يتناول المقال أثر المحاصصة في انفصال النخبة السياسية عن المجتمع، عبر تقديم الولاء على الكفاءة، وتقاسم الريع، وتوظيف الهويات الفرعية. ويرصد تآكل الشرعية، وضعف مؤسسات الدولة، وتصاعد الاحتقان الاجتماعي. ويدعو إلى إصلاح النظام الانتخابي، وتفعيل الرقابة، وترسيخ سيادة القانون، ومحاسبة المسؤولين، وتمكين الإعلام والمجتمع المدني، للانتقال من التخويف وتقاسم...
حين تنفصل النخبة السياسية عن الواقع الذي يعيشه المواطنون، لا تبقى المشكلة محصورة في تقدير خاطئ للأولويات، بل تمتد إلى طريقة اختيار المسؤولين وصنع القرار وتوزيع الموارد. وفي نظام يقوم على المحاصصة، تتداخل مصالح القوى المتقاسمة للسلطة مع ضعف المساءلة، فتتسع المسافة بين المؤسسات والمجتمع، وتصبح قدرة الدولة على الاستجابة للأزمات موضع اختبار.
المحاصصة وآليات انفصال النخبة عن الواقع
يشكّل نظام المحاصصة، سواء أكانت سياسية أم حزبية أم عرقية طائفية، بيئة حاضنة ومنتجة لظاهرة اغتراب النخبة (Elitist Alienation) عن الواقع المجتمعي، وذلك عبر عدة آليات بنيوية. تتمثل الآلية الأولى في شرعية الانتماء البديلة عن شرعية الكفاءة؛ إذ يتيح نظام المحاصصة للنخب صعودًا سياسيًا وإداريًا مدفوعًا بالولاء للكيانات الحزبية أو المكونات الضيقة، لا بالاستحقاق المهني أو الكفاءة، مما يلغي آليات التغذية العكسية (Feedback Loops) التي تربط الحاكم بالمحكوم.
وتتمثل الآلية الثانية في اقتصاد الريع وتأمين المصالح المتمتعة بالحصانة؛ إذ يضمن نظام المحاصصة للنخب شبكات أمان مالية وسياسية قائمة على تقاسم المغانم الريعية، مما يجعلها معزولة عن المعاناة اليومية للمواطنين، بما فيها البطالة وضعف الخدمات والتضخم. ويخلق ذلك فجوة معيشية ونفسية تنفصل فيها اهتمامات النخبة عن تطلعات القاعدة الشعبية.
أما الآلية الثالثة فهي تأسيس شرعية تعبئوية تقوم على الهوية الصراعية؛ إذ تلجأ النخب في ظل المحاصصة إلى تدوير الأزمات واستدعاء الهويات الفرعية، الطائفية والعرقية والجهوية، لتبرير بقائها. ويعطّل ذلك التفكير العقلاني في حل المشكلات التنموية الحقيقية، ويغرق النخبة في صراعات وهمية بعيدة عن نبض الشعب وتطلعاته.
أثر الانفصال على مستقبل الدولة
يؤدي هذا الانفصال البنيوي إلى تداعيات خطيرة تهدد كيان الدولة ووظيفتها الأساسية. أولها تآكل الشرعية السياسية وأزمة الثقة؛ إذ يتحول النظام السياسي من كيان يخدم المصلحة العامة إلى شركة محاصصة لا تُدار بمنظور وطني، مما ينتج أزمة شرعية عميقة تفضي إلى قطيعة تامة وعزوف شعبي واسع عن المشاركة السياسية.
ويتمثل الأثر الثاني في تراجع كفاءة صنع القرار ومخاطر الفشل المؤسسي؛ إذ إنه في غياب المعيارية والمحاسبة، تتحلل مؤسسات الدولة لصالح مراكز قوى حزبية وشخصية، مما يفقد الدولة قدرتها على استشراف الأزمات وإدارتها، ويهدد بالوصول إلى مرحلة الدولة الهشة أو الفاشلة.
ويتمثل الأثر الثالث في مآلات الانهيار والانفجار الاجتماعي؛ فتراكم الاستخفاف بالواقع، وغياب العدالة التوزيعية، واستمرار تهميش الأجيال الصاعدة، ينذر بانفجارات اجتماعية دورية قد تهدد وجود مؤسسة الدولة، وتُهلك البنيان المؤسسي والسلم الأهلي للدولة.
تفكيك آليات الاستخفاف والانتقال إلى شرعية الإنجاز
تتطلب عملية الانتقال من نسق الحكم التقليدي القائم على الاستخفاف والإكراه إلى نسق الحوكمة الراشدة مستويين من المدخلات: مدخلات هيكلية ومؤسسية، ومدخلات أخلاقية وثقافية.
المدخلات الهيكلية والمؤسسية: يبدأ تفكيك آليات الاستخفاف وتقاسم المغانم بإصلاح النظام الانتخابي والسياسي؛ إذ لا بد من الانتقال من ديمقراطية المحاصصة والتوافقية المعطلة إلى الديمقراطية البرامجية والتنافسية، التي تُخضع النخب للمساءلة الشعبية عبر صناديق الاقتراع، بناءً على مؤشرات الأداء والأرقام، لا الهويات.
ويقتضي ذلك تفعيل الرقابة المستقلة وتجفيف منابع الفساد، ببناء منظومة نزاهة وطنية محصنة ضد التسييس، تعتمد الشفافية المطلقة في إدارة الموازنات والعقود الحكومية، ورفع الحصانات القانونية عن مرتكبي الهدر المالي والسياسي. كما يتطلب تكريس مبدأ سيادة القانون عبر بناء دولة المؤسسات التي لا تستقوي فيها الأحزاب أو الميليشيات أو النخب الحاكمة على القانون، وضمان استقلال تام للسلطة القضائية بوصفها الضامن الأساس لحقوق الأفراد وحماية المجال العام.
المدخلات الأخلاقية والثقافية: يتمثل المدخل الأول في التحول إلى شرعية الإنجاز والمسؤولية، عبر إعادة تعريف الشرعية السياسية على أساس الأداء، بسحب الشرعية التاريخية أو الهوياتية واستبدالها بشرعية الإنجاز (Performance Legitimacy). وبذلك يُقاس نجاح السياسي بقدرته على تحسين جودة الحياة، وتوفير فرص العمل، والارتقاء بالبنى التحتية والخدمات.
ويتمثل المدخل الثاني في إحياء المسؤولية الأخلاقية والضمير الجمعي للنخب، من خلال ترسيخ ميثاق شرف أخلاقي ووطني يُلزم النخب بتقديم الاستقالة السياسية أو تحمّل المسؤولية الأدبية والقانونية عند الإخفاق، بدلًا من ثقافة الهروب إلى الأمام والتنصل من التبعات.
أما المدخل الثالث فهو تمكين المجتمع المدني والإعلام المهني؛ إذ لا بد من دعم الرأي العام الواعي، وتشجيع الصحافة الاستقصائية والمنصات الأكاديمية والفكرية لكشف أشكال الاستخفاف والتضليل السياسي، وخلق رأي عام ضاغط يمتلك القدرة على تقويم المسار السياسي وفرض الإرادة المجتمعية.
في المحصلة، يتوقف تجاوز اغتراب النخبة على تفكيك المحاصصة وآليات الاستخفاف، وإقامة حكم تُقاس شرعيته بالإنجاز والمسؤولية الأخلاقية.



اضف تعليق