فلسفة النظام في الإسلام.. من انتظام الوجود إلى بناء الاستقرار

قراءة في خطبة السيدة الزهراء عليها السلام

تقوم فلسفة النظام في الإسلام على الانسجام مع السنن الإلهية وربط انتظام حياة الإنسان بالعدل والعقل والقيادة الصالحة. وتوضح خطبة السيدة الزهراء عليها السلام أن الطاعة الواعية تحفظ وحدة الأمة وتنسق علاقاتها. ويتحقق الاستقرار بالتقوى وصلاح ذات البين والتعاون وتحويل المعرفة إلى التزام عملي، بينما يؤدي الظلم والفوضى...

يقوم الوجود على نظام دقيق تنتظم فيه حركة الأشياء وفق سنن وقواعد، وتستقيم حياة الإنسان بقدر وعيه بهذه السنن والتزامه بها. وفي الرؤية الإسلامية، تتصل فلسفة النظام بالعدل الذي يحفظ الحقوق وينسق العلاقات، وبالعقل الذي يدرك الأسباب والمسببات، وبالقيادة الصالحة التي تطبق المنهج الإلهي وتقود المجتمع نحو الاستقرار. ومن هذا الترابط يتأسس السلام، حين تتحول القيم إلى قواعد تحكم السلوك، وتضبط المصالح، وتمنع التنازع والاستئثار.

وقد جمعت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام أصول هذا البناء، فربطت انسجام القلوب بالعدل، وانتظام الأمة بالطاعة، وأمانها من التفرق بالإمامة. وتتكامل هذه المعاني مع وصية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، حيث يقترن انضباط الإنسان في سلوكه بانتظام شؤون الجماعة وإصلاح علاقاتها. وعلى هذا الأساس، تتضح الصلة بين النظام والسلام؛ فحين تسود العدالة وتستقيم القيادة ويقوم الالتزام على الوعي، تتعزز الثقة ويترسخ الأمان، وحين تختل هذه الأصول تتسع الفوضى وينتشر الظلم والقلق.

ومن هنا يتناول هذا البحث مفهوم النظام في الرؤية الإسلامية، وموقعه بوصفه قيمة دينية واجتماعية، وصلته بالنظام الكوني الذي يشكل الإطار الشامل للوجود، ثم آثاره في بناء الإنسان وتنظيم المجتمع وترسيخ السلام والاستقرار. وتتصل هذه المحاور بمعاني العدل والطاعة والإمامة، وبما تقتضيه من وعي والتزام في السلوك الفردي والحياة الاجتماعية.

خطبة الزهراء وخارطة النظام

تقول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في خطبتها: «فجعل الله... والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً للفرقة»(1). وتجمع هذه الكلمات بين العدل والطاعة والإمامة، وما يتحقق بها من تنسيق للقلوب ونظام للملة وأمان من الفرقة.

خطبة الزهراء سلام الله عليها وثيقة تاريخية عظيمة، ومن أهم الوثائق التي ترسم مسار الأمة، وتحمل في مضامينها خطة وخارطة طريق للمستقبل. فهي وثيقة تاريخية من الماضي، وعمل وإرشاد لنا في الحاضر، وتخطيط وخارطة طريق لما ينبغي أن تكون عليه حياتنا في المستقبل. وقد أرادت الزهراء سلام الله عليها من هذه الخطبة أن تبين أن الانحراف عن طريق أهل البيت وعن القرآن الكريم وعن الإسلام سيؤدي إلى الفوضى المطلقة، لأن الإسلام في ذاته وجوهره وقيمته يقوم على النظام والتنظيم والترتيب.

ولذلك نبهت إلى أن من أكبر الأخطار التي سوف يقع فيها المسلمون بسبب هذا الانحراف الوقوع في الفتنة. وتظهر الفتنة في اختلاط الحق بالباطل، والخير بالشر، والحلال بالحرام، فتحدث ضبابية بين الحق والباطل، وعشوائية في التمييز بينهما. ومعنى أن يُفتن الإنسان أنه لا يعرف موضع الحق، ولا يميز خيره من شره، ولا يعرف الحق من الباطل والحلال من الحرام. فالإنسان المفتون تختلط عليه المعايير، حتى يختلط عليه كل شيء بكل شيء. فأرادت أن تبين ذلك الخطر العظيم المتمثل في الفتنة التي اختط طريقها من انحرف عن الإسلام وأوقع الناس في الفوضى.

وتقول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في جانب من خطبتها: «وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهمال سنن النبي الصفي». ففي إهمال هذه السنن يتجلى الانحراف عن القواعد التي تحفظ انتظام الحياة.

ومع أن خطبة الزهراء سلام الله عليها تبين القانون والعدل والمسار الصحيح والطريق الذي يؤدي إلى بر الأمان، فإن كثيراً من الناس يتجاهلونها اليوم. كما يقل تناول خطباء المنابر لها، مع ما يتضمنه هذا الموضوع من أهمية، وما يستدعيه من عناية تتناسب مع مكانته.

ويرتبط هذا التجاهل بقضية المخاطر والعواقب؛ فالقرآن الكريم يكرر التحذير من العواقب، ويحذر من المخاطر التي قد يقع فيها الإنسان، لكن انشغال الإنسان بيومياته قد يغفله عن أهمية القواعد والقوانين. ويتضح تجاهل المخاطر وإهمال القواعد في مثال قيادة السيارة: عندما يقود سيارته في الشارع، ويسير بطريقة نظامية ومرتبة، ويراعي قوانين المرور، ولا يكون مسرعاً ولا مستعجلاً، فإن هذا الإنسان يصل في النهاية إلى بيته بأمان.

أما الإنسان المغرور المتهور والجاهل، فإنه يحاول أن يكون مسرعاً، وأن يصل في الوقت الذي يريده، فيعبر الإشارة الحمراء، ويتجاهل القوانين، ويسير في الاتجاه المعاكس، ولهذا يقع في المخاطر. وهذه هي الفوضى التي يصنعها الإنسان باختراق القانون وتجاوزه والتمرد عليه، وكذلك الحياة تجري وفق هذه العلاقة بين الالتزام بالقواعد ونتائج مخالفتها.

النظام والميزان الكوني

النظام هو الذي يحقق السلام والاستقرار والهدوء، لأن تحقيق النظام هو تحقيق التوازن والعدالة. ومفهوم النظام هنا هو تحقيق الانسجام مع النظام الكوني الدقيق الذي يشكل الإطار الشامل لكل الوجود، كما في قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ يس/40. ولا بد للإنسان المختار أن يعمل في دائرة هذا الإطار حتى يحقق النتائج الجيدة.

قد يعاتب بعض الناس اليوم على وجود هذه الفوضى في حياتنا، مع أن الله سبحانه وتعالى هو العادل الرحيم الغفور. إن الله سبحانه وتعالى أقام الوجود على النظام، وجعل انتظامه مظهراً من مظاهر عدله وحكمته. فالنظام الإلهي يحرك الكون كله بدقة تكوينية متناهية، بحيث إن هذه الشمس عندما تشرق علينا تشرق بدقة كاملة، ولو اقتربت بمقدار بسيط، لاحترقت الأرض او انتهت الحياة فيها. وهذه الدقة تكشف عن تصميم بالغ الإحكام في نظامه ودقته، والكون كله منظم بهذه الطريقة.

ويبين القرآن الكريم هذا الميزان بقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾، الرحمن: 7–9. فتحقيق التوازن بين الإطار التكويني والوجود الإنساني هو النظام، ولذلك تسمى القواعد والقوانين بالنظم، لأن المقصود منها حفظ الحقوق والعدالة. 

فالأجرام السماوية تسير وفق مقادير دقيقة وقوانين تضبط حركتها وتحفظ توازنها، ويقوم استمرار الحياة على الأرض على انتظام هذا التوازن، الذي قد يؤدي اختلاله الجوهري إلى فقدان الظروف الملائمة للحياة. وكما ينتظم الوجود الكوني بسنن وقواعد تكوينية، فإن المجتمعات البشرية محكومة بسنن وقواعد اجتماعية منبثقة من تلك القواعد التكوينية، ويكون انتظام حياتها بقدر انسجامها معها والتزامها بمقتضياتها.

فالقوانين التكوينية والاجتماعية والإنسانية تقوم على نظام دقيق تنتظم فيه الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات، وتترابط عناصره وفق قوانين وقواعد تحكم حركة الكون والحياة. ومن هنا، فإن وصف هذه الحركة بالعشوائية، بمعنى انعدام النظام وانتفاء الأسباب، يغفل عن القواعد التي تقوم عليها؛ فالعشوائية بهذا المعنى تعني غياب ما يفسر وجود الأشياء وحركتها وترابطها، بينما يقوم الوجود على علاقات وأسباب تترتب عليها نتائجها.

النظام والميزان الاجتماعي

ويمتد هذا المعنى إلى الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والنفسية والصحية، إذ يخضع كل جانب منها لقوانين وسنن ثابتة تؤثر في مساره ونتائجه. ولذلك فإن معرفة هذه القوانين والعمل بمقتضاها يجعلان حياة الإنسان أكثر انتظاماً وترتيباً وتنسيقاً، ويحققان الانسجام بين سلوكه والنظام الذي يحكم وجوده. وهذا اشارت اليه خطبة السيدة الزهراء سلام الله عليها، في معنى النظام وكيفية تشكيله لتحقيق الاستقرار والسلام.

فالقانون الإلهي يقوم على نظام محكم وتوازن دقيق، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا التوازن بالميزان الذي تنتظم به حركة الحياة. ومن هذا الأساس جاءت قوانين الإسلام مطلقة في مبادئها ومتوازنة في أحكامها، تستمد أصولها من عدل الله سبحانه وتعالى، وتنسجم مع القيم والسنن التي أقام عليها النظام الكوني. وبذلك تتكامل الأحكام والإرشادات الشرعية مع القواعد التكوينية في توجيه حياة الإنسان، ليكون سلوكه منسجماً مع النظام الذي يحكم وجوده.

ويتضح ذلك في مثال الفيزيائي الذي يبين أن طيران الطائرة يتطلب صناعة محرك قوي يستطيع أن يتجاوز أثر قانون الجاذبية، لأن هناك قانوناً موجوداً، هو قانون الجاذبية في الفيزياء. وهذا قانون مطلق، لا يستطيع أحد أن يتجاوز أثره إلا بقوة أكبر من قوة الجاذبية. وتبين هذه القواعد أنه لا يمكن لأحد أن يقول: سأقفز من فوق السطح ولن يصيبني شيء، وأنا لا أعترف بقانون الجاذبية. فهذا أمر مستحيل، إذ يعرض نفسه للموت والهلاك.

ولذلك فإن القوانين كلها تجري بهذه الطريقة: القوانين الشرعية والقوانين الاجتماعية والسنن الأخلاقية والإرشادات. فلا يمكن أن يعمل مجتمع بالكذب ويصف نفسه بأنه مجتمع ناجح؛ فهذا قمة الفشل، لأن الكذب قاعدة فاشلة لا تنسجم مع القانون الإلهي الذي يقوم على الصدق والواقع.

إن النظام في الإسلام ليس مجرد أحكام تشريعية وإرشادات أخلاقية، بل هو انعكاس للتوازن الكوني، والانسجام بين الشرعي والكوني يحقق النظام. وغياب النظام لا يعني مجرد سوء إدارة، بل يعني مخالفة السنن الكونية؛ وكما أن مخالفة قانون الجاذبية تؤدي إلى الموت، فإن مخالفة سنن النظام الاجتماعي تؤدي إلى تدمير البلاد والعباد.

فالنظام ينبثق من السنن الكونية والقواعد الثابتة في الحياة، ولا ينبثق من الأهواء والأمزجة. والفوضى هي نتيجة لاختلال الميزان وفقدان التوازن بين الإطار التكويني والوجود الإنساني.

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: «لا جبر ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين»(2). فهو أمر بين الجبر والتفويض. وهو بيان للعلاقة بين قدرة الإنسان واختياره وبين سلطان الله سبحانه وتعالى، فالإنسان يمارس إرادته ضمن السنن والقواعد التي تحكم وجوده.

الوعي بنظام الأسباب والمسببات

والعقل لا يتصور وجود شيء خارج كل نظام وإطار، لأن وجود الأشياء وحركتها يقومان على قوانين تضبطها وعلاقات تنتظم بها. وافتراض وجود إنسان في مكان يخلو من هذه القوانين يعني افتراض وجوده خارج شروط الوجود نفسه؛ فالهواء الذي يتنفسه والماء الذي تقوم عليه حياته يتكونان وفق قواعد فيزيائية وكيميائية محددة. وهكذا يشكل النظام الكوني الإطار الذي يوجد الإنسان ضمنه وتنتظم فيه حياته، وفي نطاقه يكون حراً ومختاراً، ويمارس إرادته من خلال التعامل مع قوانينه والعمل بأسبابه ومسبباته.

والعمل بالأسباب والمسببات هو سلوك طريق السنن الإلهية؛ فالنظام يقوم على اتباع قواعد هندسية لبناء المجتمع، تماماً كما يبنى البيت وفق قواعد معمارية. وهذه القواعد تسمى السنن الصالحة التي تؤدي إلى طاعة الله واستقرار الحياة. وتقول السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في خطبتها: «وإهماد سنن النبي» والسنة تعني القانون الذي ينظم الحياة.

ويقتضي الانسجام مع السنن الإلهية وعياً يدرك قواعدها، ومن هنا تتصل فلسفة النظام بالعقل والقيم التي توجه السلوك وتحفظ انتظام العلاقات.

لذلك ترتبط إزالة الفوضى الفكرية والسلوكية بالالتزام بالنظام، ويبدأ هذا الالتزام من العقل الذي يوجه الإنسان ويرشد حركته ويضبط سلوكه. فالعقل هو الميزان الذي يميز به الإنسان استقامة أفعاله من انحرافها، ويستند في ذلك إلى قواعد مطلقة، فيحكم بحسن العدل وقبح الظلم، ويدعو إلى الصدق والأمانة.

وحين يلتزم الإنسان بهذه القواعد، ينتظم سلوكه وفق ما يقتضيه العقل، أما حين يخالفها ويتجه إلى ما يناقضها، فإنه يبتعد عن النظام ويفتح المجال للفوضى في فكره وعمله. ومن هنا تتصل الفوضى التي يعيشها المجتمع بمدى الاحتكام إلى العقل والالتزام بقواعده؛ فكل سلوك يخالف العقل يخالف النظام الذي ينبغي أن تنتظم به حياة الإنسان وعلاقاته بالآخرين.

ولذلك يقول الإمام علي عليه السلام: «عقل المرء نظامه، وأدبه قوامه، وصدقه إمامه، وشكره تمامه»(3). فقوله: «عقل المرء نظامه» يعني أن العقل هو المنظم، فالعقل، بما يضعه من قواعد، ينظم حركة الإنسان؛ فهو الميزان الحقيقي للإنسان. ولذلك فإن الإنسان الذي ليس لديه عقل يسمى مجنوناً، والذي يخالف عقله وقواعده يسلك مسلك الجنون، لأن للعقل المحض قواعد ثابتة لا تتغير.

ويمكن تقريب معنى العقل ووظيفته بمثال السيارة التي تحتوي على ما يسمى عقلاً إلكترونياً، وهو جهاز محدود الوظيفة يتولى تنظيم عملها، وقد يؤدي اختلاله إلى توقفها وتعطلها. وكذلك الإنسان، فإن عقله أساس حركته والجوهر الحقيقي لوجوده، وبه يدرك الأسباب والمسببات ويوجه سلوكه. وحين يبتعد عن هداية العقل، وينساق وراء مصالحه الخاصة وغرائزه وأمزجته، فإنه يهمل العمل بالأسباب والمسببات، ويستجيب لدوافع الطمع والشراهة والحرص. ومع امتداد هذه السلوكيات في العلاقات بين الناس، تنتشر الرذائل في المجتمع وتختل القواعد التي تحفظ انتظام حياته.

ثلاثية الثقة والأمانة والصدق

إن السلوك الاجتماعي الذي يوجهه العقل يرشده نحو ثلاثية أساسية، هي الثقة والأمانة والصدق. ويأتي بناء الثقة داخل المجتمع في مقدمة ما يسعى المجتمع العاقل إلى تحقيقه. وتنتظم هذه القيم ضمن الثلاثيات المترابطة التي يقوم عليها البحث؛ فالثقة تأتي من الأمانة ومن الصدق، والصدق يأتي من الأمانة والثقة، وكذلك الأمانة تأتي من الثقة والصدق. وهي عملية مركبة تقوم على ترابط شامل يؤدي إلى بناء سلوك اجتماعي صحيح، ويجسد أثر التعقل في توجيه هذا السلوك.

وبمجرد أن يميل الإنسان قليلاً عن ذلك، تتغير النتيجة. فمثلاً، إذا كان يبيع بضاعة معينة، فإن عقله يقول له: بع بضاعة جيدة، واجعل لها سعراً مناسباً لتكلفتها ومقدار ربحك، ولا تكن طماعاً. فإذا أصبح طماعاً وأخذه الغرور، ورأى السوق خالية من هذه البضاعة، فباعها بسعر مرتفع جداً بحسب غريزة الطمع والحرص التي فيه، فإنه يفقد ثقة الناس به، وهذه الثقة يصعب استرجاعها، وإذا فُقدت فقد لا تعود مرة أخرى.

أو يكذب ويقول: والله إن هذه البضاعة كلفتني هذا المقدار، وهو كاذب في هذا الأمر، أو يخون الأمانة فلا يرجعها. وهذه الممارسات جميعها تخالف التعقل والعقل. ولذلك قال الإمام علي عليه السلام: «عقل المرء نظامه»، فالعقل هو الأساس الذي يستقيم به سلوك الإنسان، وباستقامة هذا السلوك تنتظم العلاقات بين الناس، ويتأسس البناء الاجتماعي السليم.

النظام الإلهي والمصالح الخاصة

ومن ارتباط النظام بالعقل والقيم يتضح أساس التمييز بين المنهج القائم على المبادئ الإلهية والمنهج الذي يخضع للمصالح الخاصة والأهواء.

ويتضح الفرق بين مفهوم النظام في الإسلام ومفهومه في الفلسفات الوضعية من خلال الأساس الذي ينبثق منه القانون، والغاية التي يتجه إليها، ومدى انسجامه مع القواعد الإلهية.

هناك نوعان من النظام: النظام الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، والنظام الذي يخلقه الإنسان. فالنظام المنبثق من المبادئ والأسس الإلهية يكون ناجحاً، أما النظام الذي يصنعه البشر دون الرجوع إلى القانون الإلهي، فإنه يقوم على المصالح الخاصة ونسبية المزاج، ولا يقوم على المبادئ المطلقة التي تجمع الجميع. ولذلك يكون نظاماً فاشلاً يصل دائماً إلى طريق مسدود، ويؤدي في النتيجة إلى الفوضى.

ويبين قول «عقل المرء نظامه» أن النظام مرتبط بالعقل، وأن غياب النظام يعني العشوائية والفوضى الفكرية. فالنظام نتاج تفكير عقلاني يدرك الأسباب والمسببات، بينما الفوضى نتاج للجهل والعاطفة المنفلتة.

ويرجع ذلك إلى أن النظام الإلهي غايته المصلحة العامة، ولا مصلحة في شيء خارج إطار المبادئ الإلهية، بينما يصل النظام القائم على المصلحة الخاصة إلى نهاية مسدودة، لأنه نتيجة الأمزجة والغرائز. أما النظام الإلهي فينبثق من العقل، والعقل هو الذي يرشدنا إلى هذا النظام، ويكشف عن القيم الفطرية المرتبطة بقوانين ثابتة.

أما النظام المصلحي فيكون انتهازياً قائماً على الغرائز؛ فالحاكم أو أصحاب الشركات الكبرى أو التاجر الكبير هم الذين يضعون القوانين الخاصة التي تناسب مصالحهم، حتى يبقى الحاكم في السلطة، أو يربح أصحاب الشركات والتجار أكثر. وهكذا يرتبط هذا النظام بغريزة الإنسان وأهوائه وشهواته، ولا يرتبط بعقله.

ولذلك، فإن الفرق بين القانون الإسلامي والقانون الوضعي أن القانون الإسلامي المشرع يتحقق عن طريق ينسجم مع السماء ويتطابق مع قانونها، أما القانون الوضعي الذي يشرعه البشر ويتعارض مع القانون الإلهي، فإنه يخضع للمزاج والمصالح والمنافع الشخصية والأهواء. فقد تأتي جماعة معينة أو حزب معين أو تجار أو شركات كبيرة، فتضع قوانين خاصة بها في هذا المجتمع أو في أي مجتمع آخر، ولا يكون مهماً عندها أن يصبح هناك فقراء. فالفرق بينهما أن القانون الإسلامي لا فقر فيه، أما غير القانون الإسلامي فينتشر فيه الفقر والجهل والمرض.

ومن الأمثلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. فالربا محرم لأنه يقوم على قاعدة تخالف القانون الكوني، وتحريمه قاعدة تشريعية. أما البيع الحقيقي المنسجم مع هذا القانون، فهو البيع الذي لا ربا فيه، والمعاملة الصحيحة السليمة التي تقوم على الإنتاج والعمل. والربا عملية غير منتجة، تقوم على استغلال الإنسان للإنسان، فيكون فيها ظلم، والظلم خلاف القانون الإلهي القائم على العدل.

وتظهر هذه الفروق في الأزمات الاقتصادية التي يعيشها العالم، وفي تركز الثروة لدى الواحد بالمئة؛ فهناك 1% من الناس يملكون، كما يقال، 60% من ثروات العالم. أما نسبة الباقين فهي 99%، وهؤلاء يملكون الباقي، أي 40%. وحتى هؤلاء الذين يملكون هذه الأربعين بالمئة، فإنهم يتوزعون على طبقات متفاوتة. وهذا يعني أن العالم غير متوازن، وأنه عالم فوضوي.

فالعالم كله يعيش في ظل النظام الوضعي المخالف للقانون الإلهي، وتتجلى آثار هذه المخالفة في الإنتاج الهائل للأسلحة، وانتشار الأسلحة النووية، والكوارث البيئية، واستغلال الفقراء، والحروب الأهلية والصراعات. وهذه المظاهر تعكس اختلالاً في الالتزام بالسنن الكونية والقواعد الإلهية، وتؤدي بما تحمله من ظلم وفوضى إلى تدمير البلاد والعباد.

وقد نبهت الزهراء سلام الله عليها في خطبتها إلى خطورة الانحراف عن المنهج الإلهي، وذكّرت المسلمين بما كانوا يعيشونه في الجاهلية، وكيف أنقذهم الله سبحانه وتعالى بأبيها محمد صلى الله عليه وآله، ونقلهم إلى حياة جديدة في ظل الإسلام. ثم حذرتهم من إهمال السنن التي تحقق انتظام حياتهم، فقالت عليها السلام: «وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدين الجلي، وإهمال سنن النبي الصفي».

فإهمال السنن النبوية الصالحة يفتح المجال لاتباع الشيطان والاستجابة للأمزجة والأهواء والغرور، فيتصرف الإنسان متجاهلاً القواعد والعواقب؛ كالمغرور بقيادته سيارته حتى يتسبب في الحوادث، أو المغرور بشرب الخمر حتى ينتهي به ذلك إلى الدمار. وهكذا فإن من يخالف السنن الكونية والقواعد الإلهية يدفع ثمن مخالفته، وقد يحمل الآخرين أيضاً تبعاتها، لأن عواقب سلوكه تقع عليه وتمتد إلى غيره.

القيادة الصالحة ونظام الملة

ويحتاج المنهج العادل، لكي يتحول إلى نظام في حياة الأمة، إلى قيادة صالحة تطبقه، فتتكامل سلامة القواعد مع سلامة القيادة التي تعمل بها.

إن خطبة الزهراء سلام الله عليها تتكلم من البداية إلى النهاية عن أن طاعتهم نظام للأمة. ويمثل ذلك جوهر الخطاب ومحورية الخطبة: أن الذي يطيع أهل البيت ويمشي في طريق الطاعة، بما يتطلبه معنى الطاعة من فهم، ويكون لديه وعي ومعرفة بطريق أهل البيت وبالقواعد التي لا بد من اتباعها، يعبر إلى بر الأمان.

وكذلك الأمة؛ فسواء كان الأمر متعلقاً بفرد أو جماعة أو مجتمع، فإن الجميع يحتاجون إلى قواعد. ويتطلب الأمر شيئين: قواعد سليمة قد وضعها الله سبحانه وتعالى، وقيادة صالحة تطبق هذه القوانين تطبيقاً سليماً صحيحاً. وهو ما يتجلى في قوله: «كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، فكل منهما مكمل للآخر، وهناك تكامل بينهما.

وتبرز أهمية القيادة الصالحة في واقع بعض الدول التي لديها ما يُعد من أفضل القوانين في العالم، وهذه الدول لديها دستور وقوانين، على سبيل المثال، لكنها مع ذلك من أسوأ الدول في العالم، بسبب وجود قيادات فاسدة. فالقيادة الفاسدة لا تطبق القانون ولا تعمل بالقواعد، لأنها تعيش الفوضى والعشوائية والارتجال.

ويتكامل هذا المعنى في قول السيدة الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام: «وطاعتنا نظاماً للملة»، بما يتضمنه من دلالات عقائدية واجتماعية تتصل بالقيادة والمنهج وطبيعة الاتباع.

فإذا كانت المدخلات سليمة، كانت النتائج سليمة، وإذا كانت المدخلات سيئة، كانت النتائج سيئة. فالمدخلات الصحيحة تقوم على قيادة معصومة يضاف إليها منهج عادل، وهذا يؤدي إلى النظام والاستقرار، وإلى تآلف القلوب والمحبة بينها. أما إذا كانت المعادلة معادلة فساد، تقوم على حاكم مستبد ومنهج منحرف، فإنها تؤدي إلى مخرجات سيئة، وتكون النتيجة فوضى ونزاعاً وحروباً.

وهذا يعني أن سلامة المدخلات في هذا النظام تقوم على التكامل بين القيادة والمنهج، كما يتجلى في قوله: «كتاب الله وعترتي». فأهل البيت عليهم السلام قيادة معصومة تلتزم بالمنهج الإلهي في جميع تفاصيله، ولا تقبل عصمتها التجزئة، ولا يتطرق إليها الخطأ أو الفساد والانحراف. ومن هنا يتحقق الاستقرار والازدهار بالاستقامة على طريقتهم، واتباع قيادتهم، والعمل بالمنهج الذي يبينونه، وهو ما يتصل بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾؛ إذ يقترن تحقق النتائج الصحيحة بالاستقامة والالتزام العملي.

وتأتي القيادة الصالحة بذلك في صميم عناصر تحقيق النظام؛ فمعادلة الصلاح تجمع قيادة معصومة ومنهجاً عادلاً، وتتحقق ثمارها في النظام والاستقرار وتآلف القلوب حين يقترن صلاح القيادة والمنهج باستجابة المجتمع لهما والطاعة الواعية والعمل بمقتضياتهما. وفي مقابلها تقوم معادلة الفساد على حاكم مستبد ومنهج منحرف، بما يقود إلى الفوضى والنزاع والحروب. وتتجلى أهمية الإمامة في حفظ هذا البناء بقول الإمام الرضا عليه السلام: «إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين»(4).

وتتضح دلالة طاعة أهل البيت عليهم السلام:

 أولاً، في تحقيق التوازن الكوني والتشريعي؛ فالملة تعني الشريعة العامة، وطاعتهم هي التطبيق السليم لهذه الشريعة بما ينسجم مع القانون الكوني، مما يحقق النظام والتوازن.

وثانياً، فإن طاعتهم هي الآلية التي تحول النظريات القرآنية إلى نظام واقعي ينسق القلوب ويجمع الشتات.

وثالثاً، تتحقق بها الوقاية من التشتت؛ فطاعتهم هي الضمانة لوحدة الأمة ونظام الملة، وبديل عن الفوضى وتعدد القيادات والاجتهادات التي تمزق الدين. وقد قالت سلام الله عليها: «ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين».

ورابعاً، يتحقق الشعور بالاطمئنان والأمن. فالإمامة هي «زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا»، فبدون هذه القيادة والطاعة تفقد الأمة نظامها، وتدخل في الحيرة والضلال والخوف.

وخامساً، تكون الإمامة صمام أمان؛ فالنظام يحتاج إلى محور يلتف حوله الجميع لدرء التشتت، والإمامة هي هذا المحور الذي يمنع الفرقة. وغياب هذا النظام، المتمثل في الإمامة، يعني حتماً سيادة منهج الاستحواذ والمغالبة الذي يمزق الأمة.

وتشكل ثلاثية العدل والإنصاف وتكافؤ الفرص ركائز لتحقيق التوازن والاحترام في المجتمع، في مقابل ثلاثية الظلم والفوضى والقلق التي يشكو منها العالم نتيجة المناهج غير الصالحة. وترتبط بذلك ثلاثية الالتزام والاحترام والقانون؛ فالطاعة، بوصفها عنصراً في النظام، تؤدي إلى الالتزام وتحمل المسؤولية والعمل الجاد وفق القانون.

وسادساً، يتحقق النظام عبر التعاقد بين الطرفين؛ فهناك عقد بين الإمام والمكلف، أي الرعية، تقوم عليه حقوق وواجبات متبادلة، تشمل النصيحة وتوفير الفيء والتعليم، في مقابل الوفاء بالبيعة والطاعة.

الطاعة الواعية واحترام القانون

ويكتمل دور القيادة الصالحة باتباع واعٍ يدرك منهجها وحقوقها، ويحول المعرفة إلى التزام واحترام للقانون وتحمل للمسؤولية.

والطاعة هنا تأتي بمعنى الوعي، أي الاتباع الواعي. فالإنسان الذي يكون مطيعاً وتابعاً للقائد، لا بد أن يعرف ما يريده منه القائد، ولا يمكن أن يطيعه طاعة عمياء. فهذه لا تسمى طاعة، وإنما تسمى اتباعاً أعمى؛ من أجل المال أو المصالح، أو نتيجة تعرضه لغسل العقول. أما الطاعة فهي الطاعة القائمة على الوعي والفهم والمعرفة.

ولهذا يرد في الروايات والزيارات التعبير بـ«عارفاً بحقكم»، تأكيداً على أن معرفة الإمام وحقه أساس لطاعته واتباعه؛ فالإنسان يحتاج إلى هذه المعرفة حتى يدرك معنى الطاعة ومقتضياتها. أما الاتباع القائم على الجهل بحق الإمام ومنهجه، فلا يحقق الغاية من الطاعة، ولا يجسد حقيقتها القائمة على الوعي والمعرفة.

وعلى هذا الأساس يُفهم قول: «وطاعتنا نظاماً للملة»، بوصفه إشارة إلى الطاعة الواعية التي تنتظم بها حياة الأمة. وتقتضي هذه الطاعة معرفة أهل البيت عليهم السلام، وفهم أحاديثهم ورواياتهم، وإدراك ما يريدونه من أتباعهم، حتى تتجسد توجيهاتهم في السلوك، كما في قولهم: «كونوا زيناً لنا ولا تكونوا علينا شيناً»(5). ويتحقق ذلك بدراسة منهجهم دراسة شاملة تجمع الفهم والعمل، وهو ما يتصل بقول الإمام علي عليه السلام: «على قدر العقل تكون الطاعة»(6)، إذ يبين ارتباط الطاعة بالتعقل، وأن وعي الإنسان هو الذي يهديه إلى فهمها وحسن الالتزام بها.

وعن الإمام الكاظم عليه السلام: «يا هشام، نصب الحق لطاعة الله، ولا نجاة إلا بالطاعة، والطاعة بالعلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل...»(7). 

وتؤكد هذه الروايات أن الطاعة والانقياد يقومان على العقل والعلم والتعلم والتعقل، وأن المحبة تكتمل بالمودة والالتزام العملي. ويتضح هذا المعنى في تطبيق القانون، إذ يستند احترامه إلى فهم غايته والإيمان بضرورته، فيصبح الالتزام به نابعاً من قناعة الإنسان وشعوره بالمسؤولية.

أما حين تفرض الحكومة القانون بالقوة، فقد يمتثل له الناس خوفاً من السجن أو الغرامة أو غيرهما من العقوبات، ثم يتحايل بعضهم عليه متى وجد منفذاً لتجاوزه. وهذا امتثال تحكمه الرقابة الخارجية، ويضعف بزوال الرقيب، بينما تستند الطاعة الواعية إلى التزام قلبي يحفظ احترام القانون حتى في غياب الشرطة والسلطة.

وهذا هو المعنى الذي يؤكد عليه أهل البيت عليهم السلام حين يدعون إلى الوعي والفهم والمعرفة، لتكون طاعتهم منهجاً ينتظم به سلوك الإنسان وعلاقاته، ويتحقق من خلال «وطاعتنا نظاماً للملة». فالنظام بهذا المعنى بناء متكامل وخارطة شاملة لحياة الأمة، تقوم على اتباع واعٍ يحول المعرفة إلى التزام، ويجعل استقرار المجتمع مستنداً إلى قناعة أفراده وتحملهم للمسؤولية.

العدل والاستقرار وصلاح ذات البين

وتظهر آثار القيادة الصالحة والطاعة الواعية في انتظام العلاقات وتحقيق العدل وصلاح ذات البين، فتتصل عناصر بناء النظام بنتائجه في السلام والاستقرار.

ومن خلال هذه العلاقة بين الالتزام بالسنن ونتائج مخالفتها، يتضح إسهام النظام في ترسيخ السلام داخل المجتمع، وما يتركه غيابه من آثار في الاستقرار والحياة اليومية.

إن فلسفة النظام تهدف بالأساس إلى مواجهة ثلاثية الانهيار التي تشكو منها المجتمعات المضطربة، وهي الظلم والفوضى والقلق، وإحلال ثلاثية الاستقرار، وهي العدل والنظام والأمان. وهذه هي نتائج تحقيق النظام ونتائج الفوضى التي تظهر في حياة المجتمعات.

لقد نبهت خطبة الزهراء سلام الله عليها إلى مخاطر عظيمة بسبب الانحراف، ومن أهمها الوقوع في الفتنة. ومن أهم ملامح ذلك ضبابية فهم الفرق بين الحق والباطل، والظلم والعدل، والحلال والحرام، والخير والشر، وسيطرة قيادات فاسدة. وكل ذلك يعني الفوضى واختلال النظام، وما نراه اليوم من صراعات وحروب وأزمات وفقر وأمراض نفسية وجسدية واجتماعية هو نتيجة لذلك.

يقوم الانهيار العالمي على ثلاثة أركان مترابطة: الظلم والفوضى والقلق؛ فانتشار الظلم وتجذر الفوضى يقوضان شعور الإنسان بالأمان، ويجعلانه دائم الخوف على رزقه وحياته ومستقبله، مترقباً اندلاع حرب أو وقوع أزمة غذائية أو مالية. ومع استمرار هذه المخاوف، يلازمه القلق ويحرمه الطمأنينة والنوم، فتتداخل أركان الانهيار الثلاثة ويعزز بعضها بعضاً.

وتقتضي مواجهة هذه الثلاثية ترسيخ ثلاثية الاستقرار التي أكدت عليها الزهراء سلام الله عليها: العدل والنظام والأمان. فالعدل يحفظ الحقوق وينسق العلاقات، والنظام يضبط السلوك ويمنع الفوضى، ومن تكاملهما يتحقق الأمان. ويقوم هذا الاستقرار على انسجام القواعد الاجتماعية التي تنظم حياة الإنسان مع السنن الكونية التي ينتظم بها الوجود.

ويمكن تقريب هذا المعنى بالإنسان الذي يعمل في مؤسسة لها قوانين وقواعد وسياسات محددة؛ فنجاحه فيها يرتبط بفهم هذه القواعد والعمل ضمن إطارها، بينما يختل عمله حين يستبدل بها مزاجه وطريقته الخاصة. وكذلك الإنسان في هذا الوجود، فإن الله سبحانه وتعالى أقامه على قوانين وسنن، وجعل لعمل الإنسان ضمنها أسباباً ونتائج. ولذلك يقتضي نجاحه معرفتها والالتزام بمقتضياتها، مع احتفاظه بحرية الاختيار في سلوكه. ومن هنا تتضح الصلة بين النظام والحرية؛ فالإنسان يمارس اختياره ضمن إطار السنن التي تحكم وجوده، وهو ما يعين على فهم العلاقة بين الجبر والاختيار في حياته.

ويرتبط النظام بالقيم الأخلاقية في ثلاثية الثقة والأمانة والصدق؛ فهو ليس هيكلاً إدارياً فقط، بل يرتبط بالصدق الذي يبني الثقة وبالأمانة التي تحفظها، بينما يدمر الكذب الثقة ويهز المجتمع.

فالكون كله قائم على الانسجام والتوازن، ولكل شيء فيه قدر وحدود تنتظم بها حركته، ومن هذه القواعد التكوينية ينبغي أن ينبثق النظام الاجتماعي ليحقق الاستقرار في حياة الإنسان. فالالتزام بالقواعد التي تحفظ التوازن وتصون الحقوق يقود إلى الإصلاح، بينما يؤدي تجاوزها إلى الفوضى والفساد. وقد جمع القرآن الكريم بين إقامة القسط وحفظ حقوق الناس والنهي عن الإفساد، في قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، هود: 85. وبذلك يتكامل انتظام السلوك مع عدالة العلاقات، ويصبح العمل بهذه القواعد أساساً للإصلاح والاستقرار.

فالفساد نتيجة للفوضى. والإنسان الذي يعاتب على وجود الفساد وانتشاره في مجتمعنا، عليه أن يحاسب نفسه، وينظر في مدى كونه إنساناً منظماً ومنضبطاً وملتزماً، أو إنساناً فوضوياً وعشوائياً وارتجالياً، ليكون حديثه عن الفساد مقترناً بمراجعة سلوكه والتزامه. فالخطوة الأولى لمواجهة الفساد هي الانضباط والالتزام بالنظام والقواعد الصحيحة السليمة.

وتشمل المسؤولية الجميع، وقد أجاب القرآن الكريم عن هذه القضية بقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. فالفساد ليس ظاهرة فردية، وإنما هو ظاهرة جماعية، وتتوزع المشاركة فيها بين: الذي يعمل بالفساد، والساكت عن الفساد. وهو من الأسباب التي تؤدي إلى انهيار المجتمعات والحضارات.

يقول تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، محذراً من التمادي في الفساد وما يترتب عليه من تدمير حياة المجتمعات. وتبين أخبار الحضارات والأمم التي ذكرها القرآن الكريم أثر الفساد في انهيارها ونزول العذاب عليها؛ فهو عملية تآكل تتسع مع استمرارها، إذ يولد الفوضى، وتتيح الفوضى بدورها مزيداً من الفساد، حتى تنتهي هذه العلاقة المتفاقمة إلى السقوط.

ومع ترسخ الفساد، يتحول إلى قاعدة توجه تفكير الإنسان وسلوكه، فيتمادى فيه ولا يشبع من مكاسبه، ثم يمتد أثره إلى العلاقات والمؤسسات ويقوض انتظام المجتمع. ومن هنا يتضح مصير الأنظمة التي سقطت، والمجتمعات التي انهارت، والأمم التي سادت ثم بادت؛ فقد استنزف الفساد مقومات بقائها، وأصبح من أهم أسباب انهيارها، بينما يمثل الإصلاح طريق استعادة توازنها وصيانة وجودها.

ولذلك فإن الفساد من أهم أسباب اختلال السلم والسلام والاستقرار الاجتماعي. وهذا الفساد يؤجج الكراهية والأحقاد في القلوب، لأن جماعة تستأثر بالثروة وتسيطر على كل شيء، فيزداد الظلم. ولذلك فإن «العدل تنسيقاً للقلوب». يعني أنه عندما تكون هناك عدالة، تكون هناك مودة ورحمة في القلب.

أما امتلاء القلب بالكراهية، سواء كراهية الشخص للآخر أو كراهية الناس بعضهم لبعض، والحقد الطبقي وحقد الفقير على الغني، وتحول المجتمعات إلى طبقات وأحقاد وصراعات وقوميات يحارب بعضها بعضاً، فإنه يرجع إلى افتقاد العدل، وغياب الإنصاف وتكافؤ الفرص، واحتكار الأموال والسلطة والاستئثار بهما.

والعدل هو الأساس الذي يضع كل شيء في موضعه الصحيح، وهو الذي ينسق القلوب ويجمعها. فالعدل هو الهندسة الاجتماعية التي تجعل القلوب متلائمة ومنسجمة، بما يولد طاقة إيجابية في المجتمع، بينما يولد الظلم التنافر والكراهية والطاقة السلبية.

ثلاثية التقوى والنظام وصلاح ذات البين

وتتضح أهمية كلام الإمام علي عليه السلام الذي ورد في بداية البحث، بالنظر إلى الوقت الذي ذكر فيه هذه الوصية. فقد ذكر هذه الوصية للحسن والحسين عليهما السلام عندما ضربه ابن ملجم لعنه الله. فعندما ضُرب أخذ يوصي، وكان مما قاله في وصيته عليه السلام: « أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا وَ لَاتَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَقُولَا بِالْحَقِّ وَاعْمَلَا لِلْأَجْرِ وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَلِلْمَظْلُومِ عَوْناً أُوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ»(8). فقوله: «ومن بلغه كتابي» يعني كل من يبلغه هذا الكتاب في الحاضر والمستقبل.

وتتكامل في هذه الوصية ثلاثية التقوى والنظام وصلاح ذات البين؛ فالتقوى تضبط سلوك الإنسان، والنظام ينظم شؤون الجماعة، وصلاح ذات البين يحفظ وحدتها وانسجامها. وتتضح منزلة إصلاح العلاقات في وصفه بأنه «أفضل من عامة الصلاة والصيام»، لما يحققه من تآلف يمنع تحول الاختلافات إلى صراعات وصدامات وحروب. فحين تضعف التقوى ويختل النظام، تتسع الفوضى ويشتد التنازع، ولذلك اقترنت الدعوة إلى نظم الأمور بالدعوة إلى التقوى في تلك اللحظة المحاطة بمخاطر الفتن، وما شهدته الأمة من فتنة الخوارج وانحرافهم، وما كان يتهددها من فتن أخرى.

وعلى هذا الأساس، يرتبط صلاح الأمة ووحدتها واجتماعها بالتقوى وانتظام شؤونها وإصلاح علاقاتها؛ فالأمة التي تصلي وتصوم، ولو استغرقت في عبادتها ليلها ونهارها، تظل معرضة لعواقب الفوضى والفساد إذا أهملت هذه الأسس. كما أن أثر الصلاة والصيام في حياة الإنسان ينبغي أن يظهر في سلوكه وعلاقاته، فإذا ظل متناحراً مع جيرانه وأبنائه وأفراد مجتمعه، مسترسلاً في الصدام والسب والشتم، فقد ابتعد عن المعنى المتكامل للدين الذي يصل العبادة بالتقوى، والتقوى بصلاح الحياة وحسن التعامل مع الآخرين.

إن الدين منهج متكامل يجمع الصلاة والصيام والحج والعبادة والجهاد، كما بينت الزهراء سلام الله عليها في خطبتها، ويصلها بالتقوى ونظم الأمور والعدل الذي ينسق القلوب وطاعة أهل البيت عليهم السلام. وبتكامل هذه المعاني تنتظم حياة الإنسان، وتنسجم علاقاته مع الآخرين، ويتحقق صلاح ذات البين الذي يقوم على التعاون، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.

ومن هذا التعاون ينشأ التعايش بين الناس، ويصبح النظام وسيلة لتنسيق جهودهم وتنظيم مصالحهم، بينما يؤدي إهمال الإصلاح والتنظيم والتعاون إلى اتساع العدوان والصراع والإثم والفساد. فما ينتشر من أنانية وحرص وطمع يرتبط بالابتعاد عن الرسالة الإلهية والقواعد التي ينبغي أن تحكم السلوك والعلاقات؛ إذ يسعى كل فرد إلى تحقيق مصلحته الخاصة دون مراعاة حقوق الآخرين، فتتصادم المصالح وتتفاقم النزاعات، وتتولد مزيد من المشكلات والأزمات.

توصيات لبناء النظام

وتنتهي هذه المعاني إلى جملة من التوصيات التي تساعد الإنسان على أن يكون عنصراً لبناء نظام قوي ومنضبط داخل المجتمع، وتنقل الوعي بالنظام إلى ممارسته في الحياة.

1. الوعي بأهمية النظام

تمنح قراءة سورة الرحمن راحة نفسية بما تعرضه من انتظام الوجود وتوازن مكوناته، وما تدعو إليه من التأمل في آلاء الله سبحانه وتعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ويتجسد شكر هذه الآلاء في العمل بالنظام الإلهي والانسجام مع سننه، بينما يعبر الإصرار على الفوضى عن الإعراض عن مقتضيات هذا الشكر.

ومن هنا تنبع أهمية الوعي بالنظام وتحويله إلى انضباط والتزام في جوانب الحياة الفردية والجسدية والنفسية والاجتماعية والتربوية. فبهذا الالتزام يتحقق التوازن والاعتدال، بعيداً عن الإفراط والتفريط، وتتهيأ أسباب السعادة والأمان اللذين تسعى إليهما المجتمعات، ويطمح الإنسان إلى أن يعيش نهاره وينام ليله مطمئناً. أما الاسترسال مع الأهواء وتجاهل القواعد، فيقودان إلى الفوضى والتعاسة، ويحرمان الإنسان الاستقرار الذي يحققه انتظام حياته.

2. بناء التقوى

تبين وصية الإمام علي للحسن والحسين عليهم السلام، الصلة بين التقوى وتأسيس النظام؛ فالتقوى تقي الإنسان المخاطر والعواقب السيئة، وتضبط سلوكه بما يجنبه الفوضى والصراع. وقد تنشأ الفوضى في حياته من ضعف الوعي بأهمية النظام، أو من عدم تعلمه الانضباط والالتزام وممارستهما، وقد تكون نتيجة إصراره على اتباع مزاجه وهواه وغرائزه. وحين يجعل رغباته قانوناً خاصاً يتصرف بموجبه، متجاوزاً الضوابط الاجتماعية والدينية، فإنه يعرض نفسه للفشل والمشكلات والنزاع مع الآخرين. ومن هنا يكون بناء التقوى أساساً للالتزام بالقواعد التي تنتظم بها حياة الإنسان وتصلح علاقاته.

3. الانتظام بالصبر والاستقامة

يتحقق الانتظام في النظام بالصبر والاستقامة والالتزام، فهذا يجعل الإنسان يتعلم النظام تدريجياً، ويبدأ بالشعور بلذة النظام في حياته. فهو يشعر بقيمة الوقت والحياة والأشياء المحيطة به، بينما الفوضى عشوائية تجعل الإنسان مشوشاً وغير مركز، فلا يفهم الحياة ولا يشعر بلذة الحياة. فالفوضى تجعله يعيش دائماً الخوف والقلق وعدم الأمان والفوضى الزمنية والفوضى الحياتية والمشكلات والصدامات.

أما الإنسان الذي يلتزم بالنظام وينتظم فيه، فإنه يصبح متبصراً، وتكون لديه بصيرة، ويدرك جمال الحياة ويعرف جمالها، ويحقق في النهاية نجاحاً وتقدماً في حياته. ويتصل ذلك بمعنى الصبر، ولا سيما الصبر على النائبة، وما اقترن به من التقدير في المعيشة؛ فمن صلاح الإنسان التقدير في المعيشة والصبر على النائبة. فالصبر هو الذي يجعل الإنسان يتجاوز الانهيار وعدم الالتزام. وهذا يبين موقع الصبر في الانتظام والالتزام.

ويتم الانتظام في النظام من خلال جعل النظام سلوكاً دائماً في حياتنا اليومية؛ فالانتظام يعني أن يكون الإنسان دائماً منتظماً على النظام، والنظام يتحقق بالانتظام، بأن يجبر نفسه على النظام إلى أن يصبح حالة ثابتة وراسخة في نفسه وشخصيته، ويصبح حذراً من الفوضى ورافضاً لها.

4. التنسيق والتعاون والتكامل

ويتطلب بناء النظام تعلم التنسيق والتعاون والتكامل مع الآخرين؛ فيتعلم الإنسان كيف يستطيع أن يعمل مع الآخرين وينسق معهم، ويعمل معهم ويتعاون، كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. لأن الذي لا يتعاون على البر والتقوى سوف يتعاون على الإثم والعدوان.

ولذلك، إذا تعاون مع الآخرين ونسق معهم، تحقق عمل اجتماعي منتج، لأن الحياة كلها قائمة على التكامل. وهذا يعني أن النظام هو التنسيق والتعاون والتكامل، ويؤدي في النهاية إلى ترسيخ المحبة وترسيخ المودة في القلوب، وإلى صلاح ذات البين والوحدة والانسجام.

فإذا توافر للمشروع ما يحقق نجاحه، وكان هناك تنسيق في العمل، فإنه يكون مشروعاً ناجحاً، أما المشروع الذي لا يوجد فيه تنسيق، فإنه يكون مشروعاً فاشلاً. والتنسيق بين مختلف الأفراد والجهات يؤدي إلى نجاح المشروع، ومنع التضارب والتصادم بين مختلف الأفراد والناس، وتؤدي هذه العلاقة إلى بناء التكامل.

وهذا هو معنى صلاح ذات البين؛ فهو لا يقتصر على المصالحة الظاهرية بين شخصين، بل معناه الحقيقي هو التنسيق بينهما حتى يتحقق الهدف المطلوب.

5. تعلم الإدارة والمهارات التطبيقية

تبرز ضرورة تعلم علم الإدارة والمهارات التطبيقية للنظام، لأن التنظيم يقوم على معرفة تنمي التعقل والإدراك، وتمكّن الإنسان من تحديد أهدافه والتخطيط لحياته واتخاذ القرارات المناسبة لتحقيقها. فالنظام فن في إدارة الحياة والعمل، يتجاوز اتباع طريق أو أسلوب أو خطوات محددة إلى القدرة على التعامل مع المواقف، وبناء الهيكلية، وبرمجة الأعمال، واختيار الأساليب، ووضع الاستراتيجيات.

وتتطلب هذه الممارسة مهارات يكتسبها الإنسان بالتعلم، ويستعين في تطبيقها بأصحاب الاختصاص، حتى تتحول المعرفة إلى تنظيم سليم ينسق الجهود ويوجهها نحو الأهداف الموضوعة. وعلى هذا الأساس يقوم العمل المنتج والمربح، إذ يرتبط نجاحه بحسن الإدارة وانتظام خطوات التنفيذ.

6. دراسة خطبة الزهراء عليها السلام

وتتوج هذه التوصيات بدراسة خطبة الزهراء سلام الله عليها دراسة دقيقة وعميقة وواسعة وشاملة وتحليلية من جميع الجوانب، لما تتضمنه من معان عظيمة واسعة الدلالة. فإذا عملنا بهذه الخطبة وتعلمناها، أحرزنا بها خير الدنيا والآخرة، ونجونا من الوقوع في شبكات الباطل.

فشبكات الباطل الموجودة اليوم في شبكات التواصل الاجتماعي تغذي الناس دائماً بالانحرافات والمعلومات السلبية والخاطئة. وهذا يعني أن من يتأثر بهذه المعلومات السلبية هو الذي لم يقرأ نهج أهل البيت عليهم السلام، حتى يعرف كل القيم والمعاني والإرشادات والأخلاقيات التي قالتها الزهراء سلام الله عليها، ويعرف معنى الإمامة والقيادة.

وتظل الحاجة إلى القيادة قائمة، فالذي لا يعرف معنى القيادة يكون تابعاً للقائد السيئ، أما الذي يعرف معنى القيادة فيتبع القائد الصالح، ولا يسير وراء كل أحد ووراء كل ناعق. ولذلك فإن خطبة الزهراء سلام الله عليها خارطة طريق ومنهاج لنا في حياتنا، ولا بد أن نربي أولادنا عليها، ونعلم أنفسنا مضامينها، وندرسها دراسة حقيقية عميقة فيها التأمل والتفكر والتدبر.

الخاتمة

إن بناء مجتمع يسوده السلام والاستقرار يبدأ من إدراك قيمة النظام وتحويله إلى التزام راسخ في حياة الإنسان، تتكامل فيه التقوى مع التعقل، والعدل مع حفظ الحقوق، والطاعة الواعية مع القيادة الصالحة. ومن هنا تتجلى دلالة قول السيدة الزهراء عليها السلام: «وطاعتنا نظاماً للملة»، بوصفه منهاجاً لانتظام شؤون الأمة وصيانة وحدتها. فكلما اقترنت معرفة هذا المنهاج بالعمل به، تعزز التعاون، وصلحت العلاقات، وأصبح النظام أساساً يحفظ كرامة الإنسان ويعينه على بناء حياته ومجتمعه.

* المقال هو حوار بث على قناة الانوار الفضائية في برنامج المحطات

..............................................

(1) الاحتجاج، ج ١، أحمد بن علي الطبرسي، ص ١٣٤.

(2) الكافي، ج ١، الشيخ الكليني، ص ١٦٠.

(3) غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٦٦.

(4) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٧٧٥.

(5) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٤٨٤.

(6) غرر الحكم ودرر الكلم، عبد الواحد الآمدى التميمي، ص ٤٥١.

(7) الكافي، ج ١، الشيخ الكليني، ص ١٧.

(8) نهج البلاغة، الوصايا، رقم: 47.

اضف تعليق