نشوء صناعات وطنية قادرة على المنافسة، ما لم يترافق مع سياسات إنتاجية واستثمارية تعالج المعوقات التي تواجه القطاع الخاص.
وعليه، فإن تقييم نتائج تعديل سعر الصرف لا ينبغي أن يستند إلى الزيادة الحسابية في الإيرادات الحكومية وحدها، وإنما إلى تطور المؤشرات الاقتصادية الحقيقية، وفي مقدمتها التضخم والقوة الشرائية والنشاط الإنتاجي والاستقرار النقدي.
من إدارة سعر الصرف إلى بناء اقتصاد أكثر صمودًا
إن التطورات الأخيرة تفرض ضرورة الانتقال من معالجة الضغوط المالية والنقدية قصيرة الأجل إلى تبني سياسات اقتصادية تستهدف جذور الاختلال الهيكلي في الاقتصاد العراقي.
فالإصلاح الاقتصادي المستدام يتطلب تنويع مصادر الإيرادات العامة، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير القطاع المصرفي بما يضمن توجيه التمويل نحو الأنشطة الإنتاجية.
كما تبرز أهمية التنسيق بين السياستين النقدية والمالية، بحيث لا تتحول المعالجات الهادفة إلى تخفيف الضغوط على الموازنة العامة إلى مصدر لضغوط تضخمية إضافية تؤثر في مستويات المعيشة.
ويتطلب ذلك تعزيز الرقابة على الأسواق والحد من الممارسات الاحتكارية، وتحسين كفاءة قنوات تمويل التجارة الخارجية، وتوجيه الإنفاق العام نحو المشروعات المنتجة والبنية التحتية، مع توفير تدابير حماية اجتماعية تستهدف الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع تكاليف المعيشة.
ومن الضروري أيضًا أن تستثمر الدولة مواردها النفطية في بناء قطاعات اقتصادية قادرة على توليد الدخل وفرص العمل بصورة مستقلة نسبيًا عن تقلبات أسواق الطاقة، بما يخفف من تعرض الاقتصاد الوطني للصدمات الخارجية ويعزز قدرته على الصمود.
إن المطلوب ليس الاستغناء عن النفط بوصفه موردًا اقتصاديًا مهمًا، وإنما تغيير طريقة توظيف عوائده، من الاعتماد عليها بصورة رئيسة في تمويل النفقات الجارية إلى استخدامها بصورة أكثر فاعلية في توسيع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد وتنمية مصادر الدخل غير النفطي.
الخاتمة
تكشف التطورات الأخيرة في سعر صرف الدينار العراقي أن مشكلة الدولار لا تنفصل عن طبيعة الاقتصاد العراقي، بل تمثل انعكاسًا لاعتماده المرتفع على الإيرادات النفطية وضعف تنوع مصادر الدخل والإنتاج. وعلى الرغم من أن تعديل سعر الصرف قد يسهم في تخفيف جانب من الضغوط التمويلية على الموازنة العامة، فإن ذلك لا يلغي التكاليف الاقتصادية والاجتماعية المحتملة التي قد تنعكس على الأسعار والقوة الشرائية.
إن نجاح السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يُقاس بعدد الدنانير الإضافية التي تحصل عليها الدولة مقابل إيراداتها النفطية فحسب، بل بقدرتها على تحقيق الاستقرار النقدي، وحماية الدخول الحقيقية، وتحفيز الاستثمار والإنتاج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
ومن ثم، فإن المطلوب لا يتمثل في معالجة تقلبات سعر الصرف بصورة منفصلة، وإنما في تبني رؤية تنموية متكاملة تعالج الاختلالات الهيكلية، وتعمل على تنويع الاقتصاد، وترشيد الإنفاق العام، وتعزيز كفاءة المؤسسات المالية والإنتاجية.
كما أن حماية القوة الشرائية للمواطن لا تتحقق بإجراءات ضبط الأسعار وحدها، بل تتطلب تعزيز الإنتاج المحلي وتوفير السلع والخدمات بكفاءة، إلى جانب سياسات مالية ونقدية متوازنة تحد من انتقال الصدمات الاقتصادية إلى مستويات المعيشة.
فالتحدي الحقيقي أمام العراق لا يكمن في تحديد عدد الدنانير التي يقابلها الدولار، وإنما في قدرته على بناء اقتصاد يولد الثروة وفرص العمل خارج القطاع النفطي، ويحوّل الموارد الطبيعية إلى قاعدة إنتاجية مستدامة.
فالدولار يكشف ما يخفيه النفط، لكن معالجة هشاشة الاقتصاد العراقي لا تبدأ من تغيير سعر العملة وحده، وإنما من بناء اقتصاد متنوع يمتلك القدرة على الصمود أمام الأزمات.



اضف تعليق