لم تعد المناصب في بعض البيئات وسيلة لخدمة المجتمع وتحقيق الإنجازات، وصارت ساحة للصراع والتنافس غير الشريف، حيث تتداخل المصالح الشخصية مع الطموحات الفردية، وتُستنزف الجهود في محاولات الوصول إلى مواقع المسؤولية، بعيدا عن معايير الاستحقاق والكفاءة والنزاهة...

لم تعد المناصب في بعض البيئات وسيلة لخدمة المجتمع وتحقيق الإنجازات، وصارت ساحة للصراع والتنافس غير الشريف، حيث تتداخل المصالح الشخصية مع الطموحات الفردية، وتُستنزف الجهود في محاولات الوصول إلى مواقع المسؤولية، بعيدا عن معايير الاستحقاق والكفاءة والنزاهة.

وفي خضم هذا الصراع، تضيع فرص كثيرة كان من الممكن أن تُمنح لأشخاص يمتلكون العلم والخبرة والقدرة على إحداث التغيير الإيجابي.

نتفق جميعا ان التنافس على المناصب أمر طبيعي، وقد يكون دافعا للتطور والإبداع حين يستند إلى العمل الجاد والإنجاز الحقيقي، واحترام الآخرين، ولكن تكمن المشكلة حين يتحول هذا التنافس إلى صراع تحكمه الرغبة في السيطرة، والسعي إلى إقصاء المنافسين، واستخدام العلاقات الشخصية والنفوذ لتحقيق مكاسب لا تستند إلى الجدارة.

ومن أكثر مظاهر هذا الخلل إيلاما حرمان أصحاب الكفاءات من فرصهم المستحقة، فكم من شخص يمتلك الخبرة والرؤية والقدرة على الإنجاز، يجد الأبواب مغلقة أمامه، لا لقصور في إمكاناته، وإنما لغياب العلاقات التي تفتح له الطريق، أو لكونه لا يجيد الدخول في صراعات المصالح والمجاملات.

وفي المقابل قد يصل إلى مواقع المسؤولية أشخاص لا يمتلكون من المؤهلات ما يتناسب مع حجم الأمانة الملقاة على عاتقهم، فتكون النتائج انعكاسا مباشرا لآليات الاختيار الخاطئة.

فإقصاء الكفاءات يظلم الأفراد ويمتد أثره إلى المؤسسات والمجتمعات بأكملها، فحين يُحرم الإنسان المناسب من المكان المناسب، تتعطل الطاقات وتتراجع فرص التطوير، وتضعف الثقة بالعدالة وتكافؤ الفرص، كما أن استمرار هذه الممارسات يدفع أصحاب الخبرة إلى الانسحاب أو العزوف عن المشاركة، بعدما يشعرون أن الجهد والإخلاص لا يكفيان للوصول إلى مواقع يستطيعون من خلالها خدمة الآخرين.

والأخطر من ذلك أن الصراع غير الشريف على المناصب يخلق بيئة يسودها الشك والتوجس، ويحول الزملاء إلى خصوم، والعمل الجماعي إلى سباق لإثبات النفوذ، وفي مثل هذه البيئة، يصبح النجاح مصدر قلق للبعض، وتتحول إنجازات الآخرين إلى تهديد ينبغي الحد منه، بدلا من أن تكون فرصة للتعاون وتبادل الخبرات، وهكذا تخسر المؤسسة روح الفريق، وتفقد القدرة على استثمار أفضل ما لدى أفرادها.

معالجة هذه الظاهرة تبدأ بترسيخ ثقافة مؤسسية تجعل الكفاءة معيارا أساسيا للاختيار، وتعتمد الشفافية في التقييم، وتمنح الجميع فرصا متكافئة لإثبات قدراتهم، كما تتطلب وجود آليات واضحة للمساءلة، وإجراءات عادلة تحد من تأثير المصالح الشخصية، وتضمن أن تكون المناصب تكليفا يستوجب المحاسبة، لا امتيازا يُمنح لمن ينجح في إقصاء غيره.

تبقى قيمة المنصب مستمدة من العمل الذي يُنجز من خلاله، لا من اللقب الذي يحمله صاحبه، ولا من النفوذ الذي يرافقه، فالمجتمعات تنهض بوجود أشخاص يمتلكون الكفاءة والأمانة والإرادة لخدمة الصالح العام، أما حين تصبح المناصب غنائم يتصارع عليها الطامحون، فإن الخاسر الحقيقي ليس الشخص الذي أُقصي عن فرصة، وإنما المؤسسة التي فقدت كفاءة كان بإمكانها أن تصنع فارقا، والمجتمع الذي حُرم من ثمرة عطائها.

اضف تعليق