خطورة غسل الأموال لا تكمن في إخفاء الجريمة المالية وتبييض مصادرها فحسب، بل في تحويل عائداتها غير المشروعة إلى قوة اقتصادية وسلطة اجتماعية تؤثر في بنية السوق والسلم الاجتماعي. غسل الأموال يوجه الموارد نحو أنشطة لا تستند إلى الإنتاجية، فيتعايش الثراء المالي الظاهري مع "معدل النمو الصفري" وضعف الاستثمار الحقيقي...
استوقفني مقال مهم للدكتور علي محمد جواد، الذي يسلّط الضوء على غسل الأموال بوصفه جريمة لا تقف آثارها عند حدود الاستيلاء على المال أو إخفاء مصادره غير المشروعة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل المجتمع وطبقاته وقيمه. وتكمن أهمية هذه الرؤية في أنها تنقل النقاش من الإطار المالي والقانوني الضيق إلى فضاء أوسع، تتداخل فيه بنية الاقتصاد مع العلاقات الاجتماعية وموازين القوة ومفهوم النجاح في المجتمع.
إن غسل الأموال، في جوهره الاقتصادي، ليس مجرد عملية تهدف إلى إضفاء مظهر مشروع على عائدات الجريمة، بل قد يكون حلقة ضمن منظومة أوسع من الأنشطة التي تسمح للثروة غير المشروعة بالانتقال من المجال الخفي إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي الظاهر. وعندما تنجح هذه الثروة في التغلغل داخل الأسواق والعقارات والشركات وشبكات المصالح، فإن أثرها لا يعود مقتصراً على مصدر المال أو مالكه، وإنما يمتد إلى قواعد المنافسة، وتوزيع الفرص، وطبيعة التراكم الرأسمالي، وصولاً إلى القيم التي يستند إليها المجتمع في الحكم على النجاح والمكانة الاجتماعية.
ومن هنا، فإن ما يطرحه الدكتور علي محمد جواد يستحق أن يُقرأ أيضاً من زاوية الاقتصاد السياسي ،إذ إن خطورة غسل الأموال لا تكمن فقط في إخفاء الجريمة الأصلية، بل في احتمال تحويل عائداتها إلى قوة اقتصادية واجتماعية قادرة على التأثير في بنية السوق وفي فرص الآخرين، وفي العلاقة بين الثروة الخاصة والمصلحة العامة.
وقد سبق لي، قبل سنوات، أن تناولت في محاضرة ألقيتها خلال المؤتمر الاقتصادي للجامعة المستنصرية مفهوم ما أسميته «معدل النمو الصفري» (Zero Growth Rate)، في سياق البحث في الكيفية التي يمكن أن يؤدي بها التراكم الرأسمالي الناجم عن اقتصاد الجريمة الاقتصادية إلى تقويض مقومات النمو الإيجابي بصورة غير منظورة. وتعود أهمية استحضار هذا المفهوم اليوم إلى أنه يتيح لنا النظر إلى غسل الأموال لا بوصفه نهاية لمسار الجريمة المالية، بل باعتباره إحدى الآليات التي قد تساعد على إدماج عائداتها في الدورة الاقتصادية، مع ما قد يرافق ذلك من اختلالات في تخصيص الموارد وتوزيع الثروة.
فليست كل زيادة في الثروة الخاصة دليلاً على زيادة مماثلة في الثروة الاجتماعية، كما أن ارتفاع الأرباح أو تضخم قيمة الأصول لا يعني بالضرورة توسع القاعدة الإنتاجية أو تحسن مستويات المعيشة. فقد تتراكم الأموال لدى أفراد أو مجموعات من دون أن تقابلها زيادة حقيقية في إنتاج السلع والخدمات، أو في فرص العمل، أو في إنتاجية الاقتصاد. وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري التمييز بين حركة الأموال في الأسواق وبين خلق القيمة الاقتصادية المضافة.
إن غسل الأموال قد يفاقم هذه المشكلة عندما يوجّه الموارد نحو أنشطة لا تستند إلى الجدوى الاقتصادية والإنتاجية بقدر استنادها إلى الحاجة إلى إخفاء مصادر الأموال أو إعادة تدويرها. وقد يؤدي ذلك إلى تشويه أسعار بعض الأصول، وإضعاف قدرة المشروعات المشروعة على المنافسة، وتحويل رؤوس الأموال بعيداً عن الاستخدامات الأكثر إنتاجية. ومع مرور الوقت، يمكن أن تتعايش مظاهر الثراء المالي مع ضعف الاستثمار المنتج وتراجع تكافؤ الفرص، فتبدو الثروة في ظاهرها متنامية، بينما تتراجع قدرة الاقتصاد على تحويلها إلى رفاه اجتماعي مستدام.
وفي هذا السياق، يمكن الاستعانة بمفهوم اللعبة الصفرية (Zero-Sum Game) لتفسير بعض الحالات التي تتحقق فيها مكاسب خاصة على حساب أطراف أخرى، من خلال الاستحواذ غير المشروع على الموارد أو الاستفادة من تشوهات السوق. غير أن الدقة الاقتصادية تقتضي التمييز بين هذا المفهوم وبين معدل النمو الصفري؛ فاللعبة الصفرية تصف حالة تتعادل فيها مكاسب طرف مع خسائر طرف آخر، أما معدل النمو الصفري فيشير، من حيث المعنى الحسابي، إلى عدم حدوث نمو صافٍ خلال فترة معينة. وقد تكون الآثار الاجتماعية والاقتصادية لغسل الأموال أشد من مجرد إعادة توزيع الثروة، إذا أدت إلى إتلاف الموارد أو تعطيل الاستثمار أو إضعاف القدرة الإنتاجية للمجتمع.
ولعل الجانب الأكثر عمقاً في قضية غسل الأموال هو انتقال آثارها من المجال الاقتصادي إلى المجال الاجتماعي. فعندما تتحول الثروة غير المشروعة إلى مكانة ونفوذ وقدرة على التأثير، لا تعود المسألة متعلقة بتوزيع الدخل وحده، بل تصبح متصلة بإعادة تشكيل السلم الاجتماعي ومعايير الاستحقاق. إذ قد يجد أصحاب الأعمال المشروعة والكفاءات المهنية أنفسهم في مواجهة منافسة غير متكافئة مع جهات تستند إلى موارد لا تعكس إنتاجية حقيقية، أو تستفيد من علاقات النفوذ والامتيازات غير المشروعة.
ويترتب على ذلك خطر يتجاوز الخسارة المالية المباشرة ، إذ قد تتراجع الثقة بقواعد السوق وبجدوى العمل المنتج، وتتسع المسافة بين الجهد المبذول والعائد المتحقق، وبين الكفاءة والمكانة الاجتماعية. وعندما يرى المجتمع أن الثروة تمنح صاحبها النفوذ والاحترام بصرف النظر عن مصدرها، فقد تتعرض القيم التي تسند التنمية، مثل النزاهة والعمل والابتكار وتكافؤ الفرص، إلى التآكل التدريجي.
وهنا تبرز أهمية الربط مع نظرية الضغوط الاجتماعية والبنيوية (Strain Theory) لعالم الاجتماع الأمريكي روبرت كينغ ميرتون (Robert K. Merton). فقد أوضح ميرتون أن التوتر بين الأهداف الثقافية التي يشجع المجتمع على بلوغها، وبين الوسائل المشروعة المتاحة لتحقيقها، يمكن أن يدفع بعض الأفراد إلى تبنّي وسائل غير مشروعة مع استمرارهم في السعي إلى الأهداف ذاتها. وتساعد هذه المقاربة على فهم بعض الظروف الاجتماعية التي قد تجعل الانحراف الاقتصادي أكثر احتمالاً، ولا سيما حين يُرفع النجاح المادي إلى مرتبة معيار أساسي للقبول الاجتماعي، في الوقت الذي تتفاوت فيه فرص الوصول إليه.
ولا تعني هذه النظرية أن التفاوت الاجتماعي يقود حتماً إلى الجريمة، ولا أنها تفسّر وحدها ظاهرة غسل الأموال؛ لكنها تتيح إطاراً لفهم البيئة التي قد تتراجع فيها شرعية الوسائل المشروعة في نظر بعض الفاعلين، فيما تستمر الرغبة في تحقيق الثروة والمكانة. وعندما تقترن هذه الضغوط بضعف الرقابة المؤسسية وغياب المساءلة الفاعلة، يمكن أن تتحول الجريمة الاقتصادية من سلوك فردي إلى ممارسة أكثر تنظيماً، قادرة على إعادة إنتاج مصالحها ونفوذها.
وبذلك يلتقي التحليل السوسيولوجي مع التحليل الاقتصادي في نقطة جوهرية: فالجريمة الاقتصادية لا تستنزف الموارد فحسب، بل قد تُضعف أيضاً الثقة المؤسسية التي يحتاج إليها الاقتصاد لكي يعمل بكفاءة. فالمنافسة العادلة، واستقرار الحقوق، ووضوح القواعد، والثقة في المؤسسات، ليست عناصر أخلاقية مجردة، بل شروط أساسية لتوجيه المدخرات نحو الاستثمار المنتج، ولتشجيع المبادرة، ولتقليل كلفة التعاملات الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة غسل الأموال لا ينبغي أن تقتصر على تتبع التحويلات المشبوهة أو مصادرة العائدات غير المشروعة، على أهمية هذه الإجراءات، بل ينبغي أن تتكامل معها سياسات أوسع تعزز الشفافية، وتحمي المنافسة، وتحد من الفساد، وتغلق الثغرات التي تسمح بتحويل العائدات الإجرامية إلى نفوذ اقتصادي واجتماعي. كما يتطلب الأمر تعزيز قدرة المؤسسات الرقابية والقضائية، وتحسين تبادل المعلومات، وتطوير آليات الكشف عن المالك المستفيد الحقيقي للأموال والشركات، بما يساعد على منع إخفاء المصالح وراء هياكل قانونية أو مالية معقدة.
إن القيمة الفكرية في طرح الدكتور علي محمد جواد تكمن، كما أفهمها من موضوع مقاله، في توجيه الانتباه إلى أن غسل الأموال لا يُقاس أثره بحجم المبالغ التي يجري تدويرها فحسب، بل بما يمكن أن يخلّفه من تغيرات في المجتمع وقيمه وعلاقاته. ومن هنا تأتي ضرورة استكمال هذه الرؤية بتحليل اقتصادي يبيّن كيف يمكن للثروة غير المشروعة، بعد إدماجها في الدورة المالية، أن تؤثر في نوعية التراكم الرأسمالي وفي قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو حقيقي وشامل.
إن القضية في نهاية المطاف ليست مقدار المال الذي يتراكم، بل طبيعة هذا التراكم، ومصدره، والوظيفة الاقتصادية والاجتماعية التي يؤديها. فالتراكم الذي يوسّع الإنتاجية ويخلق فرص العمل ويزيد القيمة المضافة يختلف جوهرياً عن تراكم يقوم على الاستحواذ والفساد وإخفاء العائدات الإجرامية. وبين هذين المسارين تتحدد، إلى حد بعيد، قدرة المجتمع على تحويل موارده إلى تنمية مستدامة.



اضف تعليق