تمنحنا محبّة أهل البيت مدخلًا لمراجعة هذه المسافة بين حرارة الوجدان وطريقة المعاملة. ففي يوم نستذكر فيه القاسم (عليه السلام)، يمكن أن نقترب من أمر شديد الحضور في حياتنا: ذلك الاحترام الذي نؤجّله حتى نتأكد من أهمية صاحبه، وتلك الكرامة التي تنتظر معنا في الممر إلى أن يتطوّع أحد بالتعريف بها...

تضعنا ذكرى وفاة القاسم بن الإمام موسى الكاظم (عليهما السلام)، في الثاني والعشرين من جمادى الأولى، أمام سؤال يستحق أن يرافقنا بعد انفضاض المجالس: كم يحتاج الإنسان من التعريف بنفسه حتى ينال احترامنا؟ يأتي أحدهم باسمه، فنطلب وظيفته؛ يذكر وظيفته، فنفتّش عن عائلته؛ وحين تظهر صلةٌ بصاحب نفوذ، يستقر له المقعد وتلين العبارة. كأن الاسم الذي حمله طوال عمره يحتاج إلى اسم آخر يزكّيه عند الباب.

تمنحنا محبّة أهل البيت مدخلًا لمراجعة هذه المسافة بين حرارة الوجدان وطريقة المعاملة. ففي يوم نستذكر فيه القاسم (عليه السلام)، يمكن أن نقترب من أمر شديد الحضور في حياتنا: ذلك الاحترام الذي نؤجّله حتى نتأكد من أهمية صاحبه، وتلك الكرامة التي تنتظر معنا في الممر إلى أن يتطوّع أحد بالتعريف بها.

مكالمة تعيد ترتيب الغرفة

لنتخيّل مراجعًا يقف أمام مكتب منذ الصباح. أوراقه مرتّبة، وحاجته واضحة، والسؤال الذي جاء من أجله يتنقّل معه بين الغرف. يسمع «انتظر» أكثر مما يسمع شرحًا، ويتعلّم من الوجوه متى يصمت، ومن نبرة الإجابة مقدار ما يُسمح له بالاستفسار.

ثم يرنّ الهاتف. يذكر المتصل اسم الرجل، ويطلب الاهتمام به. خلال لحظات، يصبح للانتظار تفسير، وللطلب مسار، وللرجل كرسي. حتى الكلمات التي كانت تخرج متثاقلة تجد فجأة شيئًا من الخفّة.

ما الذي فعلته المكالمة؟ منحت الحاضرين معلومة عن صلاته، فكشفت عن قدرة على اللطف كانت متاحة منذ دخوله. وهذا هو موضع السؤال: لماذا بقيت تلك القدرة معطّلة حتى وصل صوت آخر يطلب تشغيلها؟

تترك مثل هذه المواقف درسًا يتجاوز صاحب المعاملة. يتعلّم المنتظرون أن الأوراق وحدها قد تطيل الطريق، وأن رقمًا محفوظًا في الهاتف يستطيع اختصار المسافة. وهكذا تتكوّن للحقوق أبواب جانبية، ويصبح البحث عن معرفة جزءًا من الاستعداد لمراجعة مؤسسة.

مَن يدفع ثمن العبوس؟

لكل مراجع حياة جاء منها، وحسابات تنتظره بعد الخروج. ربما اقتطع أجرة الطريق من مصروف البيت، أو استأذن من عمل يُحاسَب فيه على الساعة، أو ترك مريضًا ووعده بالعودة سريعًا. يدخل المكتب حاملًا طلبًا ظاهرًا وأعباء يصعب أن تظهر كلها في ملف.

لذلك تحمل عبارة «راجعنا غدًا» كلفة تختلف من شخص إلى آخر. قد تعني رحلة إضافية، وأجر يوم ضائعًا، وترتيبات جديدة لرعاية طفل. وعندما يكون تأجيل المعاملة ضروريًا، يصبح التوضيح جزءًا من المسؤولية؛ أن يعرف صاحبها السبب والخطوة التالية، ويخرج بقدر من اليقين يحفظ جهده.

وتؤدي النبرة دورها أيضًا. يستطيع الموظف أن يشرح نقصًا في الأوراق بطريقة تحفظ لصاحبها ثقته بنفسه، ويستطيع أن يجعل النقص مناسبة لتصغيره أمام الآخرين. هنا تتحدد أخلاق الخدمة في كيفية استعمال المعرفة: أتمدّ لصاحب الحاجة طريقًا، أم تجعله يشعر بالخجل لأنه يجهل إجراءً تعرفه بحكم عملك؟

نفوذ بحجم توقيع

يحمل بعضنا مفاتيح صغيرة لأيام الآخرين: توقيعًا، وموافقة، ودرجة، وإذنًا بالدخول، وفرصةً للكلام. وقد تبدو هذه الصلاحيات اعتيادية لأصحابها، بينما تتعلّق بها شؤون واسعة لدى مَن ينتظرونها.

تكمن حساسية الأمر في التفاوت بين الطرفين. إجراء يستغرق دقيقة على المكتب قد يكلّف صاحبه أيامًا من المراجعة. وملاحظة عابرة في الصف قد تبقى في ذاكرة طالب سنوات. لهذا يحتاج مَن يملك القرار إلى تخيّل أثره من الجهة الأخرى؛ من موقع الشخص الذي ينتظر، ويحسب، ويخشى أن يفسد اعتراضه ما جاء يطلبه.

وفي هذه المساحة تحديدًا تُختبر أخلاقنا. فمَن يحتاج إلينا قد يحتمل جفاءنا، ويبتسم اتقاءً للحرج، ويشكرنا على حقه. ومن السهل أن نخطئ في قراءة هذا الصمت، فنعدّه رضًا. أما المسؤولية فتقتضي أن نحفظ له كرامته قبل أن يضطر إلى الدفاع عنها، وأن نؤدي ما علينا دون أن نحمّله دَينًا من الامتنان.

المحبّة حين تتسلّم الدوام

تستدعي ذكرى القاسم (عليه السلام) حضور أهل البيت في وجدان محبّيهم، وتمنح هذا الحضور فرصة للامتداد إلى تفاصيل العمل والبيت والشارع. وقد يبدأ الامتداد من سؤال شخصي مباشر: مَن يتعب من طبعي؟ مَن يتحسّب من نبرة صوتي؟ وأي حق يتأخر لأن صاحبه يتردد في مطالبتي به؟

تحتاج هذه الأسئلة إلى شجاعة، لأنها تعيد النظر إلى مساحة نملك تغييرها. يسهل أن نتحدث عن قسوة المجتمع، بينما يتطلب الأمر صدقًا أكبر لنتذكر شخصًا أنهينا حديثه قبل أن يكمل، أو عاملًا خاطبناه أمام الناس بما جرحه، أو منتسبًا جعلناه يدفع ثمن مزاجنا.

وحين يعود الإنسان من مجلس الذكرى إلى وظيفته، تعود معه إمكانات الإصلاح: أن يصغي إلى السؤال المكرر دون إهانة صاحبه، وأن يفصل تعبه الشخصي عن معاملة الناس، وأن يفسح للاعتذار مكانًا في قاموسه. هكذا يجد الآخرون نصيبهم من المناسبة؛ في يوم صار أخفّ، وحق أصبح أوضح، وكلمة جاءت في موضع الرفق.

أطفال يحفظون النبرة

يتعلّم الأبناء ترتيب المجتمع من طريقة حديثنا مع أفراده. يحفظون مَن نستقبله واقفين، ومَن نواصل النظر إلى هواتفنا وهو يكلّمنا، ومَن نذكر اسمه باحترام، ومَن نختصره في مهنته.

وقد يلتقط الطفل من حركة عابرة ما يفوق درسًا كاملًا في الأخلاق. يرانا نصبر على حديث صاحب مكانة، ثم نستعجل عاملًا يحاول شرح أمر يخص عمله؛ فيفهم أن الإنصات يُوزَّع وفق المواقع. ويسمعنا نعتذر لشخص بسيط، فيتعلم أن الخطأ يستوجب الاعتذار مهما كانت منزلة صاحبه.

تبدأ من هنا تربية أكثر إنصافًا. من تحية واضحة، وشكر لا يُقال باستعلاء، واحترام جهد مَن ينظّف المكان ويحرسه ويخدمه. هذه التفاصيل تمنح الطفل معيارًا يصحبه إلى المدرسة، فيرى زميله قبل أن يرى ثمن حقيبته، ويقدّر الإنسان دون أن يفتّش عن دخل أسرته.

الباب الذي نملكه

قد تكون مراجعة صغيرة أعمق أثرًا مما نتوقع. أن نتوقف عن سؤال صاحب الحاجة عمّن أرسله، ونبدأ بسؤاله عمّا يحتاج إليه. أن نشرح له حدود ما نستطيع فعله بوضوح. أن نحترم دوره، ونحفظ خصوصيته، ونمنحه فرصةً لإكمال عبارته.

ويستطيع كل واحد منا أن يختار من ذكرى وفاة القاسم بن الإمام موسى الكاظم (عليهما السلام) عهدًا محددًا مع نفسه: حقًا يعيده، أو أسلوبًا يهذّبه، أو اعتذارًا تأخر، أو بابًا اعتاد أن يثقله على الناس فيجعله أيسر.

غدًا، قد يقف أمام أحدنا شخص مجهول العلاقات، بسيط الثياب، قليل الحيلة في تقديم نفسه. سيمدّ أوراقه، أو يسأل عن طريق، أو يحاول شرح حاجة. تلك لحظة تستحق أن نتذكر فيها ما تركته الذكرى فينا، وأن نمنحه احترامه قبل أن يرنّ الهاتف.

اضف تعليق