يناقش المقال ظاهرة الإكثار من اليمين من منظور فقهي وقانوني ونفسي، موضحًا أن الإفراط في الحلف قد يحول القسم من وسيلة لإثبات الحق إلى قرينة تثير الشك والريبة. ويعرض موقف الشريعة والقضاء من كثرة الأيمان، وخطر الاستهانة باسم الله، واحتمال الانزلاق إلى اليمين الغموس، مؤكدًا أن صدق السلوك...

إن الثقة بين البشر أساسها صدق الكلمة واستقامة السلوك، وعندما يعجز الإنسان عن إثبات الحقيقة، فعند ذاك تتملك المرءَ رغبة مفرطة في دفع الظنون، ويسارع إلى الاستقواء بأغلظ الأيمان، لكن التكرار والتتابع في أداء اليمين في غير موضعها الشرعي أو القانوني لا يزيدان القائل إلا ريبة، ولا يزيدان السامع إلا تشكيكًا؛ لأن اتخاذ اسم الله تعالى وسيلة لنيل الثقة المهزوزة أصلًا في كل شاردة وواردة لا يُعد مجرد سلوك لفظي عابر، بل هو ظاهرة مركبة تدل على وجود خلل واضطراب في البناء النفسي لمن يلجأ إلى اليمين دون مناسبة، وتُعد مؤشرًا على توهم البراءة عند الحالف، وتورث الاتهام له عند المتلقي.

وأداء اليمين وحلفها هو القسم الذي ورد تنظيمه في فقه الشريعة والنظام القضائي والقانوني والدستوري، ويُعد من وسائل الإثبات الاحتياطية التي يتم اللجوء إليها لحسم الخصومات وإحقاق الحقوق عند قصور البينة، وتسمى اليمين المتممة، أو عند انعدامها، وتسمى اليمين الحاسمة. إلا أن جعل أداء اليمين سلوكًا يتمثل بالمبادرة إلى الحلف والإكثار منه دون موجِب شرعي أو طلب قضائي، فإنه يُخرج اليمين عن مقصودها الشرعي والقانوني والقضائي، ويضعها في موضع الاستصغار.

لذلك تجد أن الفقه الإسلامي، ومعه التحليل السلوكي والقانوني، قد اهتم بظاهرة «الإكثار من اليمين»، بمناسبة وبغيرها، وظهرت الدراسات التخصصية لتفكيك أبعادها الفكرية والنفسية، وبيان الأثر المنعكس لها على قيمتها في الإثبات في الدعاوى.

وتتجلى قيمة ما يتلفظ به الإنسان في الشريعة الإسلامية والأخلاق الإنسانية في أن اللسان، المعبر عن كوامن النفس البشرية، قد يطغى حين يتخذ من اسم الله تعالى لفظًا يُلقى في كل خصومة، ووسيلة يسترخصها لدفع أدنى شبهة، لذلك برزت ظاهرة «الإكثار من اليمين» بوصفها إشكالية تجمع بين ضعف التعظيم الإلهي، وجرأة اللسان، والارتباك النفسي الذي عكس ما كان يسعى إليه الحالف.

واليمين في أصلها الشرعي والقانوني ليست مجرد توكيد لفظي، بل هي استشهاد بالله تعالى، ودعوة إلى الذات البشرية للخضوع لعظمة الله تعالى وجلاله؛ وهذا ما جعل إقحام الاسم الأقدس، اسم الله تعالى، في تفاصيل الحياة اليومية، أو جعله وسيلة دائمة لتبرئة النفس عند أدنى مظنة أو شكوك، ينافي التعظيم المأمور به في قوله تعالى في الآية 224 من سورة البقرة: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، بمعنى: لا تجعلوا الحلف بالله استخفافًا يُلجأ إليه في كل صغيرة وكبيرة.

وتشير كتب التفسير، ومنها تفسير الميزان، إلى أنها تعني ألّا تجعلوا اسم الله متعلقًا بأيمانكم التي تحلفونها، فتتخذونها ذريعة لترك البر والتقوى والإصلاح بين الناس، أي ترك العمل وأداء الواجب. كذلك في الآية 89 من سورة المائدة: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. ويقول القرطبي في تفسيره إن معناها: ترك الحلف؛ فإنكم إذا لم تحلفوا لم تتوجه عليكم هذه التكليفات.

ويشير فقهاء الشريعة إلى أن من يتجرأ على كثرة الحلف ينزلق، دون وعي وإدراك، في غالب الأحيان إلى اليمين الغموس، وهي الحلف كذبًا اقتطاعًا لحق أو تغطية لباطل؛ لأن استهانته بالقسم تذهب من قلب الحالف هيبة الموقف، فتصبح الجرأة باللسان غشاوة على البصيرة. ويقول السرخسي في كتابه «المبسوط» بأن كثرة الأيمان تجرّ الاستهانة التي تؤكد الحلف على الباطل.

لذلك أجمع علماء الشريعة على كراهة الإكثار من اليمين كراهة شديدة، وقد تصل إلى التحريم إذا اتُخذت وسيلة للترويج للباطل أو خداع الناس. ويقول يحيى النووي في كتابه «المجموع في شرح المهذب» بأن كثرة الأيمان تجر الاستهانة التي توثّق الحلف على الباطل. وقد حذّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اتخاذ اليمين وسيلة للمكاسب الدنيوية فقال: «إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق». ومعنى الحديث الشريف: احذروا كثرة الحلف في البيع والشراء ولو صدقًا؛ لأن كثرة الحلف مظنة الوقوع في الكذب. كما أشار الفقهاء إلى أن كثرة الحلف دلالة على ضعف الدين وخفة الخشية.

أما في المجال القضائي، فإنه يُنظر إلى كثرة حلف اليمين بعين الريبة والشبهة، وإلى الخصم الذي يبادر بتقديم اليمين تلقائيًا قبل أن يطلبها منه القاضي أو تُوجَّه إليه؛ لأن المبادرة بغير موجِب رسمي تشعر بالتكلف ومحاولة الاستباق للتغطية على ضعف الدليل. وهذا ما يشير إليه المختصون في علم النفس الجنائي، وكذلك فقه قانون الإثبات، ومنهم بهنام رمسيس والدكتور آدم وهيب النداوي.

وتتلاقى هذه الرؤية الفقهية القانونية والقضائية مع التحليل النفسي والقانوني في تفسير سلوك المكثر من اليمين، إذ يُعد اللجوء المفرط للقسم آلية دفاعية تعويضية يحاول الشخص من خلالها تعويض غياب القرائن المادية بالقوة اللفظية والربط مع اسم الله تعالى. غير أن المبالغة في دفع الشبهة تنشئ شبهة جديدة، ويكاد يكون الإكثار من اليمين معبرًا عن الاضطراب والتكلف في ما يحاول الشخص المكثر من اليمين إخفاءه، علمًا بأن اليمين في القضاء وسيلة احتياطية تُطلب عند العجز عن تقديم الأدلة، وليست جدارًا يحتمي به من يشاء في أي وقت يشاء.

وفي الختام، فإن لسان العاقل يظل حصينًا بتوقير ربه، محفوفًا بالصدق في قوله، فلا يحتاج إلى زُخرف الأيمان، ولا يستصغر العظائم لدفع الظنون والشكوك. فمن عظّم الله في قلبه كفَّ لسانه عن القسم إلا في حق، ومن ضعف يقينه وتكلف في إعلان براءته، فضحته كثرة أيمانه بما حاول ستره.

*قاضٍ متقاعد

اضف تعليق