لم يعد وضع حجر الأساس لمشروع سكني حدَثاً كافياً لإشاعة الطمأنينة في نفوس العراقيين؛ فالمواطن الذي أنهكته أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وأسعار العقارات بات ينظر بجدية وترقب متسائلاً عن المسافة الفاصلة بين الإعلان وتسليم المفتاح. أحجار الأساس لا تبني مدناً دون بنية تحتية وشبكات مخدومة وجداول تنفيذية ملزمة...

في العراق لم يعد وضع حجر الأساس لمشروع سكني حدثا كافيا لإشاعة الطمأنينة في نفوس المواطنين، ولم تعد الصور الرسمية والوعود المعلنة قادرة على تبديد القلق الذي يرافق كل مشروع جديد، فالمواطن الذي أنهكته أزمة السكن، وأثقلت كاهله الإيجارات، وأبعدته أسعار العقارات عن حلم امتلاك منزل، بات ينظر إلى هذه المناسبات بعين الترقب والحذر، متسائلا عن المسافة الفاصلة بين إعلان المشروع وتسليم المفتاح، وبين الخطاب السياسي والواقع الذي يعيشه يوميا.

ومع الحديث عن مشروع المليون قطعة سكنية، ووضع حجر الأساس في كربلاء والنجف والموصل، تتجدد الأسئلة القديمة بصيغة أكثر إلحاحا: هل نحن أمام بداية فعلية لمعالجة أزمة السكن، أم أمام فصل جديد من فصول الوعود التي تتكرر مع تغير الحكومات والشخصيات السياسية، فيما يبقى المواطن أسير الانتظار؟

أحجار الأساس لا تصنع المدن وحدها

تحمل مشاريع توزيع الأراضي السكنية أهمية كبيرة في بلد يعاني اختلالا واضحا بين الطلب المتزايد على السكن والقدرة الفعلية على توفير وحدات وأراض مخدومة بأسعار مناسبة، وتزداد هذه الأهمية في مدن مثل كربلاء والنجف والموصل، وغيرها من المدن العراقية التي تواجه احتياجات سكنية متنامية، وتتحمل أعباء التوسع السكاني والعمراني، فضلا عن خصوصية كل مدينة وظروفها الاقتصادية والاجتماعية.

غير أن وضع حجر الأساس يمثل خطوة إجرائية ورمزية في آن واحد، ولا يمكن اعتباره دليلا كافيا على نجاح المشروع، فالمشروع السكني لا يكتمل بمجرد تخصيص مساحة من الأرض أو إقامة احتفال رسمي، وإنما يحتاج إلى بنية تحتية متكاملة، وشبكات للماء والكهرباء والمجاري، وطرق معبدة، وخدمات صحية وتعليمية، وإجراءات قانونية واضحة تضمن حقوق المستفيدين.

أما إذا بقيت الأراضي بعيدة عن الخدمات، أو تأخر تنفيذ الالتزامات، أو غابت الجداول الزمنية الملزمة، فإن المواطن قد يجد نفسه أمام قطعة أرض لا يستطيع السكن فيها، أو فرصة معلقة لا يعرف متى تتحول إلى واقع، وهنا يصبح السؤال عن جدوى المشروع أكثر أهمية من عدد القطع المعلن عنها، لأن القيمة الحقيقية لأي مبادرة تقاس بما تنجزه على الأرض، لا بما تحققه من حضور إعلامي.

من المالكي إلى الكاظمي والسوداني.. لماذا بقيت الثقة مهزوزة؟

أزمة الثقة التي تحيط بالمبادرات السكنية لا يمكن فصلها عن التجربة المتراكمة للمواطن العراقي مع الوعود الحكومية، فمنذ سنوات تعاقبت الحكومات واختلفت برامجها وشعاراتها، وظهرت مبادرات متعددة لمعالجة أزمة السكن وتخفيف الأعباء عن ذوي الدخل المحدود، فيما ظلت المشكلة قائمة بأشكال مختلفة، وواصلت أسعار العقارات والإيجارات الضغط على شرائح واسعة من المجتمع.

في عهد رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي، ارتبطت الوعود الحكومية بشأن السكن والتنمية بتطلعات كبيرة لدى المواطنين، غير أن استمرار أزمة السكن بعد سنوات من تلك المرحلة جعل كثيرين يتساءلون عن حصيلة الخطط السابقة ومدى قدرتها على إحداث تغيير مستدام.

ثم جاءت حكومة مصطفى الكاظمي وسط ظروف اقتصادية وصحية استثنائية، واستمرت معها المطالبات بإيجاد حلول عملية لأزمة السكن، من دون أن تنتهي معاناة الباحثين عن منزل مناسب.

وفي عهد محمد شياع السوداني، عادت ملفات الإسكان والمدن الجديدة وتوزيع الأراضي إلى واجهة الاهتمام الحكومي، مع طرح مشاريع وخطط يراد لها أن تستجيب لحجم الحاجة المتراكمة، ومع ذلك فإن الإعلان عن المبادرات لا يعفي أي حكومة من تقديم حساب واضح عن النتائج، ولا يكفي تكرار الوعود لإقناع مواطن سبق أن انتظر طويلا.

ولا يعني هذا أن جميع المبادرات متطابقة في أهدافها أو ظروفها أو نتائجها، أو أن كل مشروع معلن محكوم بالفشل مسبقا، فالحكم الموضوعي يحتاج إلى بيانات موثقة عن عدد الأراضي التي جرى تخصيصها فعليا، ونسبة الإنجاز وحجم الإنفاق، والخدمات المنفذة، وعدد المستفيدين الذين تسلموا أراضيهم وأصبحوا قادرين على البناء، غير أن تراكم التجارب غير المكتملة، أو غياب المعلومات الكافية عن مصير بعض الوعود، يخلق فجوة يصعب ردمها بين الحكومة والمواطن.

هذه الفجوة هي جوهر المشكلة؛ فالمواطن لا يريد أن يسمع أسماء جديدة لمبادرات جديدة بقدر ما يريد أن يعرف لماذا لم تحقق الوعود السابقة ما كان ينتظره، وما الذي تغير هذه المرة حتى تكون النتائج مختلفة.

مبادرة علي الزيدي.. اختبار جديد لذاكرة المواطن

ومع طرح مبادرة علي الزيدي، تعود القضية إلى نقطة جوهرية تتجاوز هوية صاحب المبادرة أو الجهة التي تقف خلفها: ما الضمانات التي تجعل المواطن يثق بأن المشروع سيصل إلى غايته؟

ولا يمكن تقييم مبادرة علي الزيدي بصورة نهائية من خلال اسمها أو توقيت إعلانها وحدهما، كما لا يصح الجزم بفشلها قبل معرفة تفاصيلها ونتائجها الفعلية، لكن من حق المواطن أن يطالب بإجابات واضحة منذ البداية، لا أن ينتظر سنوات حتى يكتشف أن بعض التفاصيل لم تكن محسومة، أو أن المواعيد المعلنة لم تكن مدعومة بإمكانات تنفيذية كافية.

التجارب السابقة تجعل الشك موقفا مفهوما، لا دليلا على رفض الإصلاح أو معاداة المشاريع الجديدة، فالمواطن الذي يريد امتلاك منزل لا يملك رفاهية الانتظار المفتوح، ولا يستطيع أن يبني مستقبله الأسري على تصريح صحفي أو وعد انتخابي، وكلما ارتفعت سقوف التوقعات، ازدادت الحاجة إلى الشفافية والمساءلة، لأن خيبة الأمل في ملف السكن لا تتوقف عند حدود السياسة، وإنما تمتد إلى الاستقرار الأسري والاقتصادي والاجتماعي.

اضف تعليق