يناقش المقال العلاقة بين استهانة المسؤولين بغضب المواطنين واستمرار الفساد، ويرى أن ضعف الرقابة والمحاسبة، وانسداد أفق التغيير السلمي، وتراجع دور المجتمع المدني والإعلام، وشبكات المصالح، أسهمت في تطبيع الفساد وتحويله إلى ممارسة مألوفة. ويدعو إلى إعادة الاعتبار للردع المؤسسي والمحاسبة الجادة، وترسيخ ثقافة اجتماعية وأخلاقية ترفض الفساد...
من المفترض أن يكون صوت الشعب (غضب المواطن) هو الصوت المدوي الذي يلاحق أي مسؤول يقصر في واجبه أو تمتد يده إلى المال العام؛ لأن الشعب هو مصدر السلطة، على وفق أحكام المادة (5) من الدستور التي جاء فيها: (السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية)، فضلًا عن التكليف الدستوري للمواطن عندما وضع عليه واجب حماية المال العام، وعلى وفق أحكام المادة (27/أولًا) من الدستور التي جاء فيها: (للأموال العامة حُرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن). وبناءً على هذه القواعد والمبادئ الدستورية، فإن رضا الشعب يجب أن يكون هو شرط بقاء أي مسؤول في منصبه.
لكن الواقع العراقي يشير إلى مفارقة غير مألوفة في النظم الديمقراطية، حيث تجد مسؤولين يغرقون في الفساد، ويواجهون عاصفة من الرفض الشعبي، ومع ذلك يتصرفون ببرود تام وتجاهل مطلق، وكأن هذا الغضب وصوت الرفض لا يعنيانهم لا من قريب ولا من بعيد. وهذا يثير سؤالًا مهمًا ولا بد من الوقوف عنده: كيف وصل الفاسد إلى هذه المرحلة من الأمان والاطمئنان؟
أرى أن السبب لا يعود إلى شجاعة المسؤول أو قوة تحمله، بل إلى منظومة معقدة من الاختلالات الإدارية والاجتماعية والقانونية عند المشرّع والمنفذ والمطبق للقانون، التي تجعل غضب المواطن وصوته الرافض بلا أثر ملموس. وهناك عوامل أدت إلى هذه الحالة، منها الآتي:
1. التطبيع مع الفساد والاعتياد عليه، حيث تحول الفساد من سلوك طارئ ومذموم إلى نمط حياة يومية يتعايش معها الناس كأمر واقع، ويتلاشى الخطر النفسي عند المسؤول؛ لأنه يعلم أن الشارع والجمهور، وإن كان غاضبًا، لكنه يدرك في الوقت نفسه أنه غضب مشلول مصاب بالإحباط واليأس، وأن حالة الاعتياد كفيلة بامتصاص هذا الاستياء وتهميشه مع مرور الوقت. ولنا وقائع مرت على العراق منذ تأسيس الدولة العراقية ولغاية الآن، وأخشى أن تمتد هذه الحالة إلى ما عليه الحال في محاربة المواطن بقوته اليومي عبر رفع سعر صرف الدولار الأمريكي.
2. ضعف آليات الرقابة والمحاسبة، حيث يستغل الفاسد تعقيد التشريعات القانونية النافذة، وطول أمد معالجة الملفات الرقابية، عبر تشكيل اللجان التحقيقية التي تتوالد منها لجان فرعية، وتمتد لسنوات، ويضيع معها كل أثر للمحاسبة. ومن الأمثلة على ذلك لجنة التحقيق في أحداث تشرين عام 2019، فإنها لغاية الآن لم تعلن عن أي نتيجة توصلت إليها تلك اللجان، فضلًا عن وجود ثغرات في التشريعات النافذة التي تُستغل للإفلات من العقاب، وطول أمد هذه الإجراءات يمنح الفاسد شعورًا بأن الوصول إلى حقيقة تجاوزاته يلزمه وقت طويل قد يستغرق سنوات، مما يقلل من رهبة الردع المباشر.
3. انسداد أفق التغيير السلمي وتداول السلطة وانعدام السبل الصحيحة للتعبير عن الإرادة الشعبية في الانتخابات التشريعية أو المحلية، التي لو توفرت بشكلها ومسارها الصحيح لجعلت أي مسؤول يخشى غضب الشعب؛ لأنه سيعاقبه في صندوق الاقتراع، أو يتصاعد إلى ضغط سياسي يجبره على الاستقالة.
أما إذا كانت خيارات التغيير في جميع مفاصل الدولة وسلطاتها الثلاث محدودة، فإن الفاسد يدرك بأن صراخ المواطنين لن يتجاوز المنصات الرقمية، وسيبقى مجرد (تفريغ للشحنات) دون أدوات تنفيذية تترجم هذا الغضب إلى واقع. ويبدو أن هذا الحال كان قد رسمه وخطط له من كتب الدستور في حينه، حيث يرى أحد الفاعلين المهمين في كتابة الدستور أن الديمقراطية (كلاوات)، وعلى وفق قوله المسطر في المجلد الأول من محاضر اجتماعات لجنة كتابة الدستور التي جمعها وأصدرها مجلس النواب في طبعة أولى عام 2018.
4. ضعف تنظيم المجتمع المدني وتراجع الدور التوجيهي للإعلام؛ لأن الغضب الشعبي العفوي يظل طاقة غير مستغلة ما لم توجد مؤسسات مدنية وإعلامية قادرة على جمع معطيات دقيقة وصياغتها في شكل مطالب إصلاحية محددة. وفي غياب هذا التأطير المنظم، يتوجس المسؤول لفترة قصيرة، ثم يتعاطى مع الغضب العام باعتباره (عاصفة مؤقتة) تزول بمجرد انشغال الناس بأزمات معيشية أخرى. لذلك تجد الأزمات ما انفكت عن الظهور بين الحين والآخر، وبعضها يلي بعضًا، ومن الأمثلة القريبة من أزمة البنزين إلى أزمة الدولار، وهكذا.
5. يستند الفاسدون إلى شبكات من المصالح والولاءات الجانبية، حيث إن ما يستند إليه المسؤول الفاسد في حماية نفسه من المحاسبة يتمثل بوجود توازنات داخلية وعلاقات نفوذ داخل مفاصل الدولة الرئيسية وسلطاتها الثلاث، توفر له حماية منصبه وتشكل له سندًا حاميًا من كل محاسبة، طالما أنه يحمي مصالح تلك الشبكات ويتحرك داخل نطاقها، وهو مطيع لها ومنفذ لأوامرها، مما يمنحه الشعور بالحصانة والاطمئنان في مواجهة أي رفض شعبي خارجي.
ومما تقدم نجد أن استهانة الفاسد بغضب المواطن لم تكن مجرد سلوك فردي، بل هي نتيجة لتراجع أدوات الردع المؤسسي. فالغضب الذي لا يترجم إلى آليات فعالة في المحاسبة والمحاكمة، ومسارات رقابية ناجعة وحقيقية، يبقى غضبًا مكلفًا للشعب والجمهور الغاضب، وبلا تكلفة على الفاسدين، حيث ستظهر أدوات القمع لكل صوت ينادي بالتغيير أو يطلب محاسبة الفاسد، وتبدأ الحملة من العنف في مواجهة الحشود الغاضبة إلى اعتقال الناشطين فيها وإيداعهم في السجون، وهذا ما جعل الفاسد لا يخشى الشارع أو الجماهير مجددًا.
لكن متى تنتهي هذه الحالة؟ أرى أنها ستبقى إلا إذا انتهت حالة التطبيع مع الفساد، وتفعيل أجهزة الرقابة المباشرة والمحاسبة الجادة لتكون الحاكم والفيصل. ومن الجدير بالذكر أن عبارة (التطبيع مع الفساد) اقتبستها من قانون نافذ عنوانه قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني رقم (1) لسنة 2022، حيث عرّف التطبيع مع الكيان الصهيوني، وعلى وفق ما ورد في المادة (1/ثانيًا)، التي جاء فيها: (كل فعل من شأنه إن يحقق مع الكيان الصهيوني أي صورة من صور التعامل أو يؤدي إليه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر بهدف إقامة العلاقة مع الكيان الصهيوني).
وبذلك يكون التطبيع مع الفساد هو كل شكل من أشكال التعامل مع الفساد، وكل من يسهم فيه أو يساعد في حمايته. ومن الجدير بالذكر أن مفهوم التطبيع يعرفه المختصون بعلم النفس بأنه: (مفهوم يستخدم للدلالة على جعل السلوك أو الظاهرة مقبولة ومألوفة في المجتمع، حتى لو كانت في الأصل غير طبيعية أو مرفوضة). وحيث إن التطبيع مع الكيان الصهيوني هو الفساد بعينه، فإننا بحاجة إلى قاعدة أخلاقية واجتماعية تعيد تجريم التطبيع مع الفساد، وتعيد القيم الاجتماعية التي كانت تنبذ المتهم بالفساد أو حتى الذي تدور حوله شبهات الفساد، التي كانت تعتبر الفساد وصمة عار في جبين الفرد وتلاحقه وعائلته لأجيال متعاقبة.



اضف تعليق