يناقش المقال أهمية الثقة بالذات في نجاح المبادرات الفردية ودورها في النهوض بالمجتمع، مؤكدًا ضرورة الصبر أمام التحديات، وتنمية القدرات، والابتعاد عن الطاقات السلبية والمديح المخادع. ويربط الكاتب بين نجاح الفرد وواقعيته واستقلال شخصيته وقدرته على مقاومة الوهم والضغط الاجتماعي، مستندًا إلى آيات قرآنية وأقوال للإمام علي ورسول الله...

(أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ).

لا يكفي أن تتبنّى الأُمّةُ [المجتمع] وتحتضن وترعى المبادرات الفردية لتنجحَ، فتتحوّل إلى مشاريعَ تُساهم في عملية النهوض الحضاري، بل يلزم الفرد كذلك أن يتحلّى بأسباب النجاح والديمومة لتنجح مبادراته.

ومنها: أن يثق بنفسه، وأن يتيقّن من الدور المحوري لمبادراته الفردية في عملية النهوض، فيصبر عليها مهما تعرّض للتحديات وهو يسعى لتحقيقها، فلا ينهزم أو يستسلم في أول مواجهة مع جاهل أو حسود أو حقود، أو ينهار إذا رأى الأغلبية في مواجهته تقلل من شأن مبادرته وتثبطه وتضغط عليه ليرفع الراية البيضاء مستسلمًا.

يقول أمير المؤمنين (ع): (فَلَا يَغُرَّنَّكَ سَوَادُ النَّاسِ مِنْ نَفْسِكَ)، و(وعَوِّدْ نَفْسَكَ التَّصَبُّرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ ونِعْمَ الْخُلُقُ التَّصَبُرُ فِي الْحَقِّ!).

يجب على الفرد أن يؤمن بقدراته، فيسعى دائمًا لصقلها وتطويرها وتحسينها وتمكينها بما يخدم الأمة والمجتمع في عملية النهوض.

يقول (ع): (عِبَادَ اللَّه زِنُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُوزَنُوا وحَاسِبُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُحَاسَبُوا وتَنَفَّسُوا قَبْلَ ضِيقِ الْخِنَاقِ وانْقَادُوا قَبْلَ عُنْفِ السِّيَاقِ واعْلَمُوا أَنَّه مَنْ لَمْ يُعَنْ عَلَى نَفْسِه حَتَّى يَكُونَ لَه مِنْهَا وَاعِظٌ وزَاجِرٌ لَمْ يَكُنْ لَه مِنْ غَيْرِهَا لَا زَاجِرٌ ولَا وَاعِظٌ)، ويقول (ع): (فَنَفْسَكَ نَفْسَكَ! فَقَدْ بَيَّنَ اللَّه لَكَ سَبِيلَكَ).

على الفرد أن يهتم بنفسه كما يهتم بالمجتمع: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ)، فلا يتجاهلها بذريعة الانشغال بالشأن العام؛ لأن الأخير يبدأ من الذات وليس من المجتمع، فكلما كان الفرد أكثر اهتمامًا بنفسه وبقدراته ومبادراته، كلما كان أكثر تأثيرًا في الشأن العام، والعكس هو الصحيح. فالفرد الفاشل لا يجد له مكانًا بالشأن العام أبدًا، وإذا وجده فليس أكثر من دور [الذيل]! ولذلك قال رسول الله (ص): (المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ).

عليه أن لا يجمع من حوله، أو يستشير، أي طاقة سلبية، والتي تبدأ مشورتها عادةً بقول المرجفين: [مَيفيد]، أو [ماذا ستنفع مبادرتك الفردية في مجتمع فاشل أو مهزوم]؟! أبدًا، بل يلزمه أن لا يصغي ولا يتعامل ولا يقترب منه إلا الذين يمنحونه الطاقة الإيجابية ولو بشق كلمة، كقولهم: [أحسنت، رائع، إنك تُبلي بلاءً حسنًا]. ولذلك جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) قوله: (الكلمة الطيبة صدقة).

عليه أن يثق بقدراته، ويؤمن بإرادته، ويشحذ عزيمته باستمرار.

وفي أبيات الشعر المنسوبة لأمير المؤمنين (ع)، يقول:

دَواؤُكَ فيكَ وَما تُبصِرُ --- وَدَاؤُكَ مِنكَ وَما تَشعُرُ  

أَتَزعُمُ أَنَّكَ جُرمٌ صَغيرٌ --- وَفيكَ اِنطَوى العالَمُ الأَكبَرُ

محفّز قوي وطاقة إيجابية لكل من يريد أن تنجح مبادراته الفردية.

يصف أمير المؤمنين (ع) الناجح في المجتمع بقوله: (فَهُمْ لأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ ومِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ؛ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي ورَبِّي أَعْلَمُ بِي مِنِّي بِنَفْسِي! اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ واجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ)، من أجل أن لا يخدعه المديح الكاذب، والصورة المغشوشة، والتقييم المخادع الذي يسمعه من البعض عن نفسه. فالثقة بالذات مفتاح للحيلولة دون الوقوع في مصائد المديح المخادع والكاذب!

يقول (ع): (وإِنَّ مَعِي لَبَصِيرَتِي مَا لَبَّسْتُ عَلَى نَفْسِي ولَا لُبِّسَ عَلَيَّ)، فلا ينبغي للفرد أن يخدع نفسه، كما لا ينبغي له أن يكون منصة لخداع الآخرين! فإن من أخطر الأمراض التي تصيب المرء في مقتل الوهم: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)، وأشده [وهم الذات]: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).

ومن الثقة بالذات أن يكون المرء واقعيًا، فلا يتستر بالشعارات الفارغة، فيعد ويخلف، ويقسم ولا يفي، كما يصف الأمر أمير المؤمنين (ع): (وقَدْ أَرْعَدُوا وأَبْرَقُوا ومَعَ هَذَيْنِ الأَمْرَيْنِ الْفَشَلُ ولَسْنَا نُرْعِدُ حَتَّى نُوقِعَ ولَا نُسِيلُ حَتَّى نُمْطِرَ).

كذلك لا ينبغي له السعي والحرص على مطابقة رصيده الشخصي، وما يتميز به من سلوكيات إيجابية، برصيد الآخرين بذريعة [حشر مع الناس عيد]. أبدًا، فذلك مسعى يقتل المبادرات الفردية عنده، ويحطم شخصيته، ويقبر خصوصياته، ولا بد له أن يتقبل شخصيته ومميزاتها كما هي، ثم يسعى لتطويرها، لا كما يريدها الناس ويرغبون بها! فلقد قال حكيم مرةً: [أفضل الموت على العيش في خوف من المجتمع].

يقول أمير المؤمنين (ع): (وإِنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ ويُقِيمُ أَوَدَكُمْ ولَكِنِّي لَا أَرَى إِصْلَاحَكُمْ بِإِفْسَادِ نَفْسِي).

فليس كل ما يريده المجتمع يساعد في بناء قصص النجاح والمبادرات الفردية، فلو كان (ع) قد قرر إصلاحهم بإفساد نفسه لما كان أميرًا للمؤمنين، ولما كان النموذج العظيم الذي يُحتذى في كل شيء.

عليك أن تستوعب الهجمات الوحشية التي تستهدفك لتنهزم، فتترك مبادراتك الفردية تذروها الرياح.

في المنعطف، قم بما تعتقد أنه صحيحًا، ولا تهتم بما يقوله المرجفون والمثبطون والسلبيون!

اضف تعليق