تضع المدرسةُ المعلّمَ أمام امتحان يومي، حتى بعد سنوات طويلة من تخرّجه. يعرف الإجابة، ثم يصطدم بصعوبة إيصالها؛ يُكمل شرح الدرس، وتكشف دفاتر التلاميذ أن الفهم توزّع بينهم بدرجات مختلفة. وبين المعرفة التي يحملها وما يصل إلى الأطفال، تعمل مهارات تعلّمها، وخبرات راكمها، ومساندة حصل عليها أو ما زال يبحث عنها...
تضع المدرسةُ المعلّمَ أمام امتحان يومي، حتى بعد سنوات طويلة من تخرّجه. يعرف الإجابة، ثم يصطدم بصعوبة إيصالها؛ يُكمل شرح الدرس، وتكشف دفاتر التلاميذ أن الفهم توزّع بينهم بدرجات مختلفة. وبين المعرفة التي يحملها وما يصل إلى الأطفال، تعمل مهارات تعلّمها، وخبرات راكمها، ومساندة حصل عليها أو ما زال يبحث عنها. وتضيء نتائج مسح معارف المعلمين، الذي نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في نيسان 2026، هذه المسافة بين امتلاك المعرفة والقدرة على تحويلها إلى تعلّم.
ويوافق اليوم العالمي للمعلمين الخامس من تشرين الأول «أكتوبر» من كل عام، ويأتي في 2026 تحت شعار «دعم المعلمين: 60 عامًا من حماية هذه المهنة وتحسين أوضاعها ورسم ملامح مستقبلنا». وتستعيد اليونسكو في المناسبة مرور ستة عقود على اعتماد توصية منظمة العمل الدولية واليونسكو بشأن أوضاع المدرسين عام 1966، واضعةً دعم المهنة ومكانتها وظروف ممارستها في صلب احتفال هذا العام.
يمنح الشعار معنى مباشرًا لما يحدث خلف باب الصف: المعلم الذي يُنتظر منه تحسين تعلّم الأطفال يحتاج هو الآخر إلى معرفة تتجدّد، وتدريب يتصل بعمله، وخبرة يرجع إليها عند التعثّر. وفي العراق، تتجاور برامج أعلنت وزارة التربية وشركاؤها أنها درّبت آلاف المعلمين مع خطط تستهدف أعدادًا أوسع، بينما يرصد البنك الدولي تفاوتًا في فرص التطوير المهني وجودته. وبين اتساع البرامج والحاجة إلى تحسين التعليم، تصبح الحصة الدراسية المكان الذي تتضح فيه قيمة المساندة.
وتساعد الأدلة التي يعرضها البنك الدولي عن التطوير المهني على فهم ما يصل إلى الأسرة من أثر هذا العمل: طفل يقرأ بثقة أكبر، أو يفهم مسألة كانت تربكه، أو يجد معلمًا يمتلك طريقة أخرى للشرح. وتشترك في صنع النتيجة عوامل عديدة، من إعداد المعلم إلى الوقت والمواد وبيئة المدرسة. لذلك يتجاوز دعم المهنة مناسبة الاحتفاء بأصحابها، إلى العلاقة اليومية بين ما يُطلب منهم وما يتاح لهم كي يؤدّوه.
طفل في البصرة يكشف حجم المهمة
تقدّم تجربة نشرتها اليونيسف من البصرة صورة قريبة لهذه العلاقة. ففي نيسان 2024، روت المنظمة قصة علي، طفل في الخامسة التحق بأحد صفوف الطفولة المبكرة. كان التعليم في التجربة يجمع تجهيز المكان والأثاث والمستلزمات مع تدريب المعلمين. ووصفت معلمته نهلة البرنامج، في إفادتها للمنظمة، بأنه أتاح للأطفال التعلّم والاكتشاف واللعب في بيئة داعمة. خلف تقدّم الطفل في الحروف والأرقام، ظهرت مجموعة عناصر تعمل معًا داخل الصف.
يحمل المشهد الذي وثّقته اليونيسف دلالة تتجاوز عمر الطفل. فالكتاب يحدّد محتوى، بينما يختار المعلم طريق تقديمه، ويتابع استجابة التلاميذ، ويغيّر إيقاع العمل عندما تتفاوت قدراتهم. وفي السنوات الأولى خصوصًا، تتصل هذه المهمة بمهارات اللغة والانتباه والتفاعل والثقة بالنفس. ويظهر فيها الفارق بين معرفة النشاط والقدرة على إدارته مع أطفال تختلف خبراتهم واستعداداتهم، وبين توافر الأدوات وإتقان استخدامها في الوقت المناسب.
وتُظهر الأرقام التي نشرها البنك الدولي أن تدريب المعلم يأتي ضمن عمل أوسع على البيئة التعليمية العراقية. ففي عرض مؤرخ في 29 تشرين الأول 2024، وثّق البنك إعادة بناء 26 مدرسة بين عامي 2020 و2023، وفّرت أماكن تعلّم جديدة ومحسّنة لأكثر من عشرة آلاف طالب. ورافق المشروع إعداد 95 مدرّبًا رئيسيًا، وتدريب أكثر من خمسة آلاف معلم ومرشد على مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساسية والدعم النفسي والاجتماعي، في نموذج طُبّق في ثماني محافظات حتى 2023.
يجمع المسار الذي عرضه البنك الدولي بين ما يحيط بالمعلم وما يمتلكه من أدوات مهنية. فالصف المناسب يمنح النشاط فرصة، والمعلم المؤهّل يحوّل تلك الفرصة إلى تعلّم. أما نقص المكان أو ضيق الوقت أو محدودية المواد، فتدخل جميعها في تفسير ما ينجزه المعلم. ويصبح تقييم عمله أكثر دقة عندما تُرى الظروف التي يعمل فيها، وتُفهم الحدود التي تفرضها، والخيارات التي تتركها أمامه خلال الحصة.
وفي العرض نفسه، أشار البنك الدولي إلى تفاوت فرص التطوير المهني في العراق، وإلى حصول كثير من المعلمين على تدريب محدود قبل الخدمة وأثناءها، مع اختلاف في الجودة والتغطية. تكشف هذه الملاحظة عن مشكلة تتعلق بتوزيع المساندة واستمرارها. فالمعلمون الذين يؤدون مهام متقاربة قد يدخلون الصفوف بدرجات مختلفة من التأهيل، وبفرص متفاوتة للحصول على مساعدة عندما تواجههم صعوبة جديدة.
وتتّخذ الحاجة أبعادًا إضافية في المناطق المتأثرة بالنزاع. ففي شباط 2026، أعلنت اليونسكو واليابان مشروعًا للتعليم والمصالحة في غرب الموصل وسنجار، يستهدف عشر مدارس ابتدائية وثانوية وأكثر من ثلاثة آلاف طفل وشاب، مع اهتمام بالعائدين والنازحين. ويتضمّن المشروع تدريبًا تشاركيًا وبناء قدرات ومشاركة مجتمعية، في محاولة لربط التعلّم ببيئة أكثر دعمًا وتماسكًا.
وتصف هذه الأعداد الأهداف المعلنة عند إطلاق المشروع.
وتتيح قراءة المشروع إلى جانب توصيات الفريق الأممي بشأن مهنة التعليم، المنشورة عبر منظمة العمل الدولية، فهم اتساع مهمة المعلم في هذه البيئات. فهو يتعامل مع أثر التجارب التي يحملها الأطفال إلى المدرسة، مع حاجته إلى معرفة الحدود الفاصلة بين دوره التربوي وعمل المختصين. فمساندة تلميذ متردد في المشاركة تختلف عن تشخيص حالته، وإدارة موقف صعب داخل الصف تختلف عن تقديم علاج. ويكتسب التدريب قيمته عندما يوضّح هذه الحدود ويوفّر شبكة يرجع إليها المعلم.
وتصل هذه العلاقة إلى معنى أساسي في شعار اليونسكو للمناسبة: حماية المهنة تشمل حماية قدرتها على أداء العمل. فكل مهمة إضافية تضعها المدرسة على عاتق المعلم تستدعي معرفة وأدوات ووقتًا، وأحيانًا تعاونًا مع جهات أخرى. ومن دون هذا الترابط، تتسع التوقّعات أسرع من اتساع الإمكانات، ويصبح الحكم على النتائج بعيدًا عن الشروط التي صنعتها.
معرفة المادة وبراعة تعليمها
تكتسب عبارة «مَن يعلّم المعلّم؟» معناها من طبيعة المعرفة التي تقوم عليها المهنة، وهو جانب تناوله مسح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فامتلاك المعلومة يختلف عن معرفة كيف يتعلّمها طفل، وكيف يتدرّج فيها، وما الذي يكشف فهمه لها. وتصبح الإجابة الخاطئة نافذة على طريقة تفكير التلميذ؛ فقد تشير إلى التباس في التعليمات، أو فجوة في معرفة سابقة، أو تطبيق غير مكتمل لخطوة. ولكل احتمال استجابة تربوية مختلفة.
وقدمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 22 نيسان 2026 نتائج مسح معارف المعلمين، الذي قاس المعرفة التربوية العامة في ثماني دول، بينها المغرب والسعودية. وتميّز المسح بقياس جانب من المعرفة المهنية مباشرة، مكمّلًا البيانات التي يقدّمها المعلمون عن أنفسهم. وأظهر ارتباطات بين هذه المعرفة وممارسات مثل مراعاة معرفة الطلبة السابقة وتعديل الشرح، مع اختلاف النتائج بين البلدان المشاركة.
وأشارت المنظمة أيضًا إلى علاقات بين المعرفة التربوية واستخدام وقت الحصة وبعض جوانب الضغط المهني. ويظلّ تفسيرها محكومًا بطبيعة الدراسة؛ فالارتباط بين المؤشرات لا يثبت وحده أن أحدها سبّب الآخر، كما أن العراق خارج الدول الثماني المشاركة. ومع ذلك، يبرز المسح جانبًا مهمًا من قيمة المهنة: وراء التدريس معرفة متخصصة قابلة للتطوير، تتصل بالقرارات الصغيرة التي يتخذها المعلم أثناء العمل.
وتساعد مبادئ التطوير المهني التي يعرضها البنك الدولي في برنامج «كوتش» على ربط هذه المعرفة بلحظات الحصة. فالمعلم يقدّر، خلال دقائق، ما إذا كان سيواصل الشرح أو يعود إلى مفهوم سابق، ويختار المثال الذي يقرّب الفكرة، ويقرأ ملامح التردد في إجابات التلاميذ. وحين تتسع أدواته، تتسع البدائل المتاحة له. أما التدريب البعيد عن هذه المواقف، فيترك مسافة بين ما يتلقّاه في القاعة التدريبية وما يواجهه عند العودة إلى المدرسة.
وتكشف نتائج «تاليس 2024»، التي نشرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تشرين الأول 2025، جانبًا آخر من المساندة المهنية. فقد شارك في المسح 280 ألفًا من العاملين بالتعليم في 55 نظامًا تعليميًا، وتناول ظروف العمل والتطوير المهني واستخدام التقنية. وأظهرت نتائجه ارتباط وجود مرشد للمعلمين المبتدئين بارتفاع الرضا المهني والرفاه، كما تناولت علاقة ظروف العمل واستقرار التعاقد بالخيارات المهنية.
وتمنح نتائج المنظمة معنى عمليًا للإرشاد في بداية الخدمة: معلم يدخل المهنة حاملًا ما تعلّمه، ويجد إلى جانبه خبرة تساعده على التعامل مع واقع الصف. فالأسابيع الأولى تجمع التخطيط والتنفيذ والتقويم والتواصل في وقت واحد. وتظهر خلالها تفاصيل يصعب استيعابها كاملة قبل الممارسة، من إدارة الانتقال بين الأنشطة إلى توزيع الانتباه بين التلاميذ. وجود زميل مؤهّل للمساندة يمنح تلك التفاصيل مكانًا للنقاش والتعلّم.
وفي توصيات الفريق الرفيع المستوى للأمين العام للأمم المتحدة بشأن مهنة التعليم، المنشورة عبر منظمة العمل الدولية في شباط 2024، يحضر الترابط بين الإعداد الأولي والإرشاد والتطوير المستمر. وتدعو التوصيات إلى تدريب مرتبط بالاحتياجات، ومشاركة المعلمين في تحديد موضوعاته، وإدماجه في العمل والمسار المهني. كما تضع فرص التطوير إلى جانب الأجور وظروف العمل والموارد والراحة ضمن عناصر دعم المهنة.
وتقود قراءة توصيات الفريق الأممي مع أدلة البنك الدولي إلى فهم طلب المساندة بوصفه سلوكًا مهنيًا يساعد المدرسة على اكتشاف احتياجاتها. فالمعلم الذي يحدّد مهارة يريد تطويرها يفتح بابًا لتعاون ينعكس على التلاميذ. وتساعد البيئة التي تستقبل هذا الطلب بجدية على إظهار الصعوبات مبكرًا، بينما يجعل الخلط بين طلب الدعم والحكم على صاحبه العلاقة مع الجهات المساندة أكثر تعقيدًا.
وتمنح توصيات الفريق الأممي هذه العلاقة تفصيلًا إضافيًا، إذ تناقش إتاحة التطوير المهني دون كلفة على المعلم وخلال ساعات العمل وعلى امتداد المسار الوظيفي. وتربطه بمسارات للتقدّم تتجاوز الانتقال إلى الإدارة وحده. وتحمل الفكرة اعترافًا بقيمة التخصص داخل الصف؛ فالمعلم المتمرس يستطيع أن يوسّع أثره عبر إرشاد زملائه ومشاركة خبرته، مع بقائه قريبًا من التدريس. ويصبح نموّه المهني جزءًا من تنظيم المؤسسة ومواردها، وتكتسب المهارة التي يطوّرها موقعًا في مستقبله الوظيفي. وتبقى هذه اتجاهات موصى بها دوليًا، يتوقف تنفيذها على سياسات كل نظام تعليمي.
مئة ألف معلّم بين الهدف المعلن والحصة
تظهر سعة الطموح العراقي في برنامج «إيتعليم»، الذي أطلقته وزارة التربية والاتحاد الأوروبي واليونسكو واليونيسف في 22 أيار 2024. فقد أعلن الشركاء استهداف الوصول إلى أكثر من مئة ألف معلم وثلاثين ألف مدرسة، ضمن عمل يجمع تطوير القدرات وتحسين الإدارة المدرسية والمشاركة المجتمعية. وقال ممثل اليونسكو في العراق آنذاك، باولو فونتاني، في بيان الإطلاق، إن تحسين التعليم يرتبط بالتخطيط المبني على الأدلة والتطوير المهني المستمر ودعم المعلمين.
تصف أرقام بيان وزارة التربية وشركائها حجم الهدف الذي وضعه البرنامج، بينما تتحدد حصيلة التنفيذ بما يصل فعليًا إلى المدارس. وبين الاثنين توجد مراحل متعددة: إعداد المادة، وتأهيل المدربين، ووصول التدريب إلى المشاركين، ومساندتهم عند التطبيق. ولكل مرحلة زمنها ومواردها. ولذلك يختلف الوصول إلى معلم في لقاء تعريفي عن إكماله مسارًا تطبيقيًا، كما تختلف الدورة المنفردة عن متابعة تتكرر خلال الفصل الدراسي، وهو تمييز تدعمه مبادئ الاستمرارية والتطبيق في برنامج البنك الدولي «كوتش».
وعلى مستوى التدريب التخصصي، أعلنت وزارة التربية في 11 آب 2026 مناقشة نتائج تدريب 1,200 معلم و60 قائدًا مدربًا في اللغة الإنكليزية، بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني. وتناول البيان الاستعداد لإشراك أعداد جديدة، ومقترح تعاون لتطوير مهارات الإشراف. ويكشف هذا النشاط عن مسار يركّز على مادة دراسية بعينها، بما يتيح ربط الدعم بمهام محددة داخل الصف.
ويفتح المسار الذي أعلنت عنه وزارة التربية بابًا لفهم أهمية التخصص في التدريب. ففي تعليم اللغة، تتوزع المهمة بين الشرح والاستماع والتحدّث والقراءة والكتابة، وتختلف طريقة إدارة النشاط عن طريقة تصحيح الإجابة. ويقترب الدعم التخصصي من القرارات التي يتخذها المعلم في مادته، ومن الأخطاء المتكررة لدى المتعلمين. وتظهر فائدته عندما يعود إلى الحصة بأدوات يستطيع استخدامها، وبفهم للغرض من كل أداة والظروف التي تناسبها.
وبعد أربعة أيام من ذلك البيان، أعلنت وزارة التربية الاستعداد لدورة القادة المدربين للمشرفين التربويين، ضمن برنامج التطوير المستند إلى المدرسة، وحددت موعدها خلال 16–20 آب 2026. وأوضحت أن الهدف إعداد قيادات تنقل الخبرات وتوسّع أثر التدريب داخل المدارس. ويثبت الإعلان وجود هذا المسار في العمل المخطط، فيما تتصل معرفة تنفيذه وأثره بما يصدر لاحقًا من نتائج.
وتجعل آلية نقل الخبرة التي تناولها إعلان الوزارة المشرف حلقة وصل بين المعرفة المهنية والمدرسة. فالمادة التي يتلقّاها تمر عبره إلى معلمين آخرين، ويصبح فهمه لها وقدرته على تدريبهم جزءًا من جودتها. وتساعد أدلة البنك الدولي على تفسير الفارق بين التدريب على أداء مهارة والتأهيل لتعليمها للآخرين؛ فالأخير يتطلب شرحًا وملاحظة وتغذية راجعة واستجابة لاختلاف الخبرات. وكلما اتسعت سلسلة النقل، ازدادت أهمية المحافظة على وضوح المهارة والغرض منها.
ويتصل ذلك بتطوير المناهج أيضًا. ففي 26 كانون الثاني 2026، أعلنت اليونسكو تفاصيل ورشة عقدتها خلال الأيام 18–20 من الشهر، بالتعاون مع المكتب الدولي للتربية وبتمويل أوروبي عبر «إيتعليم». وشارك فيها 12 مسؤولًا فنيًا من وزارتي التربية في الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وتركزت على أدوات ضمان جودة المناهج والتخطيط لتدريب مطوّريها والمشرفين ومدربي المعلمين وصنّاع السياسات.
ويكشف نطاق المشاركين في ورشة اليونسكو عن مستويات تتقاسم المسؤولية عن انتقال المنهج إلى الصف. فالقرار الفني يحدّد ما يراد تعليمه، ويمنحه المعلم شكله اليومي أمام التلاميذ. وعندما تتغيّر المهارات المطلوبة أو طرائق التقويم، تصبح معرفة المعلم بمنطق التغيير جزءًا من التنفيذ. وتكشف الممارسة لاحقًا ما احتاج إلى توضيح أو تعديل، لتعود خبرة الصف إلى الجهات التي صاغت المحتوى.
وتبيّن إعلانات وزارة التربية واليونسكو اتّساع العمل العراقي في إعداد المعلمين والإشراف والمناهج، لكنها تترك مسألة الأثر مرتبطة بأدلة من داخل المدرسة. فعدد المشاركين يوضح انتشار النشاط، أما تحوّل الممارسة فيظهر في طريقة الشرح والتقويم والتفاعل مع التلاميذ.
وهذه هي المسافة التي تجعل متابعة التدريب قضية تعليمية تمسّ كل أسرة، وتتجاوز حدود الخبر الذي يعلن افتتاح دورة أو اختتامها.
شهادة حضور وأثر في الدفتر
تمنح مقاربة البنك الدولي للتطوير المهني أساسًا للتمييز بين إكمال النشاط واستخدام المهارة. فشهادة المشاركة تثبت أن صاحبها أكمل تدريبًا وفق شروط الجهة المنظّمة، بينما يظهر ما عاد به عندما يستخدمه في موقف حقيقي. وقد يفهم المعلم طريقة جديدة ويحتاج إلى تجريبها أكثر من مرة كي تستقر في عمله، أو يصطدم عند تطبيقها بوقت محدود أو مواد غير متاحة. لذلك تتحدد جودة التطوير المهني في العلاقة بين محتوى التدريب واستمرار المساندة بعده.
ويعرض تقرير البنك الدولي عن أمثلة برنامج «كوتش»، الصادر في آذار 2024، أربعة مبادئ لهذا التطوير: أن يتناسب مع الحاجة، ويكون عمليًا، ومستمرًا، ومركّزًا. ويستعرض نماذج للإرشاد والتعلّم بين الزملاء والملاحظة الصفية والعمل داخل المدرسة، مع أدوات لتصميم البرامج ومتابعتها. وتختلف الصيغ بحسب السياق، بينما يبقى اتصال الدعم بالممارسة محورًا يجمعها.
وتتيح الملاحظة الصفية، ضمن أشكال المساندة التي يعرضها البنك الدولي، تقريب المسافة بين المعرفة والتطبيق عندما تنصبّ على جانب واضح من العمل. فقد يتعلّق الأمر بطريقة التحقق من فهم التلاميذ، أو توزيع فرص المشاركة، أو استخدام الإجابات الخاطئة في الشرح. وعندها تصبح المراجعة أكثر تحديدًا؛ إذ تتناول موقفًا شاهده الطرفان، وتربط الملاحظة بما فعله المعلم وما ظهر في استجابة الطلبة، فتمنح النقاش مادة عملية تتجاوز الانطباع العام عن الحصة.
كما يربط تقرير التدخلات التعليمية المجدية «سمارت بايز»، الذي أعلن عنه البنك الدولي في أيار 2023، بين دعم المعلمين وتحسين التعلّم بكلفة معقولة. وقد وضع الفريق الاستشاري العالمي للأدلة التعليمية التدريس المنظّم وتوجيه التعليم وفق مستوى تعلّم الطفل ضمن التدخلات ذات الجدوى العالية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل. ويقوم هذا الاتجاه على مواءمة ما يُقدّم للتلميذ مع قدرته الفعلية، وتوفير أدوات ومساندة تساعد المعلم على تنفيذ ذلك.
وتبرز أهمية المستوى الفعلي في ضوء تقرير «سمارت بايز» عندما يجلس تلاميذ الصف الواحد أمام الدرس نفسه، بينما تختلف المهارات التي أتقنوها قبله. فمتابعة المنهج تفترض تدرّجًا، لكن تعثّر بعض الأطفال في خطوة سابقة يؤثر في قدرتهم على مواصلة الخطوات اللاحقة. ومعرفة هذه الفروق تمنح المعلم أساسًا لتكييف العمل، وتجعل التقويم جزءًا من التدريس اليومي، بدل أن يبقى موعدًا منفصلًا تظهر فيه الصعوبة بعد تراكمها.
وتقدّم مدينة سوبرال البرازيلية تجربة في جمع هذه العناصر. ففي عرض نشره البنك الدولي في 28 آذار 2024، ارتبط تحسين تعليم القراءة بخطط دروس منظّمة، وتطوير مهني شهري، وملاحظات من زيارات صفية منتظمة، واستخدام بيانات التعلّم لتوجيه الدعم. وكان الهدف إتقان القراءة والفهم بحلول نهاية الصف الثاني، ضمن حزمة أوسع شملت الإدارة والمواد والحوافز.
وتكشف التجربة التي عرضها البنك الدولي عن أهمية الاتساق بين الهدف وما يصل إلى المعلم. فهو يعرف المهارة المراد تحقيقها، ويحصل على مواد تساعده في تعليمها، ويتلقى متابعة تكشف مواضع التقدّم والتعثّر. وتأتي النتيجة من عمل عناصر متداخلة، لذلك يتطلب فهمها النظر إلى الحزمة كاملة. فالتدريب يحتفظ بقيمته ضمن البيئة التي تسانده، وتختلف فرص تطبيقه عندما تتغير تلك البيئة أو تغيب بعض مكوّناتها.
ومن قراءة أدلة البنك الدولي ومسح معارف المعلمين لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تظهر حدود اختزال الجودة في رضا المشاركين عن الدورة. فالرضا يصف تجربتهم، واختبار المعرفة يصف جانبًا مما اكتسبوه، وملاحظة الممارسة تكشف ما استخدموه. ولكل دليل حدوده. وتزداد الصورة وضوحًا عندما ترتبط هذه المعلومات بأعمال التلاميذ وبمتابعة تمتد بعد انتهاء النشاط، مع مراعاة العوامل الأخرى المؤثرة في التعلّم.
ويمتدّ هذا المعنى إلى الإنفاق في ضوء اهتمام تقرير «سمارت بايز» بجدوى التدخلات. فعدد الدورات وحده لا يصف ما اشترته المدرسة من معرفة قابلة للاستخدام. تتوزّع الكلفة بين إعداد المحتوى وتنفيذه والمتابعة ووقت العاملين، وتظهر قيمتها في المهمة التي تحسّنت وفي إمكان استمرارها. وعندما تنفصل هذه العناصر عن بعضها، يصعب تفسير العلاقة بين الموارد المخصّصة والنتيجة التعليمية التي ينتظرها الناس
فرصة التدريب جزء من عدالة التعليم
تتخذ العدالة التعليمية شكلًا آخر عندما تُقرأ من جهة المعلم، انطلاقًا من التفاوت الذي رصده البنك الدولي في فرص التطوير المهني بالعراق. فالطفل الذي يصل إلى مدرسة تتوافر فيها خبرة ومساندة منتظمة يلتقي بفرص مختلفة عن طفل في مدرسة تواجه صعوباتها بموارد محدودة. وتدخل فرص التدريب ضمن هذه الموارد، إلى جانب سهولة وصول المعلم إلى شخص أو مادة تساعده على التعامل مع التنوع والتعثّر والتغيّر.
وتوفّر هيئة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية ووزارة التربية أساسًا لفهم هذا التوزيع، عبر تقرير إحصاء التعليم الثانوي للعام الدراسي 2022–2023، الصادر في 2024. ويتضمن التقرير جداول للمدارس والطلبة والهيئات التدريسية، وتوزيعات بحسب المحافظات والجنس والحضر والريف وخصائص المدرسة. وتحمل الأرقام حدود الفترة والتغطية التي أُنتجت فيها، لكنها تتيح قراءة أكثر تفصيلًا من الاكتفاء بالمجموع العام على مستوى البلد.
وتكتسب تفاصيل التقرير الإحصائي العراقي أهميتها عند مقارنتها بانتشار التدريب. فالوصول إلى آلاف المشاركين يختلف معناه باختلاف حجم الفئة التي ينتمون إليها، وتخصصاتهم، وتوزيعهم الجغرافي، والخبرة التي يحملونها. كما أن مشاركة الشخص نفسه في برامج عدة تضيف عمقًا إلى دعمه، دون أن تعني بالضرورة اتساع الوصول إلى أشخاص جدد. ولهذا يتصل الإنصاف بمعرفة مَن وصلته المساندة، ومَن بقي خارجها، ونوع ما حصل عليه كل طرف.
وعالميًا، يقدّم تقرير «الأساسيات أولًا»، الصادر عن اليونيسف ومؤسسة هيمبل في تشرين الأول 2025، بيانات عن إجراءات دعم التعلّم الأساسي في 124 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل. ويركّز على المعلمين، ويرصد زيادة تبنّي بعض استراتيجيات الدعم، إلى جانب بطء التقدّم في جوانب تتعلق بالكتب واستخدام بيانات التقويم. وتتناول هذه النتائج الإجراءات والسياسات التي أبلغت عنها البلدان، وهو مستوى يختلف عن القياس المباشر لتحصيل كل طفل.
وتعيد الصورة التي تعرضها اليونيسف ومؤسسة هيمبل ربط التدريب بما يحيط به. فالمعلم الذي يتعلم استخدام نتائج التقويم يحتاج إلى وقت لقراءتها وإلى مواد تساعده على معالجة ما تكشفه. والذي يتدرب على نشاط جديد يتأثر بعدد النسخ المتاحة وطريقة تنظيم العمل. وتتراكم الفروق الصغيرة في الإمكانات لتصنع تفاوتًا في التطبيق، حتى عندما يكون المحتوى التدريبي واحدًا. لذلك يبقى تفسير النتائج مرتبطًا بما وصل إلى المدرسة كاملة.
وفي مسودة البرنامج القطري لليونيسف للعراق للفترة من آذار 2025 إلى كانون الأول 2029، المؤرخة في 11 تشرين الثاني 2024، تحضر المهارات الأساسية وجودة التعلّم ضمن الأولويات. وتتضمّن الوثيقة دعم توليد البيانات وتحليلها، ونظامًا وطنيًا لتقييم التعلّم للصفوف الرابع إلى الثامن، والإدارة المدرسية والتعليم الشامل. وهي اتجاهات تخطيطية وردت في النسخة المقدّمة للمناقشة، وتحدد مجالات للعمل خلال الفترة المقترحة.
ويعني التركيز على المهارات الأساسية، كما يظهر في وثائق اليونيسف وأدلة البنك الدولي، أن العلاقة بين التدريب والنتائج تبدأ من قدرات لها أثر ممتدّ. فالقراءة والفهم والحساب ترافق التلميذ في مواد لاحقة، وتمنحه القدرة على التعامل مع تعليمات ومعلومات أكثر تعقيدًا. وعندما يتحسن تعامل المعلم مع التعثّر في هذه المهارات، تتسع فرصة الطفل في مواصلة التعلّم، ضمن منظومة تتأثر بالحضور والوقت والموارد والبيئة الأسرية أيضًا.
وتسمح قراءة هذه العوامل إلى جانب توصيات منظمة العمل الدولية بوضع حدود عادلة للمساءلة. فنتيجة التلميذ تحمل أثرًا لعمل المعلم، لكنها تحمل كذلك تاريخًا من فرص التعلّم والغياب والظروف المحيطة. والقراءة الدقيقة تجمع مسؤولية التدريس مع مسؤولية توفير شروطه. وفي هذا التوازن يتضح معنى تحسين أوضاع المهنة: توقّعات مهنية واضحة، ومساندة تتناسب مع الحاجة، وتقييم يراعي الظروف التي تحقق فيها الأداء.
المدرسة التي يتعلّم فيها الكبار أيضًا
تبدأ بعض أشكال التطوير المهني من زميل في الغرفة نفسها، وهو مسار يعرضه البنك الدولي ضمن نماذج التعلّم بين الأقران. فالمعلمون يتعاملون مع المنهج والطلبة والوقت، لكن خبراتهم تتوزع بينهم بطرق مختلفة. أحدهم يمتلك أسلوبًا ناجحًا في تنظيم النقاش، وآخر في تبسيط مفهوم، وثالث في متابعة الواجبات. وعندما تجد هذه الخبرات وقتًا للمناقشة والتجريب، تصبح الخبرة الفردية موردًا يصل إلى الآخرين.
ويعرض تقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم 2024–2025، المخصص للقيادة في التعليم، دور الإدارة في تحسين التعلّم وإعداد القيادات والتعاون داخل المؤسسات. وتتصل هذه الزاوية مباشرة بموقع المدير من التطوير المهني؛ فهو يؤثر في تنظيم الوقت، وتوزيع المسؤوليات، وإتاحة الموارد، ومساحة العمل المشترك. ومن خلال هذه القرارات يتحدد جانب من قدرة المعلمين على الاستفادة مما تعلّموه ومناقشة ما يواجهونه.
واستند تقرير اليونسكو إلى ملفات تتناول سياسات اختيار القيادات المدرسية وإعدادها وتطويرها عبر 211 ملفًا للسياسات الوطنية. ويعكس هذا الاتساع أهمية النظر إلى المدير بوصفه صاحب دور تعليمي وتنظيمي معًا. فالخبرة في التدريس تمنحه معرفة بالصف، بينما تضيف الإدارة مهام تتعلق بالعمل الجماعي واتخاذ القرار وتوزيع الموارد. وتؤثر طريقة إعداده لهذه المسؤوليات في نوع المساندة التي يجدها المعلم داخل المدرسة، وفي إبقاء تعلّم الطلبة حاضرًا في قرارات تبدو إدارية في ظاهرها.
وتساعد قراءة تقرير اليونسكو على فهم وزن التفاصيل التنظيمية. فالمبادرة التعليمية تحتاج إلى موعد ومسؤولية ووسيلة للمتابعة، ومناقشة صعوبة في التدريس تحتاج إلى مساحة تختلف عن الاجتماع المخصص للإجراءات اليومية. وعندما تكون الأولوية واضحة، يستطيع المعلم ربط ما يفعله بهدف تشترك فيه المدرسة. أما تزاحم المهام فيضع التعلم المهني في منافسة دائمة مع أعمال أخرى، مهما كانت الرغبة في التطوير كبيرة.
وفي المنطقة العربية، قدّمت اليونسكو في 3 تموز 2026 تجربة مشروع «تمام» في الجامعة الأميركية في بيروت، وهو مبادرة بحث وتطوير تستند إلى المدرسة وتمنح التربويين دورًا في قيادة التحسين. وتذكر المادة أن شبكته تضم 79 مدرسة في تسع دول عربية، وأنه أسهم في 130 مشروع تحسين محليًا خلال 18 عامًا، مستفيدًا منه أكثر من 1,500 ممارس تربوي.
وتمنح فكرة «تمام»، كما عرضتها اليونسكو، مكانًا للمعلم في تحديد المشكلة التي يعمل عليها. فالتطوير يبدأ من حاجة في المدرسة، ثم يتحول إلى تجربة تراقب نتائجها المجموعة وتراجعها. ويحمل المعلم معرفة بالظروف والتفاصيل التي قد تغيب عن التصميم العام للبرامج. وعندما تدخل هذه المعرفة في إعداد التدخل، يصبح ارتباطه بالصف أقوى، وتتحول خبرة الممارسة إلى عنصر يشارك في رسم اتجاه التحسين.
كما جمعت اليونيسف، في تبادل خبرات نُظّم في 20 آب 2025 ضمن شراكة «بروسبيكتس»، نماذج من الأردن وأوغندا ولبنان. وتناولت تطويرًا مهنيًا يستند إلى أطر وطنية، وتعليمًا علاجيًا وفق مستوى التعلّم، وممارسات رقمية تراعي الشمول والسلامة. وتركّز النقاش على إعداد المعلمين في سياقات النزوح والأزمات، حيث تتقاطع احتياجات التعلم مع ظروف اجتماعية ومؤسسية أكثر تعقيدًا.
وتكشف التجارب التي جمعتها اليونيسف عن تنوّع أشكال الدعم، وعن أهمية البيئة التي تعمل فيها. فالتشابه في التحدّي يمنح مجالًا لتبادل الخبرة، بينما تختلف الإمكانات والزمن المدرسي والمناهج وطرق الإشراف. وتبقى قيمة التجربة في فهم المشكلة التي عالجتها، والمساندة التي قدّمتها، والظروف التي ساعدت على تطبيقها. بهذه الصورة، تنتقل الخبرة بوصفها معرفة قابلة للتكييف، ويحتفظ المعلم بدوره في تقدير ملاءمتها لطلابه.
ويحضر في التعلّم بين الزملاء، الذي يتناوله البنك الدولي، معنى مهني يتجاوز سنوات الخدمة: صاحب الخبرة يظل قادرًا على التعلّم من زميله، والمعلم الجديد يحمل أحيانًا معرفة مختلفة تضيف إلى المجموعة. وتوزيع الأدوار بينهما يفتح مجالًا لتبادل تُختبر فيه الخبرة بالمهمة التي تؤديها، وتزداد قيمتها عندما تصبح مفهومة وقابلة للنقل والمراجعة، وتصل فائدتها إلى عدد أكبر من الصفوف.
وفي تفاصيل التبادل الذي نشرته اليونيسف، عرض الأردن برنامج «معلم المستقبل» بوصفه مسارًا يرتبط بالأطر الوطنية والممارسة التأملية، بينما قدّمت أوغندا مبادرة تستند إلى التدريس وفق المستوى المناسب لمعالجة فجوات التعلّم. وجاء المثال اللبناني متصلًا بالتعليم الرقمي المراعي للمساواة بين الجنسين. ويُظهر اختلاف الموضوعات أن إعداد المعلم يستجيب لتحديات متباينة، حتى عندما يجتمع المشاركون تحت عنوان واحد. فالخبرة التي تخدم معالجة التعثّر تتقاطع مع خبرة تصميم النشاط وإتاحته، وتظل لكل منهما أدواتها وظروفها.
أدوات رقمية وقرارات بشرية
تدخل الرقمنة إلى عمل المعلم عبر أبواب متعددة، أحدها إدارة المعلومات. ففي مادة نشرتها اليونيسف في 8 شباط 2026، ذكرت تطبيق نظام المعلومات لإدارة التعليم في 16,675 مدرسة عراقية حتى كانون الأول 2025، وتدريب أكثر من 14 ألفًا من المعلمين والعاملين بالمدارس بدعم مباشر منها. ونقلت عن المعلمة بيادر أن سهولة الوصول إلى معلومات الطلبة ونتائجهم وفّرت وقتًا وجهدًا في العمل اليومي.
تقدّم الإفادة التي نقلتها اليونيسف مثالًا على فائدة تتعلق بتنظيم المهمة الإدارية. فالوصول إلى البيانات يسهّل الرجوع إلى السجلات والمتابعة، بينما يرتبط تحويلها إلى قرار تعليمي بمهارات أخرى. كما يختلف إتقان نظام إداري عن تصميم نشاط رقمي أو استخدام أداة في التقويم. وتتعدد الكفاءات تحت عنوان «التدريب الرقمي»، ولذلك تتحدد قيمة كل مسار بالمهمة التي يؤهّل المعلم لأدائها وبما يرافق الاستخدام من مساندة.
ويضع تقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم لعام 2023، المخصص للتكنولوجيا، إعداد المعلمين ضمن شروط الإفادة من الأدوات الرقمية، إلى جانب إتاحتها وتنظيم استخدامها. ويفحص التقرير العلاقة بالجودة والإنصاف والكفاءة، وحدود الأدلة المتعلقة ببعض التطبيقات. وتعيد هذه المقاربة التركيز إلى وظيفة الأداة في التعليم، وإلى ما تتطلبه من موارد ومعرفة وحوكمة كي تستمر فائدتها.
وتساعد مقاربة اليونسكو على تفسير الفرق داخل الحصة بين تشغيل الوسيلة وتوظيفها. فالمادة البصرية قد تجذب الانتباه، لكن ارتباطها بالمفهوم وتسلسلها مع الشرح وطريقة مناقشتها تحدد دورها في الفهم. والاختبار الإلكتروني يجمع إجابات، بينما يتوقف نفعه على قراءة المعلم لما تكشفه وعلى القرار الذي يتخذه بعد ذلك. وهكذا تبقى المعرفة التربوية حاضرة في قلب الاستخدام الرقمي، حتى عندما تتطور واجهات الأدوات وتتسع إمكاناتها.
ويضيف الذكاء الاصطناعي تحديًا جديدًا إلى هذا العمل. فقد أصدرت اليونسكو في آب 2024 إطارًا يضم 15 كفاءة للمعلمين، موزّعة على خمسة أبعاد تشمل المنظور الإنساني، والأخلاقيات، والأسس والتطبيقات، والتوظيف التربوي، والتعلّم المهني. ويقدّم الإطار مستويات متدرجة لاكتساب المعرفة وتعميقها والإبداع باستخدامها، بما يجعل التأهيل أوسع من معرفة تشغيل الخدمة.
وتقود الأبعاد التي حدّدتها اليونسكو إلى مسؤوليات تظهر عند استخدام الأدوات الآلية. فالنشاط الذي تنتجه أداة يظل بحاجة إلى مراجعة صحة معلوماته، وملاءمة لغته، وتسلسل صعوبته، وصلته بما تعلّمه التلاميذ. وقد تبدو الإجابة سليمة في ظاهرها بينما تحمل افتراضًا غير مناسب للمرحلة الدراسية. وتظهر هنا مسؤولية المعلم بوصفه صاحب القرار التربوي، القادر على الاختيار والتعديل والتحقق، مع مراعاة حماية بيانات الأطفال.
ويتصل التأهيل الرقمي أيضًا بالتعليم الدامج. ففي 10 كانون الثاني 2025، نشر معهد اليونسكو لتكنولوجيات المعلومات في التعليم دليلًا لتطوير البيئات الرقمية الداعمة للأشخاص ذوي الإعاقة والاحتياجات التعليمية الخاصة. ويجمع بين البنية التقنية وكفاءات المعلمين والممارسات المتمحورة حول المتعلّم، رابطًا إتاحة الأدوات بطريقة استخدامها لتوسيع الوصول إلى التعليم.
وتتضح أهمية هذا الربط في دليل معهد اليونسكو عندما تكون الصعوبة في الوصول إلى المحتوى نفسه، أو في طريقة عرضه أو الاستجابة له. فالوسيلة المناسبة تتحدد بالحاجة الفعلية وبمعرفة متخصصة، ويتعاون المعلم فيها مع الأسرة والجهات الداعمة. وتبقى التكنولوجيا جزءًا من ترتيب أشمل يشمل الوقت والتنظيم والمتابعة. وقد يمتلك الصف أداة متقدمة، بينما تتوقف الإفادة منها على تدريب محدد أو دعم فني متاح عند الحاجة.
ويضيف تفاوت الإمكانات بين المدارس بُعدًا آخر إلى الشروط التي يناقشها تقرير اليونسكو عن التكنولوجيا. فالاعتماد على اتصال مستمر أو تجهيز خاص يغيّر فرص التطبيق، ويجعل جودة التدريب مرتبطة بواقعية افتراضاته عن البيئة. كما أن تغير التطبيقات وخصائصها يفرض تجديد المواد التي يتعلّم منها المعلم. لذلك تبدو الرقمنة مسارًا متواصلًا من المعرفة والصيانة والدعم، تتحدد استدامته بقدرة المؤسسة على مواكبة الاستخدام بعد انتهاء الدورة الأولى.
وتعرض نتائج «تاليس 2024»، الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، اختلافًا واسعًا في استخدام الذكاء الاصطناعي بين الأنظمة التعليمية. ففي سنغافورة والإمارات، تشير النتائج إلى استخدام نحو ثلاثة أرباع المعلمين لهذه الأدوات، وإلى ارتفاع الإبلاغ عن تلقّي تعلّم مهني في استخدامها. ويضع اقتران المؤشرين التدريب ضمن الصورة، من دون تحويله إلى تفسير منفرد لمعدل الاستخدام. كما أن انتشار الأداة يختلف عن إثبات فائدتها التعليمية؛ فالأول يصف سلوكًا مهنيًا، والثاني يتصل بما يحدث في التعلّم. وتبقى تجربة العراق مرتبطة بإمكاناته وسياساته وحاجات مدارسه.
كرامة المهنة تُرى في شروطها
يأتي الحديث عن دعم المعلمين في عالم يواجه حاجة واسعة إلى توسيع القوى العاملة التعليمية. فقد قدّر التقرير العالمي عن المعلمين، الصادر عن اليونسكو وفريق العمل الدولي الخاص بالمعلمين في شباط 2024، الحاجة إلى 44 مليون معلم إضافي للتعليم الابتدائي والثانوي بحلول 2030 لتحقيق تعميم التعليم في المرحلتين. وربط التقرير التحدّي بجاذبية المهنة وإعداد العاملين فيها والاحتفاظ بهم، وهو سياق عالمي يوضح حجم الرهان على مستقبل التعليم.
وتضع قراءة تقرير اليونسكو إلى جانب توصيات منظمة العمل الدولية التطوير المهني في علاقة مع استمرار المهنة نفسها. فالمعلم الذي يجد طريقًا للنمو ومساندة عند الصعوبة يعمل ضمن أفق مختلف عن زميل يحمل التوقّعات نفسها بموارد أقل. وتتكامل في هذا الأفق قيمة الأجر والاستقرار والوقت والاحترام والقدرة على التأثير في القرار. ويظهر التدريب بوصفه أحد مكونات هذا الدعم، مرتبطًا بالشروط التي تتيح تحويله إلى ممارسة مستمرة.
وفي العراق، تكشف برامج وزارة التربية واليونسكو واليونيسف عن مسارات متعددة، من إعداد المدربين إلى التدريب التخصصي والمناهج والإدارة الرقمية. ويظلّ الرابط الأكثر أهمية بينها هو ما يتغير في تجربة المعلم والتلميذ. فالخبر عن اتساع المشاركة يقدّم جانبًا من الصورة، وتكملها معرفة نوع المساندة ومدة استمرارها ودرجة وصولها إلى المدارس المختلفة.
وعند ظهور نتائج عن التعلّم، تدخل إلى الصورة عوامل الحضور والموارد والزمن وظروف الطلبة.
ويمنح الجمع بين توصيات منظمة العمل الدولية ومبادئ البنك الدولي للتطوير المهني معنى أدق للمساءلة. فالمعلم مسؤول عن ممارسته، والمؤسسة مسؤولة عن إعداد الظروف التي تسمح له بتحسينها، والبرنامج التدريبي مسؤول عن وضوح ما يقدمه وطريقة متابعة فائدته. وتساعد معرفة هذه الأدوار على تحديد موضع التعثّر دون اختزال المنظومة في شخص واحد، كما تجعل الإنجاز أكثر قابلية للفهم، لأنه يُنسب إلى العمل الذي صنعه وإلى الشروط التي ساعدت عليه.
وتتصل كرامة المعلم بحضوره داخل هذا النقاش، وهو ما تجمع عليه دعوة الفريق الأممي إلى مشاركة المعلمين وتجربة «تمام» التي عرضتها اليونسكو. فالمعلم يعرف ما يحدث عندما تتحول التعليمات إلى حصة، وما يواجهه التلاميذ عند استخدام المادة، وما يتطلبه تنفيذ النشاط من وقت. وحين تصل هذه الخبرة إلى التخطيط والتقويم، تصبح مشاركته جزءًا من جودة القرار. ويكتسب احترام المهنة مظهرًا عمليًا في الإصغاء إلى معرفتها، والاعتراف بتخصصها، وتوفير فرص مستمرة لتجديدها.
بعد ستين عامًا على توصية 1966، يحمل شعار اليونسكو لليوم العالمي للمعلمين في الخامس من تشرين الأول 2026 وعدًا يتصل بالمستقبل الذي تصنعه المدرسة. وتبدأ ترجمته من معلّم يجد المساندة المناسبة لمهمته، ومن مؤسسة ترى التدريب عملًا ممتدًا إلى الصف. هناك تتضح قيمة الدعم: شرح أكثر دقة، واستجابة أوسع لاختلاف الأطفال، وتلميذ يحصل على فرصة أخرى للفهم. وعندما يتعلّم المعلم، تتسع الطريق أمام مَن يتعلّمون على يديه.




اضف تعليق