لماذا نعرف أحياناً ما ينبغي فعله ثم نؤجل الخطوة؟ إن المعرفة وحدها لا تكفي لتغيير السلوك، والإنسان يحتاج أحياناً إلى مساحة يرى فيها نفسه وتجربته من زاوية مختلفة. لا يقوم الكوتشينغ على منح وصفات جاهزة، بل يمثل شراكة مهنية محفزة للتفكير والإبداع تتيح للمستفيد فهم الموقف، وتحديد ما يريد، وفحص الأفكار المؤثرة في اختياراته...

لماذا تعرف أحياناً ما ينبغي عليك فعله، ثم تؤجل الخطوة؟ ولماذا تجد نفسك أمام المشكلة نفسها، مع أنك وعدت نفسك أكثر من مرة بألا تكررها؟ كيف تمتلك خبرة طويلة في عملك، ثم تتردد أمام فرصة تمنحك مجالاً أوسع للتقدم؟ ولماذا تنفق وقتاً كبيراً في التفكير بمشروعك، بينما تظل بعض القرارات الأساسية معلقة؟ هل تحتاج في هذه المواقف إلى نصيحة جديدة، أم إلى طريقة تساعدك على فهم ما يعطّل خطواتك؟ وكيف تكتشف الخيارات التي لم تنتبه إليها، وتحوّل ما تعرفه إلى أفعال تنعكس على حياتك؟

ربما جربت أن تبحث عن إجابة في كتاب، أو تستمع إلى نصيحة صديق، أو تضع خطة جديدة، ثم اكتشفت أن معرفتك بالمشكلة لم تكن كافية لتغيير سلوكك. وربما شعرت أنك تبذل جهداً كبيراً، لكن النتائج لا تتناسب مع الوقت والطاقة اللذين تنفقهما. في مثل هذه التجارب، يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل تعرف فعلاً ما الذي تريد تغييره؟ وهل تفهم الأسباب التي تجعلك تعود إلى السلوك نفسه؟

لفت انتباهي في تجارب العمل والحوار مع الآخرين أن الإنسان قد يمتلك إجابات كثيرة عن مشكلته، لكنه يحتاج أحياناً إلى شخص يساعده على اكتشاف السؤال الذي لم يفكر في طرحه. فبعض الحوارات الأكثر فائدة لا تبدأ بتقديم الحلول، وإنما بإعادة النظر في الطريقة التي نفهم بها المشكلة. وقد تكون نقطة التحول في اكتشاف افتراض ظللنا نعدّه حقيقة، أو ملاحظة عادة اعتدناها حتى لم نعد ننتبه إلى أثرها في قراراتنا.

من هذه المساحة يمكن فهم مفهوم الكوتشينغ، الذي اكتسب حضوراً متزايداً في مجالات تطوير الأفراد والقيادات والمؤسسات. ويعرّفه الاتحاد الدولي للكوتشينغ بأنه شراكة مع المستفيد ضمن عملية محفزة للتفكير والإبداع، تساعده على تعظيم إمكاناته الشخصية والمهنية. ويقوم هذا التصور على علاقة مهنية تعاونية، يكون المستفيد فيها محور العملية وصاحب القرار، فيما يتولى الكوتش تيسير الحوار، وطرح الأسئلة، وتعزيز الوعي، ومساعدته على اكتشاف خياراته وتحويلها إلى خطوات عملية.

وفق هذا التعريف، لا يقوم الكوتشينغ على منح الإنسان وصفة جاهزة لحياته، وإنما على مساعدته في فهم الموقف الذي يواجهه، وتحديد ما يريده، وفحص الأفكار التي تؤثر في اختياراته، ثم بناء مسار يناسب ظروفه وإمكاناته. وقد يبدو هذا الدور بسيطاً للوهلة الأولى، غير أن أثره يرتبط بطبيعة الحوار وجودة الأسئلة وقدرة المستفيد على مواجهة ما يكشفه التفكير من تناقضات.

لماذا نعرف ما نريد ولا نتحرك نحوه؟

أعتقد أن واحدة من أكثر المفارقات التي تستحق التأمل في حياة الإنسان هي المسافة بين ما يعرفه وما يمارسه. فقد تعرف المهارات التي تحتاج إليها حتى تتقدم في عملك، وتتابع الدورات المتخصصة، وتقرأ تجارب الناجحين، ثم تتردد عندما تتاح أمامك فرصة لتحمل مسؤولية أكبر. وقد تدرك أن تنظيم وقتك يحسن أداءك، ثم تجد نفسك تنفق ساعات طويلة في أنشطة تؤخر أهدافك. وربما تعرف أن مشروعك يحتاج إلى تفويض بعض المهام، لكنك تواصل متابعة التفاصيل بنفسك حتى يصبح العمل عبئاً يحد من نموه.

تتداخل وراء هذه الحالات أسباب متعددة. الخوف من الفشل يجعل بعض الأشخاص يفضلون البقاء في مساحة مألوفة، حتى لو كانت نتائجها محدودة. والرغبة في إرضاء الآخرين تدفع بعضهم إلى اختيار أهداف لا تعبر عن أولوياتهم. كما تؤثر العادات الذهنية في طريقة تفسير المواقف؛ فالشخص الذي اعتاد تحميل الظروف مسؤولية كل تعثر قد يجد صعوبة في رؤية القرارات التي ساهمت في المشكلة، ومن اعتاد السعي إلى الكمال قد يؤجل البداية انتظاراً لظروف مثالية يصعب تحققها.

وتضاف إلى ذلك ضغوط الحياة اليومية وتعدد المسؤوليات وتشتت الانتباه. فالإنسان قد يمتلك هدفاً واضحاً، لكنه يفتقر إلى الوقت المنظم الذي يسمح له بالعمل عليه. وقد يعرف ما يحتاج إليه، لكنه لا يستطيع ترتيب الأولويات أو تقسيم الهدف الكبير إلى خطوات قابلة للإنجاز. وفي حالات أخرى، تكون المشكلة مرتبطة ببيئة العمل نفسها، مثل غياب الصلاحيات أو ضعف التواصل أو نقص الموارد. ولهذا يحتاج فهم التعثر إلى النظر في الإنسان وظروفه معاً، حتى لا نحمّله مسؤولية مشكلات تتجاوز قدرته الفردية.

تتضح هذه المسألة في مثال موظف يشتكي من غياب فرص التطور داخل مؤسسته. يبدأ الحديث معه برغبته في الحصول على منصب أعلى، ثم يتسع لفحص تجربته: ما المهارات التي يمتلكها؟ ما الملاحظات التي تلقاها من إدارته؟ ما المبادرات التي قدمها؟ وكيف يتعامل مع المهام التي تتطلب مسؤولية إضافية؟ ربما يكتشف أن فرصاً متاحة مرت أمامه من دون أن يتقدم إليها، أو أن علاقته بمديره تحتاج إلى حوار مهني واضح، أو أن هدفه يحتاج إلى مسار تدريجي يبدأ بتطوير مهارة محددة. تتغير صورة المشكلة مع تغير الأسئلة، ويصبح أمامه مجال أوسع للاختيار والعمل.

وفي حالة أخرى، يمكن أن نتصور صاحب مشروع صغير يدير معظم تفاصيل نشاطه بنفسه، ويشعر أن العمل يتوقف كلما ابتعد عنه. قد يعتقد أن الحل يكمن في زيادة ساعات العمل، بينما تكشف مراجعة تجربته أن المشكلة ترتبط بطريقة توزيع المسؤوليات. وعندما يفحص المهام التي تستنزف وقته، ومخاوفه من تفويضها، ومستوى الثقة الذي يمنحه للعاملين، يستطيع أن يرى خياراً مختلفاً: بناء نظام عمل يوزع المسؤوليات ويمنحه وقتاً للتخطيط والتطوير. هذا النوع من الاكتشاف يعيد توجيه الجهد نحو المشكلة التي تحتاج إلى معالجة فعلية.

وتبرز المسألة أيضاً في حياة شاب يختار تخصصاً جامعياً استجابة لتوقعات أسرته، ثم يكتشف بعد سنوات أن اهتماماته المهنية تسير في اتجاه آخر. وقد يستمر موظف في مسار لم يعد ينسجم مع طموحه، أو يؤجل شخص مشروعاً خاصاً خوفاً من نظرة المحيطين إليه. يساعد الحوار المنظم على فحص هذه المؤثرات، والتمييز بين الرغبات الشخصية والتوقعات الخارجية، وفهم النتائج التي يتحمل الفرد مسؤوليتها. ومع ذلك، تبقى الظروف الاقتصادية والاجتماعية عوامل حقيقية ينبغي إدخالها في التحليل؛ فالإرادة وحدها لا تزيل العوائق التي تحتاج إلى موارد أو قرارات مؤسسية.

ماذا يحدث داخل جلسة الكوتشينغ؟

لنتصور أنك دخلت جلسة وأنت تحمل مشكلة مهنية محددة. ربما تقول إنك تريد أن تكون أكثر نجاحاً في عملك، أو أنك تواجه صعوبة في إدارة فريقك، أو أنك تفكر في تغيير مسارك الوظيفي. يبدأ الحوار بتوضيح ما تعنيه هذه الرغبة بالنسبة إليك: كيف تعرف أنك حققت النجاح؟ ما الذي تريد تغييره تحديداً؟ ما الذي جربته سابقاً؟ وما الخيارات التي لم تختبرها بعد؟

تساعد هذه الأسئلة على الانتقال من التعبير العام إلى فهم أكثر تحديداً. فعبارة (أريد أن أتطور) تحتاج إلى توضيح، وهدف (أريد أن أصبح قائداً ناجحاً) يحتاج إلى مؤشرات يمكن ملاحظتها. وقد تكتشف أن ما تريده فعلاً هو تحسين قدرتك على اتخاذ القرار، أو تطوير مهارات التواصل، أو بناء علاقة أكثر فاعلية مع فريقك. ومع وضوح الهدف، يصبح من الأسهل تحديد الخطوات التي يمكن اختبارها ومراجعة نتائجها.

يطرح الكوتش أسئلة مفتوحة، ويستمع إلى الإجابات، ويتابع الأفكار التي تتكرر، ويساعدك على ملاحظة الافتراضات التي تؤثر في قراراتك. وقد يسألك: ما الدليل الذي تستند إليه في هذا الاعتقاد؟ ماذا يحدث إذا نظرت إلى الموقف من زاوية أخرى؟ ما الذي تستطيع التأثير فيه؟ وما الخطوة التي يمكنك البدء بها الآن؟ تكمن أهمية السؤال في أنه يفتح مجالاً للتفكير، لا في أنه يحمل إجابة مخفية ينتظر الكوتش منك اكتشافها.

وهذا ما يميز الكوتشينغ عن الاستشارة والتدريب والإرشاد المهني. فالمستشار يقدم معرفة وتوصيات في مجال يمتلك فيه خبرة متخصصة، والمدرب ينقل مهارات ومعلومات وفق برنامج تعليمي، والمرشد المهني يستند إلى خبرته لمساعدة شخص أقل خبرة في مجال معين. 

أما الكوتش فيركز على عملية التفكير وتحديد الأهداف واكتشاف الخيارات وتحمل مسؤولية التنفيذ. ويمكن أن تتكامل هذه الأدوار داخل المؤسسات، بشرط وضوح طبيعة الخدمة وما ينتظره المستفيد منها.

متى يصبح الحوار تغييراً حقيقياً؟

أميل إلى الاعتقاد أن قيمة الكوتشينغ لا تتحدد بما يشعر به الإنسان أثناء الجلسة، وإنما بما يستطيع فعله بعدها. فالفكرة التي تبدو مقنعة أثناء الحوار تحتاج إلى اختبار في الحياة اليومية. وإذا اكتشفت أنك تتجنب المواجهات المهنية، فقد تكون خطوتك التالية إجراء محادثة مؤجلة. وإذا أدركت أن أهدافك مشتتة، يمكنك إعادة ترتيب أولوياتك. وإذا تبين لك أن الخوف من الخطأ يعطلك، تستطيع البدء بتجربة محسوبة تسمح لك بالتعلم.

لهذا يرتبط الكوتشينغ بالعمل بين الجلسات. يتفق المستفيد على خطوة عملية، ثم يعود لمراجعة ما حدث، وما واجهه من صعوبات، وما تعلمه من التجربة. تتكون العملية من حلقات متتابعة: فهم، واختيار، وتجربة، ومراجعة. وقد تكشف الخطوة المتعثرة عن عائق لم يكن واضحاً، أو عن هدف يحتاج إلى إعادة صياغة، أو عن خطة لا تتناسب مع ظروف الشخص.

فإذا اتفقت مع الكوتش على تحسين طريقة إدارتك للفريق، يمكن أن تبدأ بتفويض مهمة محددة، ثم تراقب أثر ذلك في أداء العاملين وفي وقتك الشخصي. وإذا كان هدفك تطوير مسارك المهني، يمكنك إعداد خطة تتضمن مهارة تحتاج إلى تعلمها، وشخصاً تحتاج إلى التواصل معه، وفرصة مهنية تريد التقدم إليها. وعند مراجعة التجربة، ستتمكن من معرفة ما نجح وما يحتاج إلى تعديل. بهذه الطريقة يصبح التقدم قابلاً للملاحظة، بدلاً من أن يبقى حماساً مؤقتاً يصاحب نهاية الحوار.

ومع ذلك، ينبغي ألا نعد كل انزعاج يشعر به المستفيد علامة على نجاح الكوتشينغ. فقد يكون السؤال صعباً لأنه يلامس موضوعاً حساساً، وقد يكون أسلوب طرحه غير ملائم، أو قد يحتاج الشخص إلى نوع آخر من الدعم. فالحوار المهني الجيد يحترم حدود الإنسان، ويتيح له الاختلاف والتوقف، ولا يستخدم الضغط أو الإحراج وسيلة لفرض التغيير.

حدود الممارسة ومسؤولية الاختيار

يحتاج الكوتشينغ إلى ضوابط مهنية تحمي المستفيد. ينبغي الاتفاق مسبقاً على الأهداف والأدوار والسرية والتكاليف وحدود العلاقة، مع احترام حق الشخص في الاختلاف أو التوقف. كما ينبغي أن يدرك الكوتش حدود اختصاصه؛ فالكوتشينغ لا يحل محل العلاج النفسي أو الرعاية الطبية، والمشكلات المرتبطة بالاضطرابات النفسية أو الصدمات أو الأزمات الحادة تحتاج إلى مختصين مؤهلين. وتؤكد مدونة أخلاقيات الاتحاد الدولي للكوتشينغ أهمية الاتفاق الواضح، وحماية المعلومات، والنزاهة المهنية، وتجنب تضارب المصالح.

ومن حقك أن تسأل عن تأهيل الكوتش، وخبرته، وطبيعة المنهج الذي يستخدمه، والنتائج التي يمكن توقعها. ومن حقك أيضاً أن تعرف كيف تُحمى خصوصيتك، وما حدود السرية، وما الذي يحدث إذا اتضح أن مشكلتك تحتاج إلى مختص آخر. فالعلاقة المهنية السليمة تقوم على الثقة والوضوح، وتمنحك مساحة للتفكير واتخاذ القرار باستقلالية.

وفي المؤسسات، يمكن توظيف الكوتشينغ لتطوير القيادات، ومساندة الموظفين في الانتقال إلى مسؤوليات جديدة، وتحسين التواصل داخل الفرق، وبناء ثقافة تشجع التعلم وتحمل المسؤولية. وتزداد جدواه عندما يرتبط بأهداف العمل ومؤشرات الأداء، ويُقدَّم ضمن بيئة تحترم الإنسان وتتيح له التعبير عن التحديات التي يواجهها. فالمؤسسة التي تطلب من موظفيها تطوير قدراتهم تحتاج أيضاً إلى مراجعة الإجراءات التي تعيق هذا التطور، وتوفير فرص حقيقية لتطبيق المهارات الجديدة.

كيف تبدأ الاستفادة منه؟

إذا كنت تفكر في خوض تجربة الكوتشينغ، فابدأ بتحديد القضية التي تريد العمل عليها. اكتبها بوضوح، وحدد ما الذي ترغب في تغييره، وما النتيجة التي ستجعلك تشعر بأنك أحرزت تقدماً. ابحث بعد ذلك عن كوتش يمتلك تأهيلاً مهنياً واضحاً وخبرة مناسبة، واسأله عن منهجه وطبيعة الجلسات والنتائج المتوقعة.

اختر هدفاً قابلاً للمراجعة، مثل تحسين مهارة قيادية، أو اتخاذ قرار مهني، أو تنظيم الأولويات، أو تطوير طريقة إدارة مشروعك. واتفق على مدة مناسبة لمراجعة التجربة، ثم قيّم ما تحقق وفق التغير الفعلي في قراراتك وسلوكك، ومدى وضوح الخيارات أمامك، وقدرتك على مواصلة العمل باستقلالية.

وأقترح أن تبدأ بسؤال واحد تكتبه لنفسك: ما الأمر الذي أعرف أنني أحتاج إلى تغييره، لكنني أواصل تأجيله؟ ثم اسأل: ما الذي يجعلني أؤجله؟ ما الجزء الذي أستطيع التأثير فيه؟ وما أصغر خطوة عملية يمكنني تنفيذها خلال الأيام السبعة المقبلة؟ قد لا تحتاج في البداية إلى إجابة كاملة؛ يكفي أن تخرج من دائرة التفكير المتكرر إلى تجربة محددة تستطيع مراجعتها.

أعود إلى السؤال الذي بدأنا منه: لماذا تعرف أحياناً ما ينبغي عليك فعله، ثم تؤجل الخطوة؟ ربما لأن المعرفة وحدها لا تكفي، ولأن الإنسان يحتاج أحياناً إلى مساحة يرى فيها نفسه وتجربته من زاوية مختلفة. يمنح الكوتشينغ هذه المساحة عبر حوار مهني يساعد على فهم المشكلة، وتوسيع الخيارات، واختبار القرارات في الواقع. فالكوتشينغ لا يغيّر حياتك نيابة عنك؛ إنه يساعدك على فهم الطريقة التي تدير بها حياتك، ورؤية الخيارات التي تملكها، ثم تحويل اختيارك إلى عمل تتحمل مسؤوليته.

اضف تعليق