البصرة بملوحتها وحرارتها وتحديات الزراعة فيها، تمنح هذا الامتحان صعوبة إضافية. فبين معرفة سبب تراجع المحصول والقدرة على إنقاذه، طريق يحتاج إلى فحص وتجربة وتدريب ومتابعة. أين تقف كلية الزراعة في جامعة البصرة على هذا الطريق؟ وما الذي يستطيع أن يجده فيها مَن يحمل مشكلة من حقله أو فكرة لمشروعه؟...
قد يبدأ إنقاذ موسم زراعي بعينة تربة تصل إلى المختبر، وقد يتحدد مصير مشروع صغير بسؤال يطرحه صاحبه قبل أن ينفق أول دينار. وراء هذه التفاصيل يقف مزارع يحسب خسارته، وخريج يبحث عن بداية، وطالب يتساءل عمّا ستمنحه سنوات الدراسة حين يصبح القرار في يده. أسئلة تمنح الحديث عن كلية الزراعة معنى قريبًا من حياة الناس، وتضع خبرتها أمام امتحان الأرض والماء والعمل.
البصرة، بملوحتها وحرارتها وتحديات الزراعة فيها، تمنح هذا الامتحان صعوبة إضافية. فبين معرفة سبب تراجع المحصول والقدرة على إنقاذه، طريق يحتاج إلى فحص وتجربة وتدريب ومتابعة. أين تقف كلية الزراعة في جامعة البصرة على هذا الطريق؟ وما الذي يستطيع أن يجده فيها مَن يحمل مشكلة من حقله أو فكرة لمشروعه؟
نحمل هذه الأسئلة إلى عميد الكلية، الأستاذ الدكتور سرمد غازي محمد الشاوي، ونبدأ بما قد يكون قريبًا من الناس، ويحتاج أن يعرفوا الطريق إليه:
دكتور، ما الذي أصبح متاحًا اليوم في كلية الزراعة، وتتمنى أن يعرفه كل طالب وكل مواطن في البصرة؟
أعتقد أن أهم رسالة نريد إيصالها اليوم هي أن كلية الزراعة لم تعد مجرد مكان يتلقى فيه الطالب محاضرات نظرية للحصول على شهادة، وإنما أصبحت منظومة تعليمية وبحثية وتطبيقية متكاملة.
لدينا اليوم ثمانية أقسام علمية تغطي مجالات واسعة، من علوم الأغذية والأسماك والثروة البحرية والبستنة وهندسة الحدائق، إلى علوم التربة والموارد المائية والإنتاج الحيواني ووقاية النبات والمكائن والآلات الزراعية والمحاصيل الحقلية. وهذا يعني أن الزراعة الحديثة لم تعد محصورة في مفهوم زراعة الأرض فقط، وإنما تشمل المياه والتربة والغذاء والتقنيات الحيوية والمكننة والإنتاج الحيواني والاستدامة.
ولدينا أيضاً محطة للبحوث والتجارب الزراعية، ومساحات زراعية مخصصة للتجارب، ومختبرات تخصصية، فضلاً عن المكتب الاستشاري الزراعي الذي يقدم خدمات واستشارات في مجالات الإنتاج الزراعي والتربة والري والآفات والأمراض والاستزراع السمكي والأعلاف ودراسات الجدوى.
ومن الأمثلة المهمة على التطور العملي وجود مشاريع في الزراعة المائية والأكوابونيك، وبعضها يعمل بالطاقة الشمسية، وهي نماذج مهمة جداً لمدينة مثل البصرة التي تواجه تحديات تتعلق بالمياه والملوحة والحرارة والموارد المحدودة.
لذلك أتمنى أن يعرف المواطن البصري أن الكلية ليست مؤسسة تعليمية مغلقة على طلبتها، وإنما يمكن أن تكون بيت خبرة علمياً للمزارع والمستثمر والمواطن، وأن يعرف الطالب أن أمامه إمكانات أكبر بكثير من مجرد حضور المحاضرات.
من التغييرات التي شهدتها الكلية، أيّها أحدث فرقًا مباشرًا في حياة الطلبة؟ هل يمكن أن توضّح ذلك بمثال من يومهم الدراسي؟
من أبرز الأمور التي نحرص عليها هو زيادة ارتباط الجانب النظري بالتطبيق العملي. الطالب الزراعي لا يمكن أن يتعلم الزراعة من الكتاب وحده؛ عليه أن يرى النبات والتربة والحشرة والآلة والعينة والمنتج الغذائي أمامه، وأن يتعلم كيف يتعامل معها عملياً.
لدينا محطة بحوث وتجارب ومساحات زراعية ومختبرات، كما تنظم الأقسام زيارات علمية داخل الكلية وخارجها. ومن الأمثلة الزيارات العلمية لطلبة الكلية الى الكليات المناظرة ومؤسسات الدولة والمعامل الحكومية والأهلية والحقول والمزارع وكل ما له علاقة بالجزء العملي.
بمعنى آخر، يمكن أن يبدأ يوم الطالب بمحاضرة يدرس فيها معين، ثم ينتقل إلى المختبر او الزيارات العلمية ليرى الأجهزة والعينات وكيفية إجراء الفحص. هذه النقلة من "أعرف المعلومة" إلى "أعرف كيف أستخدم المعلومة" هي التي نريد ترسيخها.
كما أن الأقسام تؤكد صراحة على جعل مشاريع التخرج مرتبطة بالممارسة الحقلية او بالجانب العملي، بحيث يعمل الطالب على مشروع داخل الحقل الزراعي او المختبر او المعمل وليس فقط على الجانب النظري.
لو أن طالبًا يفكّر الآن في الالتحاق بالكلية، ما الذي ينبغي أن يعرفه عن طبيعة الدراسة والعمل بعدها، حتى يختار عن فهم؟
أقول للطالب أولاً: لا تدخل كلية الزراعة إذا كنت تتصور أن الدراسة عبارة عن حفظ مجموعة من المعلومات ثم الحصول على شهادة فقط. الزراعة علم تطبيقي يحتاج إلى العمل الميداني والمختبري والملاحظة والتحليل.
ثانياً، كلية الزراعة ليست تخصصاً واحداً. الطالب أمام مجموعة واسعة من المسارات العلمية، ولذلك عليه أن يعرف ميوله: هل يهتم بالنبات؟ بالتربة والمياه؟ بالغذاء؟ بالحيوان؟ بالأسماك والثروة البحرية؟ بالآلات؟ بالبستنة؟ بوقاية النبات؟
أما بعد التخرج، فمجالات العمل لا تقتصر على الوظيفة الحكومية. هناك القطاع الزراعي الخاص، المختبرات، الشركات الزراعية والغذائية، المشروعات الزراعية، الاستشارات، الإنتاج النباتي والحيواني، الصناعات الغذائية، المكننة الزراعية، البحث العلمي، والعمل الريادي.
والكلية نفسها تؤكد في رؤيتها ورسالتها على إعداد ملاكات تتوافق مع احتياجات سوق العمل، وعلى تقديم خدمات تدريبية للقطاعات الزراعية وربط البحث العلمي بالمشكلات الواقعية للمجتمع.
كما أن الكلية أعلنت في عام 2026 فتح التقديم المباشر للدراسة الصباحية للعام الدراسي 2026–2027 لفئات محددة من خريجي الإعدادية المهنية وفق الضوابط الوزارية وأيضا توجد قنوات التقديم الاعتيادية.
ما المهارة التي يستطيع خريج الكلية أن يقول بثقة: «أنا قادر على أداء هذا العمل»؟ وكيف تضمنون أن يحصل كل طالب على التدريب الذي يؤهّله لذلك؟
لا أعتقد أنه من الصحيح أن نقول إن جميع خريجي كلية الزراعة يجب أن يمتلكوا مهارة واحدة متطابقة، لأن تخصصاتهم مختلفة. لكن هناك مهارة مشتركة نريد أن يمتلكها الخريج، وهي القدرة على تشخيص المشكلة الزراعية علمياً ثم اختيار الحل المناسب بناءً على الأدلة، وليس على التخمين.
فخريج التربة، مثلاً، يجب أن يفهم خصائص التربة والمياه واحتياجات النبات. وخريج وقاية النبات ينبغي أن يستطيع التعرف إلى مسببات المرض أو الآفة واختيار طريقة المكافحة المناسبة. وخريج علوم الأغذية ينبغي أن يفهم مبادئ تصنيع وتحليل الغذاء وجودته وسلامته ومكوناته الخ... وخريج المكائن ينبغي أن يكون قادراً على التعامل مع الآلات الزراعية وصيانتها واستخدامها وكذلك بقية الاقسام.
ولتحقيق ذلك نعتمد على المختبرات، والحقول التجريبية، والمشاريع العملية، والزيارات العلمية، ومشاريع التخرج، إضافة إلى التدريب والدورات التي تنظمها الكلية بالتعاون مع مؤسسات مختلفة. فمثلاً توجد ورش وزيارات علمية للاطلاع على تقنيات حديثة في الشركات الزراعية، كما توجد مختبرات وورش مخصصة للتدريب العملي في الأقسام.
إذا شعر طالب بأنه يصل إلى التخرّج وخبرته العملية ما زالت محدودة، فما الفرصة المتاحة أمامه داخل الكلية لتعويض هذا النقص؟ وإلى من يتوجّه؟
أول خطوة هي ألا ينتظر الطالب حتى يوم التخرج ليكتشف أنه يحتاج إلى خبرة عملية. عليه أن يبدأ من السنوات الأولى بالسؤال عن المختبرات والحقول والمشاريع والزيارات والتدريب.
لدينا بيئة يمكن للطالب أن يستفيد منها، سواء من خلال مشاريع التخرج والبحوث التطبيقية أو محطة البحوث والتجارب أو المختبرات أو الأنشطة التدريبية التي تنظمها الكلية.
كما أن الكلية لديها خبرة في تنظيم برامج تدريب للخريجين. ففي عام 2024، مثلاً، نظمت الكلية بالتعاون مع مركز التجارة الدولية والمجلس النرويجي للاجئين وبرنامج SAAVI دورة استمرت عشرة أيام لتطوير مهارات الخريجين في إدارة الأنشطة والمشاريع الزراعية، وشارك فيها 50 متقدماً. كذلك في العام الماضي كان هنالك نعاون مع اليونسيف لتدريب الطلبة على المبادرات البيئية.
لذلك أنصح الطالب بأن يبدأ من القسم العلمي أولاً، ثم التدريسي المختص أو المشرف على مشروعه، ثم الوحدات المعنية بالتدريب والتأهيل، وألا يتعامل مع نقص الخبرة كأمر لا يمكن تعويضه.
بعض الخريجين يفكّر في مشروع صغير، لكنه لا يعرف من أين يبدأ. ما المساندة التي تستطيع الكلية تقديمها له؟ وما الذي ينبغي أن يتحقّق منه قبل أن ينفق أمواله؟
هذه من المجالات التي يمكن أن يكون فيها للكلية دور مباشر جداً. لدينا المكتب الاستشاري الزراعي، وهو يقدم الاستشارات في مجالات زراعية متعددة، إضافة إلى دراسات الجدوى الاقتصادية للمشروعات الزراعية. وتشمل دراسة الجدوى الاستثمار المطلوب والتكاليف المتوقعة والعوائد المحتملة والجوانب الاقتصادية والتجارية للمشروع.
كما أن المكتب يضع ضمن أهدافه دعم ريادة الأعمال الزراعية وتطوير المشاريع الاستثمارية، وتنظيم برامج تدريب وتأهيل للعاملين والطلبة والمزارعين.
وأقول لأي خريج: لا تبدأ بشراء المعدات أو استئجار الأرض لمجرد أن فكرة المشروع تبدو جيدة. على سبيل المثال.. ابدأ بالسؤال: من سيشتري المنتج؟ وكم سيكلف إنتاجه؟ وكم عدد العاملين وتكاليفهم؟ وما كمية المياه والطاقة والعمل المطلوبة؟ وما المخاطر؟ وما سعر البيع الواقعي؟ وهل تتناسب الفكرة مع مناخ البصرة ومواردها؟ ... الخ من الأسئلة التي تضمن حساب الكلفة الكلية والربح والمخاطر الى اخره وحسب نوع المشروع. بعد ذلك تأتي دراسة الجدوى الفنية والاقتصادية، وليس العكس.
هل يستطيع المواطن الذي لا تربطه علاقة بالجامعة أن يأتي إلى الكلية بمشكلة تخصّ مزروعاته أو تربته أو مياه الري؟ وإذا كانت هذه الخدمة متاحة، فما خطوات الاستفادة منها، وهل لها كلفة؟
نعم، هذا من الأدوار الأساسية للمكتب الاستشاري الزراعي في الكلية. الموقع الرسمي لكلية الزراعة يوضح أن المكتب يقدم الاستشارات للمزارعين والمهتمين بالقطاع الزراعي في مجالات تشمل تقنيات الزراعة الحديثة، وإدارة المحاصيل والآفات والأمراض، وتحسين الأراضي، والري، والتربة، والاستزراع السمكي وغيرها. كما يقدم دراسات الجدوى للمشروعات الزراعية.
والأهم أن المكتب يعلن أن خدماته تقدم بأسعار مناسبة بهدف إتاحتها للمزارعين والمستثمرين وخدمة الصالح العام.
يمكن التواصل مع المكتب بصورة مباشرة او عن طريق المكتب الاستشاري والأفضل للمواطن ألا يأتي بمشكلة عامة فقط، بل أن يحضر ما يستطيع من معلومات: نوع المحصول، عمره، موقع الحقل، مصدر مياه الري، طريقة الري، الأسمدة المستخدمة، الأعراض التي ظهرت، ومتى بدأت المشكلة، وإذا أمكن عينات أو صور واضحة. هذا يجعل التشخيص أكثر دقة. وأي مشاكل أو قياسات أو تحاليل أخرى سواء في الحقل أو المعمل.
لنتخيّل مزارعًا يواجه تراجعًا في إنتاجه، ولا يعرف السبب. كيف يمكن أن تساعدوه في الوصول إلى تشخيص قبل أن ينفق على حلول قد لا تناسب مشكلته؟
أول قاعدة لدينا هي: لا نعالج المشكلة قبل أن نحاول تشخيصها.
انخفاض الإنتاج يمكن أن تكون وراءه أسباب كثيرة: مشكلة في التربة، ملوحة، سوء إدارة الري، خلل غذائي، مرض نباتي، آفة حشرية، مشكلة في الصنف، أو حتى مجموعة من العوامل مجتمعة.
لذلك يبدأ الأمر بجمع المعلومات عن الحقل والمحصول والمياه والتسميد والإدارة الزراعية، ثم يمكن أن تأتي الفحوصات المختبرية عندما تكون ضرورية، والاستعانة باختصاص التربة والمياه أو وقاية النبات أو المحاصيل أو البستنة بحسب الحالة.
وهذا يتوافق مع طبيعة عمل المكتب الاستشاري الزراعي الذي يضم كل التخصصات الزراعية.
ولدينا أيضاً تجربة واضحة في نقل المعرفة إلى الميدان؛ فقد نظمت الكلية، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة، تدريباً عملياً للفلاحين والمهندسين الزراعيين في سفوان حول تصنيع الفحم الحيوي المعزز بالعناصر الغذائية من المخلفات العضوية، وانتقل التدريب من الجانب النظري إلى التطبيق داخل مزرعة محصول الطماطة.
ما الممارسة الزراعية التي تلاحظون أنها تتكرّر وتكلّف الناس مالًا أو ماءً أو جهدًا؟ وما الذي تنصحونهم بالتحقّق منه قبل تكرارها؟
من الممارسات التي تستحق الانتباه الإفراط في استخدام المدخلات الزراعية، خصوصاً عندما يتم استخدام السماد أو المواد الكيميائية من دون معرفة الحاجة الفعلية للنبات أو حالة التربة.
لدينا مثال مباشر على ذلك؛ فقد نظمت الكلية دورة لموظفي دوائر الدولة حول تقدير احتياجات السماد للمحاصيل والنخيل، وتناولت أنواع الأسمدة وكيفية تحديد الكميات المناسبة بحسب المساحة والمحصول، إضافة إلى التسميد العضوي.
كما أن قسم البستنة في الكلية يؤكد على خطورة الإسراف في استخدام المواد الكيميائية دون متابعة آثارها طويلة الأمد، ويشجع على استخدام البدائل والممارسات التي تحافظ على التربة والبيئة عندما تكون مناسبة.
لذلك قبل إضافة كمية جديدة من السماد أو المبيد أو زيادة مياه الري، ينبغي أن يسأل المزارع: ما المشكلة التي أحاول علاجها؟ وهل لدي دليل على وجودها؟ وما الكمية المطلوبة فعلاً؟ وهل هناك فحص للتربة أو المياه أو النبات يمكن أن يساعدني على اتخاذ القرار؟
من يريد زراعة حديقة صغيرة في منزله بالبصرة، ما المعلومات التي يحتاجها قبل اختيار النباتات؟ وهل لدى الكلية إرشادات يمكن للجمهور الرجوع إليها؟
أول شيء ينبغي أن يعرفه المواطن هو أن اختيار النبات لا يبدأ من شكله الجميل فقط، بل من ملاءمته لظروف المكان.
في البصرة ينبغي أن نفكر في الحرارة، ونوعية مياه الري، وملوحة التربة أو المياه، وكمية الضوء، والمساحة المتوفرة، وطبيعة الاستخدام المطلوب من النبات: هل هو للظل؟ للزينة؟ للإنتاج؟ وهل توجد إمكانية للصيانة والري؟
ولدى الكلية قسم متخصص في البستنة وهندسة الحدائق، كما توجد وحدة للنباتات الطبية والعطرية، وقد أعدت الكلية دليلاً لأنواع النباتات الطبية والعطرية في محافظة البصرة، كما أعدت دليلاً لأنواع ترب المحافظة وتقييم ملاءمتها لزراعة الحنطة والشعير والنخيل.
وبالتالي يمكن للمواطن الاستفادة من الخبرة الموجودة في الكلية واقسامها ووحداتها والمكتب الاستشاري بدلاً من اختيار النباتات بصورة عشوائية.
في مجال الأغذية، ما السؤال اليومي الذي يستطيع اختصاصيو الكلية مساعدة المستهلك على فهمه؟ وما الاعتقاد الشائع الذي ترون أنه يحتاج إلى تصحيح؟
من أهم الأسئلة التي يستطيع اختصاصيو علوم الأغذية المساعدة في الإجابة عنها هو: هل هذا الغذاء آمن ومطابق للمواصفات، وكيف أميز بين الجودة الحقيقية والانطباع الخارجي؟
فاللون أو الرائحة أو الشكل وحدها لا تكفي دائماً للحكم العلمي على سلامة الغذاء.
وهنا لدينا مختبرات أبحاث الأغذية وحماية المستهلك، ومنها مختبر تطبيقات الأغذية الريادي الذي يقوم بإجراء فحوصات متعددة على الألبان ومنتجاتها، والتأكد من مطابقة الأغذية للمواصفات القياسية العراقية والعالمية.
والاعتقاد الذي نحتاج إلى تصحيحه هو أن ليس كل ما هو "طبيعي" يكون بالضرورة آمناً، أو أن كل ما هو مصنع لا يكون بالضرورة ضاراً. الحكم العلمي يجب أن يعتمد على المكونات، وطريقة التصنيع، وظروف الحفظ، والجرعة، والمواصفات والفحوص، وليس على الانطباعات العامة.
هل هناك تجربة بحثية في الكلية يمكن أن تفيد المزارعين، لكنها لم تصل إليهم بعد؟ ما الذي يقف بين نجاحها داخل الكلية وتطبيقها في الحقل؟
هذا تحدٍّ حقيقي ليس في كلية الزراعة وحدها، وإنما في البحث الزراعي بصورة عامة. نجاح تجربة في المختبر أو الحقل التجريبي لا يعني تلقائياً أنها أصبحت تقنية جاهزة لكل مزارع.
لدينا في الكلية أمثلة كثيرة على أبحاث تطبيقية، مثل أبحاث مقاومة الجفاف والملوحة، والزراعة المائية، والممارسات المرتبطة بالتربة، وحماية النبات، إضافة إلى تجارب زراعية تنفذ في محطة البحوث. كما توجد مشاريع بحثية لطلبة الدراسات العليا في زراعة نباتات جديدة داخل البيوت البلاستيكية.
لكن المسافة بين البحث والمزرعة تحتاج إلى عدة مراحل: تكرار التجربة، اختبارها في ظروف مزارع مختلفة، حساب كلفتها، تدريب المزارع عليها، توفير مستلزماتها، ثم قياس نتائجها اقتصادياً وبيئياً.
ولهذا فإن الكلية واقسامها ووحداتها وكذلك المكتب الاستشاري الزراعي وضعوا ضمن رسالتهم نقل نتائج البحوث والابتكارات إلى الواقع الميداني، وإنشاء شراكات مع المزارعين والقطاعين الحكومي والخاص.
كيف تعرفون أن خدمات الكلية تصل إلى من يحتاجها فعلًا، بما في ذلك المزارع البعيد عن الجامعة أو الذي لا يتابع أخبارها؟
هذه نقطة مهمة، لأن نجاح خدمة المجتمع لا يقاس بعدد المنشورات التي ننشرها، وإنما بعدد الأشخاص الذين استفادوا فعلاً من الخدمة وغيّروا ممارسة أو حلوا مشكلة.
لدينا نماذج للتدريب خارج مبنى الكلية؛ فالتدريب الخاص بتصنيع الفحم الحيوي مثلاً نُفذ في سفوان واشتمل على جانب عملي داخل مزرعة، كما نفذت الكلية برامج تدريبية للفلاحين والمزارعات في أقضية شمال البصرة بالتعاون مع الدوائر الزراعية واتحاد الجمعيات الفلاحية.
كما أن المكتب الاستشاري الزراعي يضع ضمن أهدافه مؤشرات لقياس الأثر، مثل عدد المشاريع المنفذة وعدد المزارعين الذين تم تدريبهم والتغير في الإنتاجية أو خفض التكاليف.
وهذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن نوسعه: لا ننتظر أن يأتي كل مزارع إلى الجامعة؛ بل نصل إليه من خلال الجمعيات الفلاحية والدوائر الزراعية والورش الميدانية والشراكات والمنصات الرقمية.
ما الحاجة التي تتكرّر في أسئلة الطلبة أو المواطنين، وما زالت الكلية غير قادرة على تلبيتها؟ وما المطلوب لتوفيرها؟
إذا أردنا أن نكون واقعيين، فالحاجة التي تظهر بوضوح هي زيادة المسافة بين التعليم والتطبيق من جهة، وبين البحث العلمي واحتياجات السوق والمزارع من جهة أخرى.
الكلية تمتلك مختبرات ومحطة بحوث وخبرات علمية ومكتباً استشارياً، وهناك نشاط واضح في التدريب وخدمة المجتمع، لكن حجم المشكلات الزراعية في البصرة أكبر من قدرة مؤسسة واحدة على معالجتها منفردة.
نحتاج إلى توسيع التدريب الميداني، وإلى مزيد من المشاريع المشتركة مع المزارعين والشركات والدوائر الزراعية، وإلى تمويل مستمر للبحوث التطبيقية، وإلى تحويل نتائج البحوث الناجحة إلى مشاريع تجريبية في الحقول.
ونحتاج كذلك إلى أن يكون لدينا نظام واضح لاستقبال مشكلة المزارع، وتشخيصها، وإجراء الفحص المطلوب، ثم متابعة النتيجة بعد تقديم التوصية. فالاستشارة الزراعية لا ينبغي أن تنتهي عند إعطاء النصيحة؛ الأفضل أن نعرف: هل نجحت النصيحة؟ وهل انخفضت الكلفة؟ وهل تحسن الإنتاج؟
تظلّ أسئلة هذا الحوار مفتوحة على ما يحدث بعده: طالب يجد فرصة للتدريب، ومزارع يصل إلى تشخيص يحفظ تعب موسمه، وخريج يخطو نحو مشروع مدروس. هناك، في تفاصيل العمل ونتائجه، تكتسب المعرفة قيمتها، ويصبح أثر الجامعة ملموسًا في حياة الناس.
وفي ختام حوارنا، نتقدّم بالشكر إلى عميد كلية الزراعة في جامعة البصرة، الأستاذ الدكتور سرمد غازي محمد الشاوي، على إجاباته وما أتاحه من فرصة للتعرّف إلى إمكانات الكلية وخدماتها، آملين أن يجد القارئ في هذا اللقاء بداية طريق إلى خبرة يحتاجها أو تعاون يثمر على أرضه.



اضف تعليق