من هو الأعلم، وهل يجب تقليده؟

والموقف من الفتاوى الشاذة؟

يناقش البحث ضوابط الاجتهاد وموقف الفقه من الفتاوى الشاذة، ثم يتناول مسألة تقليد الأعلم ومعايير تشخيصه والخلاف الفقهي في وجوب تقليده. ويعرض نماذج تاريخية وآراء فقهية متعددة، ليؤكد ضرورة بقاء الاستنباط داخل دائرة النصوص، وأن الأعلمية ليست ذات معيار واحد، وأن تقليد الأعلم قد يسقط في حالات الحرج أو...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾[1].

المقدمة: يتناول البحث مجموعة من أهم المسائل التي قد تشغل بال الملايين من الناس عن المرجعية والتقليد وتقليد الأعلم وضوابطه، وعن مدى صحة الفتاوى الشاذة، ليضع ضابطًا عامًا مستوحى من القرآن الكريم، وهو أن يكون الاستنباط ضمن منظومة النصوص الدينية، لا في مقابل النص. ويستعرض البحث أمثلة كثيرة من الآراء الشاذة لدى الفلاسفة وعلماء المذاهب الأربعة، حتى بعض علماء الشيعة، ليبيّن وجه عدم حجية الفتاوى الشاذة، مشيرًا إلى أنها على درجات تتراوح بين المرجوح وبين ما يُخرِج من الدين رأسًا، لينتقل في الفصل الثاني إلى استعراض الخلاف في تقليد الأعلم، وأن شهرة المتأخرين عليه، فتوى أو احتياطًا، تعارضها شهرة القدماء، بل إجماعهم، ليستعرض أكثر من عشرة ضوابط مختلف فيها فيما هو مدار الأعلمية، وليصل إلى أنه حتى على القول بتعيّن تقليده، فإنه يسقط في صور، منها صورة العسر والحرج.

إن الأسئلة الآتية تُعد من أهم الأسئلة عن المرجعية وعن فتاوى الفقهاء، حيث كانت ولا تزال تشغل بال عامة الناس، وخاصة المثقفين ورجال الدين، وهي:

أ- هل للاجتهاد ضوابط؟ وأنه يمكن لكل مجتهد أن يجتهد بما يشاء، كيفما يشاء، وما هي حدود تلك الضوابط؟

ب-د: هل يتعيّن تقليد الأعلم؟ وما هو ضابط الأعلم؟ ومن هو الأعلم؟

ضابط الاجتهاد: أن يكون في دائرة الدين لا خارجها

ولنبدأ بالجواب على السؤال الأول، فنقول: إن الآية الشريفة تحدد الضابط الأساس لكل عملية اجتهادية، والذي يحيط بالمنظومة الاستنباطية كلها، إذ تصرح بـ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، فالمقياس هو أن يكون التفقه داخل دائرة الدين، لا خارج الدائرة. بعبارة أخرى: أن يكون ضمن دلالات النص، لا أن يكون اجتهادًا في مقابل النص.

وعليه: فإذا خرج الاستنباط عن دائرة النصوص الدينية، كان انحرافًا وضلالًا عن الدين، وذلك عقلائي، بل وجداني؛ فإن الاجتهاد في الدين المسيحي، أو اليهودي، أو البوذي مثلًا، إنما يكون داخل دائرة مصادر تشريعهم، كالإنجيل والتوراة، أما إذا كان على خلافها، فإنه ليس اجتهادًا في دائرتها، بل هو اجتهاد في مقابلها أو ضدها طبيعيًا.

ومن هنا يظهر أن الفتاوى الشاذة عن الجادة العظمى والطريق الوسط والصراط المستقيم مرفوضة، والمقصود بـ«الشاذة» ما ذكرناه في كتاب «دروس فقهية في المبادئ القرآنية»: «وأما الشذوذ فهو في اللغة الانفراد، فـ: شَذَّ الرجل من أصحابه، أي: انفرد عنهم. وكل شيء منفرد فهو شاذ»[2]، والمراد به في المقام الخروج عن الطريقة العقلائية أو عن عرف المتشرعة المعهود ومرتكزهم المشهود، عكس الاعتدال الذي هو وسط بين طرفي الإفراط والتفريط.

قال في القوانين: «وأما القوة العاقلة إذا اعتدلت بين طرفي إفراطها، وهو الجُربزة، وتفريطها، وهو البلادة، تسمى حكمة، والقوة الشهوية إذا اعتدلت بين الشَّرَه والخمود تسمى عفة، والقوة الغضبية إذا اعتدلت بين التهور والجبن تسمى شجاعة وحلمًا»[3]،[4].

وبعبارة أدق: الشذوذ له درجات ومراتب، فبعض مراتبه تُعد من مخالفة الضروري من الدين الإسلامي، وقد تُعد خروجًا منه، وبعض مراتبه باطل وحرام، وبعض مراتبه تحيط به دائرة من التساؤل والإبهام، وبعض مراتبه مرجوح بالمعنى الأعم، وإن أمكن أن نجد مرتبة من الشذوذ أو نوعًا منه محمودًا، لكنها نادرة، ولعله سيأتي الكلام عنها.

نماذج من الفتاوى الشاذة

ولنضرب لمختلف أنواع الشذوذ، بدرجاتها، أمثلة: وربما يمثل للشذوذ بالأمثلة التالية:

ما ذكره في «منهاج الكرامة» حول آراء بعض العامة: «وذهبوا بسبب ذلك إلى أمور شنيعة، كإباحة البنت المخلوقة من الزنا[5]، وسقوط الحد عمن نكح أمه وأخته وبنته مع علمه بالتحريم والنسب، بواسطة عقد يعقده وهو يعلم بطلانه، وعمن لفّ على ذكره خرقة وزنا بأمه أو بنته، وعن اللائط مع أنه أفحش من الزنا وأقبح.

وإلحاق نسب المشرقية بالمغربي، فإذا زوّج الرجل ابنته في المشرق برجل هو وإياه في المغرب، ولم يفترقا ليلًا ونهارًا حتى مضت مدة ستة أشهر، فولدت البنت في المشرق، التحق نسب الولد بالرجل، وهو وأبوها في المغرب، مع أنه لا يمكنه الوصول إليها إلا بعد سنين متعددة، بل لو حبسه السلطان من حين العقد وقيّده، وجعل عليه حفظة مدة خمسين سنة، ثم وصل إلى بلد المرأة، فرأى جماعة كثيرة من أولادها وأولاد أولادهم إلى عدة بطون، التحقوا كلهم بالرجل الذي لم يقرب هذه المرأة ولا غيرها البتة.

وإباحة النبيذ مع مشاركته للخمر في الإسكار، والوضوء والصلاة في جلد الكلب، وعلى العذرة اليابسة»[6].

«وأباحوا المغصوب لو غيّر الغاصب الصفة، فقالوا: لو أن سارقًا دخل بدار شخص له فيه دواب ورحى وطعام، فطحن السارق طعام صاحب الدار بدوابه وأرحيته، مَلَكَ الطحين بذلك، فلو جاء المالك ونازعه، كان المالك ظالمًا والسارق مظلومًا، فلو تقاتلا، فإن قُتل المالك كان ظالمًا، وإن قُتل السارق كان شهيدًا!»[7].

قصيدة الزمخشري في شذوذ مذاهب العامة

ومن أمثلة الشذوذ قول المالكية بإباحة أكل الكلاب، وقول الحنفية بإباحة شرب الشراب «خمرة الزبيب»، وقول الشافعية بجواز نكاح الأب لابنته، والعياذ بالله، بطريقة خاصة ذكروها، وقول الحنفية بالحلول والتجسيد، وشبه ذلك مما أشار إليه جار الله الزمخشري، مؤلف تفسير الكشاف، المتوفى 538هـ، في قصيدته المذكورة في مقدمة تفسيره وغيره، وهي:

إذا سألوا عن مذهبي لم أبحْ بهِ --- وأكتمهُ، كتمانهُ ليَ أسلمُ

فإن حنفيًّا قلتُ قالوا بأنني --- أبيحُ الطِّلا وهو الشرابُ المحرَّمُ

وإن مالكيًّا قلتُ قالوا بأنني --- أبيحُ لهم أكلَ الكلابِ وهم همُ

وإن شافعيًّا قلتُ قالوا بأنني --- أبيحُ نكاحَ البنتِ والبنتُ تحرمُ

وإن حنبليًّا قلتُ قالوا بأنني --- ثقيلٌ حلوليٌّ بغيضٌ مجسِّمُ

وإن قلتُ من أهل الحديث وحزبِهِ --- يقولون تيسٌ ليس يدري ويفهمُ

تعجبتُ من هذا الزمان وأهله --- فما أحدٌ من ألسنِ الناسِ يسلمُ

وأخّرني دهري وقدّم معشرًا --- على أنهم لا يعلمون وأعلمُ[8].

قصة قاضي المدينة الذي أراد قطع لسان أحد علماء النجف

ولهذه القصيدة قصة طريفة، رواها لي أحد العلماء المعاصرين، الذي توفي قبل حوالي عشر سنين، قال[9]: كنت قبل حوالي سبعين سنة شابًا، بداية دراستي الحوزوية، فذهبت للحج، وفي المدينة المنورة أمسكت بشباك ضريح الرسول الأعظم وقبّلته، فاعتقلني الشَّرطة بتهمة الشرك! واقتادوني إلى قاضٍ عنيف متجهّم، فبدأ بالسباب والشتيمة، وقال: إنك وأمثالك من الروافض لا تكتفون بالشرك بالتبرك بالأضرحة، بل أنتم مجمع كل بدعة، كزواج المتعة... إلخ! وإنني سأحكم بقتلك بقطع رأسك الآن! وفي ذلك الوقت كان القاضي يفعل ما يشاء، إذ له صلاحيات مطلقة، ولا إعلام يضغط ولا...

يقول: توكلت على الله تعالى، وتوسلت بالأئمة (عليهم السلام)، وقلت له: هل تسمح لي أن أجيب على التهمة الثانية أولًا، ثم أعدمني إن شئت؟ فقال بغضب: قل ما شئت، فإنك معدوم!

فقلت: واقع الأمر أنكم أنتم أهل البدع! فغضب غضبًا شديدًا، وقال: سأزيدك عقوبة بأني سأقطع لسانك الطويل أولًا، ثم أعدمك، أو أتركك تنزف حتى تموت!

قلت له: سأثبت ذلك من كتبكم!

أجاب بغضب أشد: محال ذلك، ولكن قل، ليثبت كذبك، لأزيد عليك العقاب وأذيقك منه ألوانًا.

فقلت: ما هو شأن الزمخشري صاحب الكشاف عندكم؟ فقال: عظيم.

قلت: قوله حجة؟

قال: نعم، ولا شك.

قلت: فإنه صاحب هذه الأبيات: «إذا سألوا عن مذهبي لم أبحْ بهِ...»، وكنت لها حافظًا، بلطف الله.

فقال: هذا كذب وافتراء عليه، وسأزيدك عقوبة على عقوبة!

فقلت: هل الكشاف في مكتبتك؟

قال: نعم.

قلت: فانظر إلى مقدمة المجلد الرابع منه.

فقام غاضبًا واستخرجه، وعندما قرأه تغيرت سحنته، وبقي مذهولًا طويلًا طويلًا، ثم قال لي: لم أسمع كلامًا عجيبًا كهذا طوال عمري، وقد أذهلتني بهذه المعلومة، وسأفكر في الأمر... وعلى أي حال، اذهب مطلق السراح قبل أن يتغير رأيي!

فخرجت مسرعًا، حامدًا الله تعالى على أن الله هداني لهذا الجواب، وأن تحكم في قلبه فغيّر رأيه، ولمست بيدي إحدى مظاهر استجابة الدعاء عند الانقطاع.

ومن نماذج الفتاوى الشاذة:

- وقد نقلت دار الإفتاء عن الدردير إباحة العقرب والخنفساء وبنات وردان والجندب والنمل والدود والسوس.

- دود الطعام يؤكل مع الطعام عند المالكية. نقل ابن الحاجب: «ودود الطعام لا يحرم أكله مع الطعام».

- رضاع الكبير: ورد قول عن عائشة بثبوت التحريم به، لكن عامة فقهاء المذاهب الأربعة لا يأخذون به على إطلاقه، ويعدون قصة سالم خصوصية.

- الخنزير حيًا طاهر عند المالكية.

- الحشرات يمكن أن تكون مأكولة في المذهب المالكي إذا تحققت تذكيتها عند من يشترطها، ولذلك يظهر الفرق بين قاعدة «الخبائث» عند بعض المذاهب وبين معالجة المالكية لها.

بل امتدت الآراء الشاذة جدًا حتى لبعض أشهر الفلاسفة:

أفلاطون: اقترح في «الجمهورية» إلغاء الأسرة، خاصة عند طبقة الحراس، وأن تكون النساء والأطفال في هذه الطبقة مشتركين، مع تنظيم التناسل من جانب الدولة!

ولم يكتفِ بإلغاء الأسرة الخاصة للحراس، بل تصور أن الدولة تختار الأزواج وتحدد مواسم التناسل، بحيث يكون الهدف تحسين نسل طبقة الحراس.

ومن نماذج الآراء الشاذة أن يقول أحدهم، مثلًا، بأن الجندي يجب أن يُضحّى بقائد الجيش، أو رئيس الجمهورية، أو مراجع التقليد لأجله، لا العكس! أي أن الأفضل، بما لا قياس، يجب أن يضحي بنفسه لأجل المفضول، خلافًا لكل الموازين العقلائية لجميع عقلاء العالم!

أو، في مثال آخر، أن يقول: إن النظام الذي أسسته في المدرسة الكذائية، أو في مدينة الحلة مثلًا، يجب أن نفدي جميع مراجع التقليد وأساتذة الجامعات والمفكرين والوزراء لأجله!

إن مثل هذه المقولة لمن أعجب العجائب، التي تذكّرنا بقوله (صلى الله عليه وآله): «كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفًا والمعروف منكرًا».

ومن النماذج: أن أحد مدعي الفقاهة، قبل حوالي أربعة عقود، كتب مقالًا في مجلة[10]، فقال: لا شك في الحاجة إلى الفقه المتطور، ثم ضرب مثلًا أثار استغراب علماء الحوزة واستياءهم، لمخالفته للقواعد الواضحة المسلمة، فقال: لنفرض أن الحكومة الإسلامية أُقيمت في الصين، فهل يمكن أن نقول لأكثر من مليار إنسان: لا تأكلوا الضفادع والحشرات والسلاحف والحيات والديدان وجميع المحرمات الأخرى؟ قال: كلا، إذ من أين يعيش الشعب الصيني حينئذ؟ فدليل نفي العسر والحرج يرفع حرمة أكل كل تلك المحرمات؟

وقد غفل عن أبسط القواعد الفقهية، كما جهل أبسط القواعد العلمية:

أما العلمية، فإن العلم بلغ من التطور بحيث يمكن تربية أعداد مذهلة من الدواجن «الدجاج، البط، الديك الرومي، الأوز» والمواشي «خراف، ماعز، أبقار، جمال»، وأيضًا حتى جياد وحمير وبغال، إذ يجوز أكلها وغيرها، كما يمكنه الاستعاضة عنها بالأكلات النباتية التي تمتلك أهم خصائص اللحم كالبروتينات... إلخ[11].

وأما فقهيًا، فإن العسر والحرج النوعيين إنما هما من ملاكات عالم الجعل، فلا يمكننا أن نحرّم شيئًا أو نحلّله استنادًا إليهما، وأما العسر والحرج الشخصيين، فإنهما يرفعان حرمة الأكل عن خصوص الشخص الذي يقع في عسر وحرج، لا عن عامة الناس، كما أنهما يرفعانها بقدر الضرورة وارتفاع العسر والحرج، لا أن يأكل طبيعيًا حتى يمتلئ... وهكذا.

من الأدلة على ضرورة تجنب الشذوذ

ومن الأدلة: قوله (عليه السلام): «وَالْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ [عَلَى] مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْب»[12].

والشاذ قد يشذ في الفتوى، وقد يشذ في السلوك، والرواية تدل على الحرمة لوجهين: قوله: «الْزَمُوا»، وقوله: «وَإِيَّاكُمْ...»، وليس التحذير لمطلق المرجوحية، بل هو للحرمة بقرينة التعليل، وظاهرها أن «الْجَمَاعَةِ» أمارة الحقيقة والصحة، وأن الشذوذ داخل في دائرة الباطل.

وقوله (عليه السلام): «فَيُؤْخَذُ بِهِ مِنْ حُكْمِنَا وَيُتْرَكُ الشَّاذُّ الَّذِي لَيْسَ بِمَشْهُورٍ عِنْدَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ»[13]، بناءً على شموله للشهرات الثلاث: الروائية والعملية والفتوائية.

لكنه، على المشهور، خاص بالفتوى أو الحكم على طبق الشاذ من المتعارضين. نعم، يتم الاستدلال بقوله (عليه السلام): «فَإِنَّ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ لَا رَيْبَ فِيهِ»؛ لظهوره في التعليل بأمر ارتكازي عقلائي، لا تعبدي[14].

وقوله (عليه السلام): «لَا [يُرَى الْجَاهِلُ] تَرَى الْجَاهِلَ، إِلَّا مُفْرِطًا أَوْ مُفَرِّطًا»[15]، وهي عامة، والإفراط والتفريط لهما عرض عريض يتراوح بين الكراهة والحرمة والمعصية الكبيرة من أقسامها.

و«الْمُتَقَدِّمُ لَهُمْ مَارِقٌ، وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْهُمْ زَاهِقٌ، وَاللَّازِمُ لَهُمْ لَاحِقٌ»[16]، وهي كلاحقتها خاصة بهم (عليهم السلام)، فالشذوذ عنهم خروج عن الصراط المستقيم.

وقوله (عليه السلام): «نَحْنُ آلَ مُحَمَّدٍ النَّمَطُ الْأَوْسَطُ الَّذِي لَا يُدْرِكُنَا الْغَالِي وَلَا يَسْبِقُنَا التَّالِي»[17].

وقوله (عليه السلام)، في إطار عام شامل: «وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ»[18]. وهي عامة.

ونُقل قوله (صلى الله عليه وآله): «إن قومًا يتعمقون في الدين، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية»[19].[20]، وغيرها من الآيات مما ذكرناه في الكتاب.

ضوابط الاجتهاد السليم

وقد ذكر السيد مهدي القزويني، المتوفى 1300هـ، مجموعة ضوابط للاجتهاد السليم، هي:

«الأول: أن لا يكون معوج السليقة والفهم والإدراك، بحيث يفهم ما لا يفيده الدليل، ويزعم بسوء فهمه أنه المدلول، لقوله (عليه السلام): «ولطف حسه وصح تمييزه»، لأن لطف الحس وصحة التمييز لا يعقلان مع اعوجاج السليقة، فإن ذلك آفة للحاسة الباطنية، ومانع من إدراكها للأمور الواقعية.

وهذا كما يعرض للحواس الظاهرية ما يمنعها من إدراك مدركاتها، كالذي يرى الأبيض أسود، والأحمر أصفر، ويسمع الصوت الحسن فيمجّه لزعمه أنه قبيح، وبالعكس.

وهذا قد يكون ذاتيًا، وقد يكون كسبيًا أو باعتبار العوارض، أما من اكتسابه من معلّم معوج السليقة أو سيئ الإدراك، أو قد علّمه أشياء على خلاف الواقع والمراد، وقد يكون من سبق تقليد أو تهمة، فلا يهتدي إلى الحق، ويرى ما هو غير الحق حقًا، والكذب صدقًا.

وطريق معرفته العرض على أفهام الفقهاء واجتهاداتهم، فإن «المؤمن مرآة أخيه». فإن وجد فهمه موافقًا حمد الله على الوفاق، وإن كان مخالفًا اتهم نفسه على الشقاق، كما قال الصديق (عليه السلام): ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾[21]»[22].

«الثالث: أن لا يكون في حال قصوره مستبدًا برأيه، يستطيل على أقرانه، ويدعي التفوق على علماء زمانه، أَخَذَ جهلًا من جهال، ولفّق من رأيه باطلًا من ضلال، ويدعي الوصول بغير محصول، فيعترض على المجتهدين، ويطعن على أرباب الدين، ويحب أن تُشاع الفاحشة في الذين آمنوا، من غير تأمل بأنه قاصر عن الوصول إلى تلك المراتب العلية، وإدراك تلك الأنوار السنية، فهو من علمه على مثل نسج العنكبوت، كلما رام التخلص من مقام وقع في أشد الانتقام.

الرابع: أن لا يكون بحاثًا في قلبه محبة البحث والاعتراض، بحيث صار في قلبه مرضًا من الأمراض. فهو الكلب العقور على كل عالم جسور، أو يكون الميل منه إلى الجدال والتعرض في أندية الرجال للمقال، إما حبًا لإظهار الفضيلة، وإما بيانًا، لأنه عالم عند كل قبيلة. وهذا من شرار العلماء، كما هو صريح كلام الأئمة الأمناء، فإن حب الجدال ربما أخرجه من الحق، وما بعد الحق إلا الضلال»[23].

«الخامس: أن لا تكون له حدة فهم متجاوزة إلى حد الإفراط، بحيث يلحق بالأمزجة السودائية وأصحاب الجربزية[24]، فلا يقف على حد، ولا ينتهي إلى أمد، ولا يحصل له الجزم بشيء، كلما حصل له رأي في حكم عدل منه على آخر، فلم يزل في شك وريب، وهذا أكبر كل عيب، كيف وقد قال (عليه السلام): «الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكة»، و«تركك حديثًا لم تروه خير من روايتك حديثًا لم تحصه»»[25].

«الثامن: أن لا يكون مدة عمره متوغلًا بالعلوم الكلامية والحكمية والرياضية والطبيعية، وغير ذلك من العلوم، مما كان على غير طريقة الفقهاء، بحيث يلتزم بتخريج الأحكام الشرعية على الدقائق الحكمية والأمور الخفية، ويخرجها عن مجاري الأمور اللغوية والعرفية والعادية، فيخرج فقهًا آخر خارجًا عن الشريعة المحمدية والطريقة المثلى الأحمدية.

التاسع: أن لا يكون له أُنس بالتوجيه والتأويل وتكثير الاحتمالات في الآيات والروايات إلى حد تصير عنده المؤولات كالظواهر، والمعاني الخفية أظهر من كل ظاهر. والشريعة ليست مبنية على الباطن والتأويل، إلا ما اقتضاه العقل أو دل عليه الدليل.

العاشر: أن لا يكون كثير الشك والتشكيك بكل حكم أو دليل، بحيث تكون عنده أكثر الضروريات نظريات، لزعمه أن ذلك من قوة النظر، وجودة البصيرة والبصر، فيجهل الحق وتكون مجهولاته أكثر من معلوماته، فلا يصل إلى حقيقة مطلب في ذاته، مع أنه يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾[26]، وربما يصل إلى حد الكفر لإنكار بعض الضروريات.

الحادي عشر: أن لا يكون جريئًا على الفتوى في الغاية، معولًا على كل ظن في البداية، بزعمه أن ذلك من قوة الفقاهة وغاية الوصول، وأن الفقيه من عوّل على فقهه في مراتب الوصول. ولم يعلم أن المفتي على خطر عظيم وإن أصاب، وأن الناطق على غير تثبت على شفير جهنم، ولو جاء بالشيء العجاب. مضافًا إلى قوله (عليه السلام): «إن من أجاب في كل ما يُسأل عنه فهو المجنون»»[27].

«الرابع عشر: أن لا يكون سريع الإنكار لما لا يصل إليه فهمه أو يدركه عقله، فيحكم بكذبه إن كان رواية، وببطلانه إن كان قولًا أو دراية، كيف وقد قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، وقال أمير المؤمنين: «فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ»[28].

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إِذَا سَمِعْتُمْ مِنْ حَدِيثِنَا مَا لَا تَعْرِفُونَ، فَرُدُّوهُ إِلَيْنَا، وَقِفُوا عِنْدَهُ وَسَلِّمُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْحَقُّ»[29].

وعن أحد الصادقين (عليه السلام) قال: «لَا تُكَذِّبُوا بِحَدِيثٍ أَتَاكُمْ بِهِ مُرْجِئِيٌّ وَلَا قَدَرِيٌّ وَلَا خَارِجِيٌّ نَسَبَهُ إِلَيْنَا، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّهُ شَيْءٌ مِنَ الْحَقِّ، فَتُكَذِّبُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَوْقَ عَرْشِهِ»[30].

وفي آخر قال: سألته (عليه السلام) عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك (عليهم السلام)، قد اختلف علينا، فكيف نصنع؟ نعمل به على اختلافه، أو نرده إليك فيما اختلف فيه؟ فكتب: «مَا عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَوْلُنَا فَالْزَمُوهُ، وَمَا لَمْ تَعْلَمُوا فَرُدُّوهُ إِلَيْنَا»[31].

وفي آخر عن الباقر (عليه السلام) قال: «أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ أَحَبَّ أَصْحَابِي إِلَيَّ أَوْرَعُهُمْ وَأَفْقَهُهُمْ وَأَكْتَمُهُمْ بِحَدِيثِنَا، وَإِنَّ أَسْوَأَهُمْ عِنْدِي حَالًا وَأَمْقَتَهُمْ إِلَيَّ الَّذِي إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ يُنْسَبُ إِلَيْنَا وَيُرْوَى عَنَّا، فَلَمْ يَعْقِلْهُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ قَلْبُهُ، اشْمَأَزَّ مِنْهُ وَجَحَدَهُ وَكَفَرَ بِمَنْ دَانَ بِهِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الْحَدِيثَ مِنْ عِنْدِنَا خَرَجَ، وَإِلَيْنَا أُسْنِدَ، فَيَكُونَ بِذَلِكَ خَارِجًا مِنْ وَلَايَتِنَا»[32].

وفي آخر عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ خَصَّ عِبَادَهُ بِآيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِهِ: أَنْ لَا يَقُولُوا حَتَّى يَعْلَمُوا، وَلَا يَرُدُّوا مَا لَمْ يَعْلَمُوا. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، وَقَالَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾»[33].

وفي آخر قال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكَ، فَيُخْبِرُنَا عَنْكَ بِالْعَظِيمِ مِنَ الْأَمْرِ، فَيَضِيقُ بِذَلِكَ صُدُورُنَا حَتَّى نُكَذِّبَهُ.

قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): أَلَيْسَ عَنِّي يُحَدِّثُكُمْ؟

قَالَ: قُلْتُ: بَلَى.

قَالَ: فَيَقُولُ لِلَّيْلِ إِنَّهُ نَهَارٌ، وَلِلنَّهَارِ إِنَّهُ لَيْلٌ؟

قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لَا.

قَالَ: فَقَالَ: رُدَّهُ إِلَيْنَا، فَإِنَّكَ إِنْ كَذَّبْتَ، فَإِنَّمَا تُكَذِّبُنَا»[34].

وفي بعض مكاتبات أبي الحسن (عليه السلام): «وَلَا تَقُلْ لِمَا بَلَغَكَ عَنَّا أَوْ نُسِبَ إِلَيْنَا: هَذَا بَاطِلٌ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْرِفُ خِلَافَهُ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي لِمَ قُلْنَا، وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ وَصِفَةٍ»[35].

وعن أحد الصادقين (عليه السلام) قال: «لَا تُكَذِّبُوا بِحَدِيثٍ أَتَاكُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّهُ مِنَ الْحَقِّ، فَتُكَذِّبُوا اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ»[36].[37]

هل يتعين تقليد الأعلم؟ وما هي ملاكات الأعلمية؟

الفصل الثاني: من هو الأعلم؟ وما هي ضوابط تشخيصه؟ وهل يتعيّن تقليده؟

لا ريب في أن الكثير جدًا من الناس تشغل أذهانهم الأسئلة الماضية، وفي الفترة الماضية وجّه لي شخصيًا المئات من الأشخاص، من رجال دين وجامعيين وغيرهم، الأسئلة السابقة.

أقول: ليس الجواب عن الأسئلة السابقة سهلًا أبدًا، بل الإجابة عنها صعبة جدًا ومعقدة، وقد لا تقل صعوبة عن شرح النظرية النسبية لغير المتخصص في الفيزياء! أو عن إدراك كيفية عمل مركبة كمركبة أبولو!

وتوضيح ذلك ضمن نقاط:

الأقوال والاحتمالات في ضابط الأعلم كثيرة

الأول: أنه لا يوجد ضابط مرجعي واحد يتفق عليه العقلاء والفقهاء في ضابط الأعلمية، بل هنالك خلاف شديد حول ملاك الأعلمية، والاحتمالات المتصورة في المسألة عديدة، ذكرها السيد الوالد (قدس سره) في آخر الأصول، قال: «ثم إن الأقوال والاحتمالات في موضوع الأعلم متعددة:

1- فهل هو الأوسع، أو الأكثر، علمًا، كأن يعرف الربا والمضاربة والمعاملة السابحة، حتى يتمكن من تطبيق القضية على أحدها.

2- أو الأكثر اطلاعًا على الأشباه والنظائر، كأن يعرف أن الخمس شركة أو شبيه بحق الجباية أو حق الرهانة أو غيرها من الأقوال.

3- أو الأكثر تحقيقًا، حيث لا يمكن تعدد الحق في موضوع واحد، وإن أمكن بالنسبة إلى أفراد الكلي وإلى الصحيح والأفضل، كما في: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾[38].

4- أو الأكثر تدقيقًا، فإنه بعد التحقيق لفهم خصوصيات الحق ومزاياه.

5- أو الأكثر ممارسة، كمن درّس الرسائل عشر مرات، في قبال من درّسه أقل.

6- أو الأقوى معرفة، بحيث لا يزول بتشكيك المشكك، فإن الصفات النفسية، ومنها العلم، قد تكون متينة، وقد تكون ركيكة، حالها حال الألوان الخارجية.

7- أو الأجود فهمًا، بمعنى العرفية في فهم الأدلة، حالها حال العرفية في السلوك الاجتماعي.

8- وربما يقال: إن الأعلم من جمع الكل، في قبال من فقد الكل أو بعضها، أو من جمع المتعدد منها.

ولو شككنا في المراد منه، فاللازم الأخذ بالقدر المتيقن.

كما أنه لو حصل أحدهما على بعضها، والآخر على بعض آخر بتساوٍ، لم يكن أحدهما أعلم»[39]، أي بقول مطلق.

هذا كله، إضافة إلى ملاكات أخرى، منها: القول بأن الأعلم هو الأعلم بتطبيق كليات القواعد الفقهية على مصاديقها من المسائل الشرعية، والأعلم بكيفية استخراج الأحكام الشرعية من المسائل الأصولية[40].

ومنها ما يأتي في ذيل كلام صاحب العروة:

قال في العروة: «مسألة 17: المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة، وأكثر اطلاعًا لنظائرها وللأخبار، وأجود فهمًا للأخبار، والحاصل أن يكون أجود استنباطًا»[41].

وعلّق الجواهري (قدس سره): «بل المراد بالأعلم هو الأوصل، ولعل بعض هذه الأمور لها مدخلية في الأوصلية. - الجواهري»[42].

وعلّق السيد السيستاني (دام ظله): «عمدة ما يلاحظ فيه الأعلمية أمور ثلاثة:

الأول: العلم بطرق إثبات صدور الرواية، والدخيل فيه علم الرجال، وعلم الحديث بما له من الشؤون، كمعرفة الكتب، ومعرفة الرواية المدسوسة بالاطلاع على دواعي الوضع...، ومعرفة النسخ المختلفة، وتمييز الأصح عن غيره، والخلط الواقع بين متن الحديث وكلام المصنفين، ونحو ذلك.

الثاني: فهم المراد من النص بتشخيص القوانين العامة للمحاورة، وخصوص طريقة الأئمة عليهم السلام في بيان الأحكام، ولعلم الأصول والعلوم الأدبية، والاطلاع على أقوال من عاصرهم من فقهاء العامة دخالة تامة في ذلك.

الثالث: استقامة النظر في مرحلة تفريع الفروع على الأصول. السيستاني»[43].

وعلّق السيد الشاهرودي (قدس سره): «تصويره بهذا المعنى مشكل، وتمييزه أشكل، فلا يقاس بالصناعات. نعم، على التفاسير الأخرى لا إشكال في تصويره وتمييزه. الشاهرودي»[44].

الأقوال في تعيّن تقليد الأعلم بين التأييد والرفض

الثانية: أن الأقوال في وجوب تقليد الأعلم حصرًا مختلفة بين الفتوى بعدم تعيّنه، والفتوى بالتعيّن والاحتياط. ولئن كان مشهور المتأخرين الوجوب فتوى أو احتياطًا، فإن مشهور المتقدمين على عدم الوجوب، بل قيل إنه كان إجماعيًا، بعد الفراغ عن رجحانه طبعًا.

وقد ذكرنا في كتاب «تقليد الأعلم وحجية فتوى المفضول»: «وفي المقابل: ذهب إلى جواز تقليد المفضول أعلام، مثل: صاحب الجواهر في الجواهر، وصاحب القوانين في القوانين، وجامع الشتات، وصاحب المستند، وصاحب الفصول، وصاحب الضوابط»[45].

ومن المتأخرين: السيد إسماعيل الصدر في ذخيرة العباد وحاشيتها، والشيخ محمد رضا آل ياسين، والسيد الوالد في الفقه[46]، والسيد العم في بيان الفقه[47]، وغيرهم.

بل ادعى الشيخ محمد تقي الآقا نجفي شهرة القدماء على العدم، حيث قال: «بل المشهور بين القدماء القول بعدم وجوب تقليد خصوص الأعلم»[48].

وقال في الجواهر: «لم نتحقق الإجماع عن المحقق الثاني، وإجماع المرتضى مبني على مسألة تقليد المفضول الإمامة العظمى مع وجود الأفضل، وهو غير ما نحن فيه، ضرورة ابتنائها على قبح ترجيح المرجوح على الراجح، فلا نصب من الله تعالى شأنه لها مع وجود الأفضل، ولا مدخلية لهذه المسألة فيما نحن فيه قطعًا، وظني، والله أعلم، اشتباه كثير من الناس في هذه المسألة بذلك»[49].[50]

وقال صاحب العروة: «يجب تقليد الأعلم مع الإمكان على الأحوط»[51].

وعلّق الشيخ محمد رضا آل ياسين: «وإن كان الأقوى جواز تقليد المفضول مطلقًا، لا سيما مع عدم العلم بمخالفته لفتوى الأفضل، فضلًا عن صورة الموافقة، وعليه فيسقط الكلام في الفروع الآتية المتعلقة بتقليد الأعلم. آل ياسين»[52].

وعلّق السيد المرعشي: «لا يخلو عن شوب الإشكال، والوجوه التي أُقيمت على لزومه، من بناء العقلاء، وأصالة التعيين، والمقبولة[53]، وكلام الإمام علي (عليه السلام) في كتابه إلى الأشتر، وأقربية قوله إلى الواقع، وغيرها، كلها مدخولة. وعلى فرض تسليم الاشتراط، فإن تشخيصه في كل المسائل من عوائص الدهر ومشكلاته. ثم ما يذكره من الفروع الآتية مبني على اشتراط الأعلمية. المرعشي»[54].

وعلّق السيد الجد الميرزا مهدي: «مع العلم، ولو إجمالًا، بوجوده، والاختلاف في الفتوى بينه وبين غيره في المسائل المبتلى بها، وعدم العلم بموافقة فتوى غير الأعلم للاحتياط. مهدي الشيرازي»[55].

وهي مسألة خالف فيها مشهور القدماء

هذا كله، إضافة إلى أن مسألة تعيّن تقليد الأعلم مسألة مستحدثة في القرون الأخيرة، إذ لم تُطرح زمن الأئمة (عليهم الصلاة والسلام)، بل كان الناس يرجعون إلى أمثال زرارة، وحمران، ومحمد بن أبي عمير، ويونس بن عبد الرحمن، وغيرهم، دومًا، من دون أن ترد رواية بتعيّن تقليد أعلمهم، ومن دون أن يقول أحد الرواة ذلك أصلًا وأبدًا.

ثم بقي الحال كذلك إلى زمن السيد المرتضى، المتوفى عام 436، ثم بقي حتى زمن العلامة الحلي، المتوفى 726، حيث طُرحت المسألة وجرى تداولها لاحقًا، وقيل إن أول من طرحها هو السيد المرتضى، ولكن قال صاحب الجواهر: إنه إنما طرحها في مسألة الإمامة العظمى، وإن الإمام المعصوم يجب أن يكون أعلم، ولم يطرحها في مرجع التقليد، وإن كان الأمر بحاجة إلى تفحص أكثر في كلمات المرتضى.

فكيف تكون الأعلمية شرطًا في جواز التقليد وصحته، ثم يهمل ذكرها الأئمة (عليهم السلام) جميعًا، وأصحابهم جميعًا، وجميع العلماء، وعلى امتداد حوالي خمسمائة سنة؟

إن قلت: أحالوها على الارتكاز؟

قلت: فلِمَ لم يحيلوا اشتراط العدالة أو الاجتهاد على الارتكاز؟ فمع بداهة شرطية الاجتهاد ذكروه، لكن مع إبهام شرطية الأعلمية لم يذكروها. ولِمَ لم يحيلوا البلوغ والعقل وطهارة المولد والحرية والرجولة على الارتكاز المتشرعي، مع وضوح شرطية بعضها وخفاء شرطية بعضها؟

ثم كيف لم يُحل المتأخرون عن القرن السابع على الارتكاز، فصرحوا بها، وأحال المتقدمون عليه؟

ولا يتعيّن تقليد الأعلم إذا خالف الاحتياط أو المشهور أو أعلم من الأموات

فهذا كله من جهة، ومن جهة أخرى:

إنه حتى من يقول بتعيّن تقليد الأعلم يستثني صورًا:

منها: ما لو خالف قول الأعلم الاحتياط، فالمكلف مخيّر حينئذٍ، على أن الأحوط أقرب للإصابة، بل هو مصيب.

ومنها: ما لو خالف قوله المشهور، فالمكلف مخيّر حينئذٍ.

ومنها: ما لو خالف قوله قول أعلم من الأموات، فالتخيير أيضًا.

وهذه الصور الثلاثة كثيرة جدًا، منتشرة بين مختلف مسائل الرسالة العملية، فكيف يمكن للعامي تمييز ذلك كله؟ بل إن تحقيقه من أصعب الأمور حتى على العالم المجتهد، خاصة الصورة الأخيرة، إذ يحتاج إلى استقراء جميع أقوال محتملي الأعلمية طوال أكثر من ألف سنة، ومقارنتها بالأعلم المعاصر!

وقد ذكرنا في كتاب «تقليد الأعلم» عن وجه استثناء صورة ما لو خالف قول الأعلم الاحتياط: «والوجه فيه: إن الاحتياط طريق قطعي لإحراز الواقع، أما الاجتهاد فهو ظني، حتى قول الأعلم، فلو لم يجب تعيينًا تقليد المفضول لمطابقته للاحتياط الموجب للقطع بالإصابة؛ للإجماع على التخيير بين الاحتياط والتقليد والاجتهاد[56]، لتخيّر على أقل الفروض»[57].

وذكرنا وجه استثناء صورتي ما لو خالف قوله المشهور أو أعلم الأموات: «والوجه في هذين التفصيلين:

إما دعوى أن ملاك حجية قول المجتهد هو طريقيته للواقع، وحيث إن الأعلم أقوى في الطريقية وأكثر إصابة للواقع من غيره، لذا تعيّن تقليده، ولكن لا أقربية فيما لو عارض قوله المشهور، أو فتوى الأعلم من الأموات.

وإما دعوى أن قوله أقوى في إيراث الظن النوعي.

ولا يتم ذلك في الصورتين كذلك»[58]. وسيأتي بحث هذين الوجهين مبنائيًا بإذن الله تعالى.

وقد يفصّل بين أنواع الشهرة ودرجات الأعلمية، فقد يقال بتعيّن الأعلم في بعضها، وتعيّن المفضول في بعضها[59]، وسيأتي»[60].

ويسقط تعيّن تقليد الأعلم إذا كان حرجيًا

إضافة إلى ذلك كله، فإن تعيّن تقليد الأعلم يسقط إذا كان اكتشافه حرجيًا: «ثم إنه حتى على القول بوجوب تقليد الأعلم، فإنه تستثنى من ذلك صور الحرج والضرر:

أ- فقد يكون تشخيص الأعلم حرجيًا؛ لحرجية معرفة ضابطه.

ب- وقد يكون حرجيًا؛ لحرجية تشخيص مصداقه، وإن علم بالضابط قطعًا أو بالظن المعتبر فرضًا.

ج- وقد يشخّص الأعلم، إلا أنه يقع في الحرج في تقليده في خصوص هذه المسألة؛ لصعوبة الوصول إليه الآن فيها، فيسقط وجوب تقليده في خصوص هذه المسألة. وأما حرجية المسألة نفسها فترفعها أدلة الحرج مباشرة، إن لم يكن الحكم واردًا مورد الحرج، من غير وصول النوبة لرفعها وجوب تقليد الأعلم فيها. فتأمل.

والحاصل: إن أدلة وجوب تقليد الأعلم تعيينًا، على القول بتماميتها، تحكمها أدلة الحرج والضرر كسائر الأحكام الفقهية، بل الأمر على المصب الأصولي للبحث أيضًا كذلك، على ما سنفصله في مسألة أخرى بإذن الله تعالى.

قال السيد العم في بيان الفقه: «ثم إن الإمكان هنا[61]، كسائر النظائر، أعم من العقلي والشرعي، فإذا كان في تقليد الأعلم، سواء مطلقًا أم في بعض المسائل، حرج أو ضرر سقط الوجوب.

كما إذا كان الوصول إلى الأعلم أو تحصيل رسالته حرجيًا أو ضرريًا، أو كان تحصيل فتوى خاصة محل ابتلاء المقلد بحاجة إلى اتصال هاتفي ضرري أو حرجي على المقلد، كمسألة فوتية في الحج، ولا فرق، هنا، بين القول بأن التقليد التزام أو أنه العمل أو الأقوال المتفرعة عليهما»[62].

وقال: «أما الأول: وهو لزوم العسر في تشخيص الأعلم؛ فلأن الأعلم مجهول مفهومًا[63]، عسر تعيين مصداقه.

أما الجهل بمفهومه فللخلاف فيه: هل هو الأذكى والأكثر فطنة، أم هو الأكثر مراودة للمسائل واستنباطًا لها، أم الأكثر اطلاعًا بالأشباه والنظائر، أم غير ذلك؟

وأما عسر تعيين مصداقه: فلأن الأعلم لا يشخصه إلا الفقيه المزاول لجميع العلماء، أو الناظر في كتب جميعهم[64]، وكيف يتسنى مثل ذلك للناس؟»[65]. ومع عدم وجود شياع مفيد للاطمئنان، ومع اختلاف أهل الخبرة وتكافئهم، لا يمكن إحراز الأعلم مطلقًا، أو إلا بعسر وحرج.

وقد نوقش في ذلك بما سيأتي عند التطرق لأدلة القائلين بعدم وجوب تقليد الأعلم، استنادًا إلى أنه مستلزم للعسر والحرج، مع جوابه»[66].

الخاتمة

تطرق البحث للإجابة عن السؤال بأنه: هل للفتوى والاستنباط ضوابط؟ منوهًا إلى أهم ضابط، وهو أن لا تكون الفتوى شاذة، أي خارجة عن الطريق الوسط وطريقة العقلاء أو عرف المتشرعة بما هم متشرعة، مشيرًا إلى أمثلة غريبة من الشذوذ في الفتاوى على مر التاريخ، والذي يحكم فيها الوجدان الديني الذي يرفضها بطبعه، إضافة إلى البرهان من النصوص الدينية.

ثم تصدى للإجابة على أسئلة تتعلق بالأعلمية، ليجيب عن سؤال تعيّن تقليد الأعلم بأنه أمر مختلف فيه، وعن سؤال ضابط الأعلمية بأن الأقوال فيه أكثر من عشرة، لينتهي إلى أن الأعلم لا يجب تقليده حصرًا، بل المكلف مخيّر، وأنه حتى على القول بأنه متعيّن، فإن نفس القائلين بتعيّن تقليده يصرحون بخروج صور: ما لو خالف رأي الأعلم الحي رأي أعلم من الأموات، أو خالف رأي المشهور، أو خالف الاحتياط، فإنه لا يتعيّن تقليده حينئذٍ، ليختم بأنه حتى في غير هذه الصور، فإن تقليده إذا صار حرجيًا أو عسرًا سقط عن الوجوب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم

http://m-alshirazi.com

....................................................

المصادر والحواشي

[1] التوبة: 122.

[2] كتاب العين: ج6، ص215.

[3] الميرزا أبو القاسم القمي، قوانين الأصول، ص459.

[4] دروس فقهية في المبادئ القرآنية، مؤسسة التقى الثقافية ـ النجف الأشرف: ج2، ص73-74.

[5] المستصفى في علم الأصول: ج2، ص247.

[6] العلامة الحلي، منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، ج1، ص47-48.

[7] دروس فقهية في المبادئ القرآنية، مؤسسة التقى الثقافية ـ النجف الأشرف: ج2، ص86-87.

[8] ترجمة الزمخشري المطبوعة مع الكشاف، الجزء الرابع، ص310، ويقول صراحة: «ومن كلامه: إذا سألوا عن مذهبي...» ثم يسوق الأبيات، ويذكر وفاته سنة 538هـ.

كما أن كتاب رؤوس المسائل للزمخشري، في تحقيق أكاديمي، نقل الأبيات، وأحال في الهامش إلى مقدمة الفائق في غريب الحديث للمحققين علي محمد البجاوي وأبي الفضل إبراهيم، ج1، ص902.

[9] ما يقرب من مضمونه.

[10] لعل عنوان مقالته كان «فقه پويا، وفقه ايستا»، أي الفقه المتحرك أو الحركي أو المتطور، والفقه الساكن أو الراكد أو الواقف.

[11] قال الخبراء: لو أردت وجبة نباتية تقترب من وجبة اللحم من الناحية الغذائية، فاجعلها:

بقوليات + حبوب كاملة + مصدر بذور/مكسرات + خضار غنية بفيتامين C.

مثلًا: كوب عدس مطبوخ + رز أو برغل + ملعقتان طحينة + سلطة طماطم وفلفل مع الليمون + حفنة صغيرة من الجوز أو بذور اليقطين.

هذه تركيبة ممتازة؛ لأن الليمون والفلفل والطماطم الغنية بفيتامين C تساعد على امتصاص الحديد النباتي.

والأفضل من ناحية البروتين، إذا أردت أن تجعل وجبتك النباتية قوية جدًا بالبروتين، فالصويا مميزة؛ فبروتينها عالي الجودة مقارنة بمعظم البروتينات النباتية.

مثلًا: فول الصويا أو التوفو + رز + خضار + طحينة.

يمكن أن تكون وجبة مشبعة وغنية بالبروتين.

وإذا كنت تأكل البيض واللبن ولا تريد أن تكون نباتيًا صرفًا، فالأمر أسهل بكثير؛ لأن إضافة البيض أو اللبن/الزبادي تجعل تعويض البروتين والكالسيوم وB12 أسهل.

[12] نهج البلاغة: الخطبة 127.

[13] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج1، ص68.

[14] دروس فقهية في المبادئ القرآنية، مؤسسة التقى الثقافية ـ النجف الأشرف: ج2، ص92-93.

[15] نهج البلاغة: الحكمة 70.

[16] مصباح المتهجد: ج1، ص45.

[17] أصول الكافي: ج1، ص101.

[18] نهج البلاغة: ج3، ص76، في كتابه لمالك الأشتر.

[19] كنز العمال: 31543، 30949.

[20] دروس فقهية في المبادئ القرآنية، مؤسسة التقى الثقافية ـ النجف الأشرف: ج2، ص81-82.

[21] سورة يوسف: 53.

[22] السيد مهدي القزويني، الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد: ص182.

[23] إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، سورة يونس، الآية: 32.

[24] الجربزة: هي الإفراط في الخروج عن الاستقامة، واستخراج ما يخالف الواقع ويتجاوزه.

[25] السيد مهدي القزويني، الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد: ص183-184.

[26] سورة يونس، الآية: 39.

[27] السيد مهدي القزويني، الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد: ص185-186.

[28] نهج البلاغة: الخطبة 87.

[29] الشيخ الصدوق، الخصال، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج2، ص627.

[30] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مكتبة الداوري ـ قم: ج2، ص395.

[31] بصائر الدرجات، ص545. الصدوق، الخصال، ج2، ص627.

[32] محمد بن حسن الصفار، بصائر الدرجات، مكتبة المرعشي النجفي ـ قم: ص537.

[33] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج1، ص43.

[34] محمد بن حسن الصفار، بصائر الدرجات، مكتبة المرعشي النجفي ـ قم: ص537-538.

[35] المصدر: ص538.

[36] المصدر.

[37] السيد مهدي القزويني، الاستعداد لتحصيل ملكة الاجتهاد: ص186-188.

[38] الأنبياء: 78.

[39] انظر: الأصول 2: 325-326.

[40] تقليد الأعلم وحجية فتوى المفضول، منشورات دليل ما ـ طهران: ص18-19.

[41] السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، العروة الوثقى، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة: ج1، ص21-22.

[42] العروة الوثقى والتعليقات عليها (41 مرجعًا)، مؤسسة السبطين العالمية ـ قم: ج1، ص255.

[43] المصدر: ص255-256.

[44] المصدر: ص256.

[45] انظر: جواهر الكلام 40: 45، قوانين الأصول: 468، جامع الشتات 4: 468، مستند الشيعة 17: 33، ضوابط الأصول: 85.

[46] انظر: الفقه، الاجتهاد والتقليد 1: 119، فصاعدًا.

[47] صرح في بيان الفقه 2: 115 بأن الاحتياط الاستحبابي في تقليد الأعلم. نعم، ذهب إلى الاحتياط الوجوبي في كتاب المسائل الإسلامية مع المسائل الحديثة: 111، مسألة 2 من أحكام التقليد.

[48] حاشية الآقا نجفي على «مجمع المسائل» للمجدد الشيرازي، نقله عنه في بيان الفقه 2: 82.

[49] جواهر الكلام 40: 45-46، وتفصيل كلام الجواهر: «وعلى كل حال، فهل يجوز العدول إلى المفضول مع وجود الأفضل؟ فيه تردد، من الاشتراك في الأهلية، ولما هو المعلوم من إفتاء الصحابة مع اختلافهم في الفضيلة وعدم النكير عليهم، فيكون ذلك إجماعًا منهم، ولما في تكليف العامي بذلك من العسر والحرج، لعدم تأهله لمعرفة الأفضل من غيره.

ومن أن الظن بقول الأعلم أقوى، فيجب اتباعه، إذ أقوال المفتين بالنسبة إلى المقلد كالأدلة بالنسبة إلى المجتهد في وجوب اتباع الراجح، ولخبر عمر بن حنظلة[1] وغيره المتقدمة سابقًا، المنجبر إسنادها بالتعاضد وتلقي الأصحاب لها بالقبول.

وفعل الصحابة بعد إعراضهم عن الإمام عليه السلام ليس حجة عندنا. وتعرف الأفضل ممكن بشهادة أهل الخبرة كتعرف أصل الأهلية.

ولكن مع ذلك كله فالوجه عند المصنف الجواز، لأن خلله إن كان ينجبر بنظر الإمام عليه السلام الذي نصبه. وفيه أنه إنما يتم مع قربه منه واطلاعه على أحكامه، لا مع بعده عنه على وجه لا يعلم شيئًا من وقائعه، وفرض المسألة أعم من الأول، على أن أصل فرضها فيما ذكر خالٍ عن الثمرة، ضرورة كونه أعلم بما يفعل مع حضوره.

إنما الكلام في نواب الغيبة بالنسبة إلى المرافعة إلى المفضول منهم وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه، والظاهر الجواز؛ لإطلاق أدلة النصب المقتضي حجية الجميع على جميع الناس، وللسيرة المستمرة في الإفتاء والاستفتاء منهم مع تفاوتهم في الفضيلة.

ودعوى الرجحان بظن الأفضل يدفعها ـ مع إمكان منعها في كثير من الأفراد المنجبر نظر المفضول فيها في زمانه بالموافقة للأفضل في الأزمنة السابقة وبغيرها ـ أنه لا دليل عقلًا ونقلًا في وجوب العمل بهذا الرجحان في خصوص المسألة، إذ لعل الرجحان في أصل شرعية الرجوع إلى المفضول، وإن كان الظن في خصوص المسألة بفتوى الفاضل أقوى، نحو شهادة العدلين.

ومع فرض عدم المانع عقلًا فإطلاق أدلة النصب بحاله، ونفوذ حكمه في خصوص الواقعة يستلزم حجية ظنه في كليها، وأنه من الحق والقسط والعدل وما أنزل الله، فيجوز الرجوع إليه تقليدًا أيضًا، والنصوص[2] السابقة إنما هي في المتنازعين في حق وقد حكّما في أمرهما رجلين دفعة، فحكم كل واحد منهما لكل واحد منهما، ولا وجه للتخيير هنا، كما في أصل المرافعة والتقليد، ضرورة تحقق فصل الدعوى بقول أحدهما، لاتفاق النصوص[3] على ذلك، وأنه لا يبطل حكم كل منهما بحكم الآخر، فليس حينئذ إلا الترجيح للحكم في كلي الواقعة بالمرجحات التي ذكرها الإمام عليه السلام، وقال: إنه مع فرض فقدها أجمع يقف حتى يلقى الإمام، وهذا غير أصل التخيير في الترافع والتقليد المستفاد من إطلاق أدلة النصب المعتضد بالعمل في جميع الأعصار والأمصار.

بل لعل أصل تأهل المفضول وكونه منصوبًا يجري على قبضه وولايته مجرى قبض الأفضل من القطعيات التي لا ينبغي الوسوسة فيها، خصوصًا بعد ملاحظة نصوص[4] النصب الظاهرة في نصب الجميع الموصوفين بالوصف المزبور، لا الأفضل منهم، وإلا لوجب القول: انظروا إلى الأفضل منكم، لا رجل منكم، كما هو واضح بأدنى تأمل، وخصوصًا بعد إطلاق ما حكوه من الإجماع على قاضي التحكيم، بل لعل التأمل في نحو المقبولة[5] من النصوص يقضي بجواز المرافعة إلى المفضول قبل تحقق الخلاف فيه.

ومن ذلك يعلم أن نصوص الترجيح[6] أجنبية عما نحن فيه من المرافعة ابتداء أو التقليد كذلك مع العلم بالخلاف وعدمه. ومن الغريب اعتماد الأصحاب عليها في إثبات هذا المطلب، حتى أن بعضًا منهم جعل مقتضاها ذلك مع العلم بالخلاف، الذي عن جماعة من الأصوليين دعوى الإجماع على تقديمه حينئذ لا مطلقًا، فجنح إلى التفصيل في المسألة بذلك.

وأغرب من ذلك الاستناد إلى الإجماع المحكي عن المرتضى في ظاهر الذريعة والمحقق الثاني في صريح حواشي الجهاد من الشرائع على وجوب الترافع ابتداء إلى الأفضل وتقليده، بل ربما ظهر من بعضهم أن المفضول لا ولاية له أصلًا مع وجود الأفضل، ضرورة عدم إجماع نافع في أمثال هذه المسائل، بل لعله بالعكس؛ فإن الأئمة عليهم السلام مع وجودهم كانوا يأمرون الناس بالرجوع إلى أصحابهم من زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وغيرهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله كان يولي القضاء بعض أصحابه مع حضور أمير المؤمنين عليه السلام الذي هو أقضاهم، قال في الدروس: لو حضر الإمام في بقعة وتحوكم إليه فله رد الحكم إلى غيره إجماعًا.

على أنه لم نتحقق الإجماع عن المحقق الثاني، وإجماع المرتضى مبني على مسألة تقليد المفضول الإمامة العظمى مع وجود الأفضل، وهو غير ما نحن فيه، ضرورة ابتنائها على قبح ترجيح المرجوح على الراجح، فلا نصب من الله تعالى شأنه لها مع وجود الأفضل، ولا مدخلية لهذه المسألة فيما نحن فيه قطعًا، وظني، والله أعلم، اشتباه كثير من الناس في هذه المسألة بذلك.

ولا يخفى عليك أنه لا مدخلية للتوسعة فيما نحن فيه منهم عليهم السلام في جواز الرجوع إلى رواة أحاديثهم وفقهاء شرعهم، وإن تفاوتوا في تلك المسألة بوجه من الوجوه، كما هو واضح بأدنى تأمل، خصوصًا بعد أن كان لا مانع عقلًا والنقل يقتضيه، فيجوز حينئذ نصبه والترافع إليه وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه.

نعم، لو فرض أن المتخاصمين قد حكّما رجلين فصاعدًا في أمرهما، فاختلف الحكم الصادر منهما في ذلك، رُجّح بالمرجحات المذكورة، ودعوى اقتضاء ذلك الترجيح في أصل المرافعة وفي التقليد ابتداء مع العلم بالخلاف أو مطلقًا ممنوعة كل المنع، والله العالم». «جواهر الكلام: ج40، ص43-46». وهو كما ترى يصرح بمسألة التقليد إضافة إلى مسألة القضاء، وعلى أي حال، فالأدلة، عمومًا، واحدة.

[1] الوسائل، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

[2] الوسائل، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

[3] الوسائل، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

[4] الوسائل، الباب 1 من أبواب صفات القاضي، الحديث 5، والباب 11 منها، الحديث 1 و6.

[5] الوسائل، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.

[6] الوسائل، الباب 9 من أبواب صفات القاضي.

[50] تقليد الأعلم وحجية فتوى المفضول، منشورات دليل ما ـ طهران: ص14-15.

[51] السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، العروة الوثقى، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة: ج1، ص18.

[52] العروة الوثقى والتعليقات عليها (41 مرجعًا)، مؤسسة السبطين العالمية ـ قم: ج1، ص245.

[53] الوسائل: 18/220، كتاب القضاء، باب 31 من أبواب كيفية الحكم، ح2.

[54] العروة الوثقى والتعليقات عليها (41 مرجعًا)، مؤسسة السبطين العالمية ـ قم: ج1، ص245.

[55] العروة الوثقى والتعليقات عليها (41 مرجعًا)، مؤسسة السبطين العالمية ـ قم: ج1، ص245.

[56] للإطلاقات ومصلحة التسهيل وغيرها.

[57] تقليد الأعلم وحجية فتوى المفضول، منشورات دليل ما ـ طهران: ص21.

[58] وإما دعوى انصراف أدلة تعيّن تقليد الأعلم عن الصورتين.

[59] فقد يُدعى تعيّن تقليد المفضول فيما إذا طابق رأيه الشهرة العظيمة القدمائية ولشهرة المتأخرين، مثلًا.

[60] تقليد الأعلم وحجية فتوى المفضول، منشورات دليل ما ـ طهران: ص20.

[61] في قول صاحب العروة: «يجب تقليد الأعلم مع الإمكان، على الأحوط».

[62] بيان الفقه، الاجتهاد والتقليد 2: 7.

[63] وقد ناقش في هذا بعض الأعلام، وسيأتي، في مسألة مستقلة، مع جوابه بإذن الله تعالى.

[64] وأما الشياع المفيد للعلم فقليل، إن لم يكن نادرًا، وأما الشهادات فمتعارضة غالبًا، وتفصيل الأخذ والرد في مظانه.

[65] بيان الفقه، الاجتهاد والتقليد 2: 77.

[66] تقليد الأعلم وحجية فتوى المفضول، منشورات دليل ما ـ طهران: ص22-24.

اضف تعليق