صاحب المولدة لا يحدد الكميات الحكومية، ولا يدير منافذ التوزيع، ولا يتحكم بمواعيد التجهيز، ولا يستطيع إنتاج الوقود من العدم؛ لكنه يتحول تلقائياً إلى الخط الأول الذي يواجه سخط الناس نيابة عن المنظومة بأكملها. المشكلة الحقيقية ليست في غضب المواطن ولا في إرباك المتعهد، بل في تعطّل الحلقة الأساسية لتوفير الوقود...

في كل أزمة خدمية يبحث الناس بطبيعتهم عن الطرف الأقرب الذي يمكن تحميله المسؤولية، وربما لا يوجد طرف أقرب إلى المواطن في ملف الكهرباء من صاحب المولدة الأهلية، فهو الشخص الذي يراه المواطن كل يوم، ويدفع له أجور الاشتراك كل شهر، ويتابع معه ساعات التشغيل والاطفاء.

 لذلك عندما تتراجع ساعات التجهيز، تتجه الأنظار إليه سريعا، وتعلو أصوات الاعتراض والشكوى، وكأن صاحب المولدة هو من يملك مفاتيح منظومة الكهرباء كاملة.

هنا يحضر المثل الشعبي العراقي القائل: "لا أرحمك ولا أخلي رحمة الله تنزل"، في صورة تكاد تختصر المشهد بأكمله، المواطن يريد الكهرباء، وصاحب المولدة يريد الوقود، والجهة المسؤولة عن توفيره مطالبة بضمان انسيابية التجهيز، وعندما تتعطل إحدى حلقات هذه السلسلة تبدأ المعاناة، ثم يتحول الغضب من مشكلة خدمية إلى صراع بين المواطن وصاحب المولدة.

أصحاب المولدات الأهلية يعتمدون على مادة الكاز لتشغيل مولداتهم، وأي تأخير أو نقص في تجهيز هذه المادة ينعكس بصورة مباشرة على ساعات التشغيل، فالوقود بالنسبة للمولدة ليس خيارا يمكن تأجيله؛ إنه أساس استمرار الخدمة.

وعندما لا تتوافر الكميات المطلوبة، يصبح صاحب المولدة أمام خيارات محدودة، إما أن يقلل ساعات التشغيل حتى يحافظ على ما لديه من وقود، أو يتحمل كلفة إضافية للحصول عليه من مصادر أخرى، وهي كلفة قد تنعكس في النهاية على أسعار الاشتراك، أو يخاطر باستنزاف الوقود ثم يجد نفسه عاجزا عن تشغيل المولدة.

وفي المقابل المواطن لا يرى هذه التفاصيل كلها، ما يراه هو انطفاء الكهرباء في منزله، وارتفاع درجات الحرارة وتعطل الأجهزة، واضطراب حياة الأسرة، خصوصا عندما تكون ساعات التجهيز المتفق عليها قد تقلصت بصورة واضحة.

ومن الطبيعي أن يغضب المواطن، فالكهرباء أصبحت جزءا أساسيا من تفاصيل الحياة اليومية، لكن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه هو: هل غضب المواطن يجب أن يتجه دائما إلى صاحب المولدة؟

ليس المقصود من ذلك إعفاء أصحاب المولدات من مسؤولياتهم، فالمواطن من حقه الحصول على الخدمة المتفق عليها، ومن حقه معرفة ساعات التشغيل وأسباب أي تقليص فيها، كما أن عليه أن يطالب بحقه عندما تكون هناك مخالفة أو تقصير من صاحب المولدة.

لكن من غير المنطقي أيضا أن يُنظر إلى صاحب المولدة باعتباره صاحب القرار في ملف الوقود، فهو لا يحدد الكميات الحكومية، ولا يدير منافذ التوزيع، ولا يتحكم بمواعيد التجهيز، ولا يستطيع إنتاج الكاز من العدم عندما تتأخر الجهات المعنية بتوفيره.

صاحب المولدة في النهاية يدير مشروعا خدميا يعتمد على مادة أساسية، فإذا انقطعت هذه المادة أو تأخر وصولها، فإنه يتأثر كما يتأثر المواطن، وربما يتحول من دون أن يشعر، إلى الواجهة التي تواجه غضب الناس نيابة عن منظومة أكبر منه.

المواطن في هذه الحالة يشعر بأنه يدفع ثمن المشكلة أكثر من مرة، يدفع فاتورة الكهرباء الوطنية، ثم يدفع اشتراك المولدة الأهلية، وبعد ذلك يجد نفسه أمام ساعات تجهيز أقل نتيجة نقص الوقود.

وهذا الوضع يخلق شعورا بالإحباط؛ لأن المواطن لا يهتم كثيرا بمن تسبب في الأزمة عندما يكون منزله مظلما أو أطفاله بحاجة إلى التبريد، هو يريد خدمة مستقرة، ويريد أن يعرف لماذا تراجعت ساعات التجهيز، ومتى ستعود إلى وضعها الطبيعي.

وهنا يعود المثل الشعبي ليختصر المأساة كلها: "لا أرحمك ولا أخلي رحمة الله تنزل".

فلا المواطن يستطيع الاستغناء عن الكهرباء، ولا صاحب المولدة يستطيع تشغيل مولدته من دون وقود، والحل ليس في أن يغضب أحدهما من الآخر، وإنما في أن تتم معالجة الخلل من مصدره، حتى لا يدفع الناس ثمن أخطاء لم يكونوا طرفا فيها.

اضف تعليق