في عصر الصحافة الورقية، كان القلم أفضل حراس البوابة المعرفية التزاماً بالثوابت والمهنية؛ أما اليوم في زمن منصات التواصل الاجتماعي والجيوش الإلكترونية، فقد ظهر حارس البوابة المزيف الذي يعيد ترويج المطلوب لمن يدفع أكثر أو لمن يملك الغلبة في الميدان. لقد تحولت مواسم الانتخابات إلى سوق عكاظ للتزييف، وبات العراق عالقاً طوال 23 عاماً بين سلطات حزبية هجينة...
في عصر الشعر والصحافة الورقية، كان القلم أفضل حراس البوابة المعرفية، في ارتقاء الكلمة وحسن اللفظ وبلاغة المعنى. لذلك كان الكاتب يستدعي الثوابت المهنية والاحترافية قبل أي انتماء طائفي أو قومي، تحت مظلة الدستور والقوانين النافذة.
أما في عصر صحافة المواطن على حوائط التواصل الاجتماعي، فقد ظهرت بدع وتحايل وتزييف، تستثمر في نماذج الذاكرة السمكية... ولعل مواسم الانتخابات أفضل ما يمكن تسميته «سوق عكاظ التزييف النوعي». فإذا كانت العرب في الجاهلية تتبارى شعرا في سوق عكاظ، فإن الأحزاب في الإقطاع السياسي الجديد تتبارى في تزييف الحقائق، حتى ترى انتقالات حادة في الآراء والمواقف بحسب تغير المصالح وموازين القوة... لاسيما في توزيع كعكة مفاسد المحاصصة على المناصب العليا!
أبسط مثال قريب على ذلك ما جرى مع ترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء في مطلع 2026. فبعد أن رشحه الإطار التنسيقي، تدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب علنا، محذرا من إعادة تنصيبه ومهددا بوقف الدعم الأمريكي للعراق إذا عاد إلى رئاسة الحكومة. وهكذا تحولت تدوينة رئاسية أمريكية إلى عنصر ضغط مباشر في مشهد سياسي عراقي يفترض أنه يملك أدواته الدستورية والسيادية.
في المقابل، جاءت أزمة الرحلات الجوية الإيرانية لتقدم صورة أخرى عن ازدواجية الخطاب السياسي. فعندما فرضت واشنطن عقوبات جديدة على قطاع الطيران الإيراني، أوقفت المطارات العراقية الرحلات الإيرانية تحت ضغط خطر العقوبات الثانوية، ثم تحركت بغداد للتفاوض مع واشنطن طلبا لاستثناءات تسمح باستئناف الرحلات لأغراض إنسانية ومدنية، بينها العلاج والتعليم والزيارات الدينية.
شتان بين الموقفين في الخطاب السياسي والإعلامي، لكنهما يكشفان مشكلة واحدة: سرعة تبدل المواقف حين تتبدل موازين القوة والمصلحة. لذلك تبرز الحاجة إلى كتابة التاريخ المعاصر، عراقيا وعراقيا فقط. فالأكيد أن كبار المسؤولين من «الأصدقاء» الأجانب سيكتبون مذكراتهم، وستصدر مراكز الأبحاث والدراسات منشورات تحلل الواقع العراقي، وقد يكون انتشارها أوسع من كثير من الأطروحات الجامعية العراقية.
لذلك لم ينتج عن هذا التشوه السياسي إلا نموذج «حارس البوابة المزيف»، الذي مهمته إعادة ترويج المطلوب، وربما لمن يدفع أكثر، وربما لمن عنده الغلبة في الميدان، لا سيما عندما يكون الموضوع متعلقا بالفصائل الحزبية المسلحة.
سبق أن كتبت مقالات عن واقع التفاهة في الجيوش الإلكترونية وتفاعلات التواصل الاجتماعي، وعن إعادة توجيه العقل الجمعي نحو التطرف الطائفي أو التعصب القومي، وتقديم الهويات الفرعية على هوية المواطنة في عراق واحد وطن الجميع.
لذلك بات مطلوبا تشريع قانون أو إصدار تعليمات ملزمة، وفق القوانين النافذة، لمعالجة هذا الانفلات، بما يحفظ المجال العام من التزييف والتحريض والتلاعب بالعقل الجمعي. فالديمقراطية لا تحتاج إلى «حارس بوابة مزيف» يعيد إنتاج ما تريده السلطة أو القوة أو المال، بل تحتاج إلى حارس بوابة مهني يحمي الحقيقة من التزييف، والرأي العام من التلاعب، والمواطنة من أن تتحول إلى ضحية للمصالح المتصارعة.
هكذا يعود السؤال إلى بدايته: إذا كان القلم في زمن الصحافة الورقية حارس بوابة المعرفة، فمن يكون حارس البوابة في زمن الفضاء المفتوح؟ الإجابة ليست في إغلاقه، بل في إعادة الاعتبار إلى المهنية والقانون والحقيقة. ويبقى من القول: لله في خلقه شؤون!!



اضف تعليق