ليس كل قرار يبدو صحيحاً على الورق يكون مناسباً لواقع الناس؛ فبين الفكرة وتنفيذها مسافة واسعة لا تكشفها التقارير الرسمية ولا الاجتماعات التي تنتهي بالإجماع الشكلي. إن القرارات الحكومية المصيرية -كقرار تعديل سعر صرف الدينار الأخير- لا تُقاس بسلامة مبرراتها المالية فقط، بل بقدرتها على التكيف الإنساني وحماية القوة الشرائية للمواطنين...

ليس كل قرار يصدر عن جهة مسؤولة يحقق بالضرورة النتائج التي وُضع من أجلها، وليس كل إجراء يبدو صحيحا على الورق يكون مناسبا لواقع الناس، فبين الفكرة وتنفيذها مسافة قد تكون واسعة، لا تكشفها الدراسات السريعة ولا الاجتماعات التي تنتهي بإجماع الحاضرين، وإنما تكشفها دراسة جادة تنظر إلى القرار من مختلف جوانبه، وتختبر آثاره قبل أن يتحول إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.

القرارات المهمة ولا سيما الحكومية منها، لا ينبغي أن تُقاس فقط بمدى سلامة أهدافها أو وجاهة المبررات التي استندت إليها، وإنما بقدرتها على تحقيق تلك الأهداف، وبحجم ما قد تتركه من آثار اقتصادية واجتماعية وإنسانية على حياة المواطنين.

وهنا تبرز الحاجة إلى اعتماد آلية مؤسسية واضحة لدراسة القرارات المهمة قبل إقرارها، من خلال لجان متخصصة تضم خبراء في القانون والاقتصاد والإدارة والمجتمع، إلى جانب أشخاص يمتلكون خبرة عملية في الميدان، وممثلين عن الفئات التي ستتأثر بالقرار بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فالموظف الذي سيطبق القرار يرى تفاصيل قد لا ينتبه إليها واضعه، والمواطن الذي سيتحمل نتائجه يمتلك معرفة بواقعه قد لا توفرها التقارير الرسمية.

السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي قرار مهم هو: من المستفيد منه، ومن سيتضرر بسببه؟ وما البدائل المتاحة لتحقيق الهدف نفسه بكلفة أقل وأضرار محدودة؟ وما انعكاساته على أصحاب الدخل المحدود والموظفين والمتقاعدين، وأصحاب الأعمال، وسائر الفئات المعنية؟ وهل يمتلك الناس القدرة على التكيف معه، أم أنه سيفرض عليهم أعباء تتجاوز إمكاناتهم؟

هذه الأسئلة ليست عوائق أمام الإصلاح، وإنما أدوات لضمان نجاحه، فالقرار الذي يحقق منفعة عامة مع إغفال الأضرار التي يتحملها بعض المواطنين قد يحتاج إلى تعديلات أو استثناءات أو إجراءات تعويضية تضمن عدالة تطبيقه، والقرار الذي يبدو ضروريا في ظرف معين قد توجد بدائل أخرى تحقق الغاية نفسها من دون إحداث اضطراب اجتماعي أو اقتصادي أكبر من المتوقع.

وتزداد أهمية هذا النهج عند النظر إلى القرارات الحكومية الأخيرة في العراق، فقرار تعديل سعر صرف الدينار، الذي أُعلن في الشهر الحالي على سبيل المثال، يرتبط باعتبارات مالية وإيرادات الدولة، لكنه يرتبط أيضا بكلفة الاستيراد والأسعار والقوة الشرائية للأسر.

ومن هنا فإن تقييمه لا يكتمل بالنظر إلى الحسابات المالية وحدها، وإنما يتطلب كذلك دراسة أثره في معيشة المواطنين، وتحديد الفئات الأكثر تأثرا، وبيان الإجراءات التي يمكن أن تحد من الأعباء الواقعة عليها، وكذلك فإن القرارات المتعلقة بالموازنة والمشروعات والخدمات العامة تحتاج إلى تقدير آثارها المباشرة وغير المباشرة، ومدى انعكاسها على حياة الناس في الحاضر والمستقبل.

ولا يعني ذلك الحكم مسبقا على صواب قرار بعينه أو خطئه، وإنما التأكيد على أن نجاح القرارات العامة يتطلب رؤية شاملة تتجاوز الهدف المباشر إلى النتائج المحتملة، وتوازن بين المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية والقدرة على التنفيذ.

لكن هناك جانبا آخر لا يقل أهمية، وربما يكون الحلقة المفقودة في كثير من آليات صنع القرار، وهو غياب الدور المنظم للاعتراض والنقد داخل اللجان التي تتولى دراسته.

لماذا لا تضم هذه اللجان أشخاصا تُسند إليهم مهمة البحث عن نقاط الضعف، واختبار الفرضيات، وتقديم الحجج المضادة، واقتراح السيناريوهات التي قد تجعل القرار أقل فاعلية أو أكثر ضرراً؟ ولماذا لا يُطلب منهم الاعتراض حتى عندما يكونون مقتنعين بالفكرة الأساسية، من أجل اختبار متانتها وكشف ما قد يغيب عن أصحابها؟

وجود هذا الدور لا يعني التشكيك في النيات أو تعطيل العمل، وإنما يمثل شكلا من أشكال المسؤولية المهنية، فالقرار الذي يصمد أمام النقد الجاد، ويجيب عن الأسئلة الصعبة، يكون أكثر استعداداً لمواجهة الواقع من قرار لم يُختبر سوى في بيئة تتشابه فيها الآراء وتتفق فيها التقديرات.

نحن لسنا بحاجة إلى لجان تتفق على كل شيء، وإنما إلى عقول تختلف قبل اتخاذ القرار، وتناقش احتمالات نجاحه وفشله، وتضع أمام المسؤول صورة واضحة للمكاسب والتكاليف والبدائل. ونحتاج أيضاً إلى أن تكون لهذه اللجان منهجية عمل معلنة، ومعايير محددة للتقييم، وتوصيات مكتوبة توضح أسباب الاختيار والمخاطر المتوقعة، مع مراجعة النتائج بعد التنفيذ وتصحيح المسار عند الحاجة.

فالاختلاف داخل غرفة القرار قد يوفر على المجتمع خلافا أوسع في الشارع، والنقد قبل التنفيذ قد يجنب المؤسسات كلفة المعالجة بعد وقوع الضرر، أما تجاهل الآثار الإنسانية والاجتماعية، فقد يجعل قرارا صُمم لتحقيق غاية مشروعة مصدرا لمعاناة كان بالإمكان الحد منها أو تجنبها.

القرار الجيد ليس ذلك الذي لا يعترض عليه أحد، وإنما الذي دُرس بما يكفي، واختُبر من زوايا متعددة، وأُخذت فيه مصالح الناس وقدرتهم على التكيف بعين الاعتبار، وقبل أن نسأل الناس لماذا لم يتقبلوا القرار، علينا أن نسأل أنفسنا: هل درسنا القرار بما يكفي قبل أن نطلب منهم تحمل نتائجه؟


اضف تعليق