يناقش المقال مبدأ التوزيع المنصف للحقوق بين الأجيال، ويؤكد أن حقوق الإنسان تمتد إلى الأجيال القادمة، ولا تقتصر على الحاضرين. ويعرض الأسس الشرعية والدولية لهذا المبدأ، ومبادئ العمومية والتكامل والتضامن والعدالة بين الأجيال، مع التركيز على الحق في البيئة السليمة والثروات الطبيعية، وضرورة إدارة الموارد بما يحفظ مصالح...
تتميز حقوق الإنسان، بوصفها مفهوماً قانونياً راسخاً، وبكونها حقيقة قانونية أصلية لا يمكن المساس بها، كما أنها مكفولة لجميع بني البشر بلا استثناء، وهي تتميز بطابعها العالمي، وتعد في جوهرها شروطاً لازمة لصيانة الكرامة الإنسانية. ومن هذه الحقوق ما يتصل بحقوق الأجيال القادمة، فمبدأ التضامن بين الأجيال من المبادئ الراسخة في الضمير الإنساني، وليس من العدل أو الإنصاف الإضرار بحقوق الجيل القادم، وصيانة هذا الحق تتطلب تشريعات ملائمة وتكاتف جهود دولية ووطنية مناسبة، لا سيما مع تصاعد الانتهاكات لحقوق الإنسان في وقتنا الراهن، سواء في زمن السلم أو الحرب، ولذا يغدو التعاون بين السلطات العامة والأفراد على المستوى الوطني، وبين الدول والأمم والمنظمات الدولية، واجباً قانونياً لصيانة الحقوق الأصلية للأجيال.
ويشار إلى أن الشريعة الإسلامية كانت السباقة إلى التأكيد على المفهوم المتقدم، فمن القيم التي ترسخت فكرة التكافل بين الأجيال، فلا يصح أن يستأثر الجيل الحالي بالخيرات على حساب شقاء الأجيال اللاحقة، ولا يصح أن يؤثر سلباً على سبل الحياة في المستقبل، لكون ما تقدم من صور الظلم الذي حرمته الشريعة الإسلامية السمحاء. ومن دلائل ما تقدم أن الله تعالى أمر بتعمير الأرض ومنع خرابها، لقوله تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
وتحكي لنا بعض القصص القرآنية شواهد على التفكير المستقبلي، ففي قصة النبي يوسف عليه السلام دلالة قاطعة على حق الأجيال الحالية واللاحقة في الحياة، حيث يروي لنا القرآن الكريم على لسان النبي يوسف عليه السلام: ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾.
ولقد تعاقب التأكيد في الإعلانات والمواثيق الدولية على موضوع العدالة بين الأجيال بشكل متتالٍ، والملاحظ تزايد هذا الاهتمام بشكل مطرد. فقد ورد في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة أن الغاية من إنشاء المنظمة الدولية هي أهمية إنقاذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي جلبت على الإنسانية مرتين، وفي غضون جيل واحد، أحزاناً يعجز عنها الوصف.
وفي إعلان استوكهولم لعام 1972، نجد أنه تضمن ستة وعشرين مبدأً عن البيئة، نذكر منها المبدأ الأول الذي ينص على أن: «للإنسان حق أساسي في الحرية والمساواة وفي ظروف معيشة مرضية في ظل بيئة تتيح له نوعية العيش في كرامة ورفاهية، وله واجب صريح في حماية البيئة وتحسينها لصالح الأجيال الحاضرة والمستقبلية».
ومن بعد ذلك انعقد مؤتمر ريو دي جانيرو للعام 1992، الموسوم بمؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية، حيث تضمن المبدأ الثالث منه النص على أنه: «يجب إعمال الحق في التنمية على نحو يكفل الوفاء بشكل منصف بالاحتياجات الإنمائية والبيئية للأجيال الحالية والمقبلة، وأهمية تعزيز حوار الأجيال والتضامن فيما بينها». وعدّ المؤتمر في بيانه الختامي الأجيال الشابة هي الحامي الأمين للمستقبل، وتضمن المؤتمر التأكيد على أهمية المنهج الوقائي، والذي يعني اتخاذ الدول كل التدابير الفعالة التي من شأنها منع تدهور البيئة وتوفير الحماية، والمبدأ العلاجي الذي يقوم، بالدرجة الأساس، على تحديد المسؤولية واتخاذ اللازم لجبر الضرر الذي أصاب البيئة، وبذلك يمكن حماية الأجيال القادمة.
وقد أشارت اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي للعام 1992 إلى أهمية التنوع، وقد أشارت المادة الثانية منها إلى أهمية «الاستخدام القابل للاستمرار، ويعني استخدام العناصر البيولوجية بأسلوب ومعدل لا يؤديان على المدى البعيد إلى تناقص هذا التنوع، ومن ثم صيانة القدرات على تلبية احتياجات ومتطلبات الأجيال اللاحقة».
ونشير إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر لعام 1994، والتي أكدت ديباجتها أن الدول الأطراف عقدت العزم على أن تتخذ الإجراءات المناسبة لمكافحة التصحر وتخفيف آثار الجفاف لمنفعة الأجيال الحاضرة والمقبلة. كما أن اتفاقية باريس لتعزيز وحماية المناخ للعام 2015 تضمنت التأكيد على مكافحة التغير المناخي وضرورة تسريع وتكثيف الإجراءات والاستثمارات اللازمة لتحقيق مستقبل مستدام منخفض الكربون، وهي بذلك تشير إلى إقامة مبدأ العدل والإنصاف بين الأجيال.
ولا بد لنا من التذكير بضرورة التمييز بين الأجيال القادمة والناشئة، فالأخيرة لها وجودها على أرض الواقع، ولعل هنالك من يدافع عن آمالها وتطلعاتها وحقوقها من آباء وممثلين في المؤسسات العامة، أما الأجيال القادمة فلا وجود لها على أرض الواقع، وحقيقة وجودهم لا تزال محتملة أصلاً. لذا يُعرف هؤلاء بأنهم مجموعة الأشخاص ممن سيأتون إلى الحياة في المستقبل، وسيكون لهم الإدراك والقدرة على الحياة، وسيحملون معهم مصالحهم الذاتية ورغباتهم وتطلعاتهم، وتحكم حقوقهم مجموعة من المبادئ نبينها وفق الآتي:
1- مبدأ العمومية والشمول: فمن نافلة القول إن الناس سواسية في الحقوق والحريات بلا أي تمييز بسبب اللون أو الجنس أو اللغة أو المعتقد الديني أو السياسي، فالناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق والحريات، وأن لا فرق بين من هو على قيد الحياة أو من سيولد في المستقبل، انطلاقاً من أن الوثائق والإعلانات الخاصة بالحقوق والحريات لم تميز بين فرد وآخر.
2- التكامل وعدم التجزئة: فحقوق الإنسان تتميز بالتكامل وعدم التجزئة، فلا يمكن أن نعترف لهم بالحقوق المدنية دون السياسية مثلاً، أو الحقوق الثقافية دون الاقتصادية، فلا يمكن أن نخص فرداً أو شعباً أو جيلاً بنوع من الحقوق ونحرم الآخرين منها، وإلا فما تقدم هو الظلم بعينه، فكل فرد أو جيل يتمتع بالحقوق، لا سيما الأساسية منها، بشكل متساوٍ.
3- التضامن: فكل الأجيال متضامنة مع بعضها، وكل فرد أو جيل مسؤول عن ضمان حقوق الآخرين، سواء منهم أبناء الجماعة التي ينتمي إليها أو ما سواها. ولما كان الجيل القادم لا يملك السلطة السياسية حالياً، ولا القدرة على التأثير والتغيير والتقرير في الوقت الحاضر، فلا بد أن يلتفت الجيل الحالي إلى المصالح المعتبرة للقادمين وضرورة ضمانها بشكل كامل أسوة بالمصلحة الحالية بالنسبة لهم.
وقد خلص مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية للعام 1995، المنعقد في كوبنهاغن، والذي اجتمع فيه أكثر من 14000 شخصية وممثلي 186 دولة، إلى أهمية القضاء على الفقر وتعزيز التكامل الاجتماعي والحد من عدم المساواة وتعزيز الاندماج. كما تعهدت الدول بالوفاء بمسؤولياتها تجاه الأجيال الحاضرة والقادمة، بضمان المساواة بينها وحماية البيئة لضمان حياة كريمة مستدامة، فالبشرية تشكل مجتمعاً تتلاحق فيه الأجيال، وعليهم أن يحترموا بعضهم بعضاً، ويراعي بعضهم بعضاً.
4- العدالة بين الأجيال: فعلى كل جيل أن يحافظ على استمرارية الحياة على ظهر الكوكب، وأن يتمتع الجيل اللاحق بحق مماثل لحياة من سبقهم أو أفضل، فالعيش في حياة وبيئة سليمة وغير ملوثة غاية تستحق السعي إليها.
ومن اللازم أيضاً الحفاظ ليس فقط على الجوانب المادية المتصلة بالأرض والحياة والثروات، بل العدالة تقتضي استمرارية الحياة الثقافية والروابط الاجتماعية، لا سيما الأسرة بوصفها الخلية الأهم لوجود واستمرار الحياة. فالعبث بالقيم الأخلاقية ومحاولة نشر الفساد في الروابط الاجتماعية يشكل عدواناً على الأجيال اللاحقة التي ستصلها الحقائق مشوهة وأسس الحياة الكريمة مفتتة. أضف إلى ذلك ضرورة المحافظة على التراث الإنساني بوصفه حقاً مشتركاً للجميع، ويظهر خطر ما تقدم فيما تفضي إليه التطورات التكنولوجية حين ينحرف استخدامها عن جادة الصواب، والتي من شأنها التأثير سلباً على التوازن الطبيعي في الحياة البرية والمناطق العمرانية على حد سواء.
ويشار إلى أن من أهم تطبيقات حقوق الأجيال اللاحقة هي:
أولاً: الحق في بيئة سليمة: وهو حق كل إنسان، بشكل فردي أو جماعي، في العيش في بيئة نظيفة خالية من التلوث أو من أي تغيير يهدد الحياة والتنوع الحيوي، لذا يقع واجب على الجميع بضرورة صيانة عناصر البيئة الطبيعية. ويعد الحق في البيئة من الحقوق المستمرة والتي تمتد إلى الأجيال اللاحقة، فهي تمثل الوسط الذي نعيش ونعمل ونتفاعل فيه، وبالضرورة باتت البيئة تمثل تراثاً مشتركاً، ما يستلزم حمايتها من التدهور أو أن يلحق بها الضرر الذي يصعب إنهاؤه أو يتطلب وقتاً طويلاً، أو من شأنه التأثير على العناصر الأخرى للحياة.
ثانياً: الحق في الثروات الطبيعية: فاستدامة الثروات الطبيعية واحدة من أهم ضمانات العيش في حياة حرة كريمة، كونها تمثل عنصراً محورياً في تحقيق التكامل بين الإمكانيات المادية والبشرية لضمان استمرارية عجلة الاقتصاد والمجتمع. فالثروات الطبيعية يمكن أن تُستنفد، والمبالغة في استثمارها تعقبها آثار ضارة تحيق بالفرد والمجتمع، ولذا لا بد من تخصيص جزء من مواردها لإزالة آثارها السلبية على المجتمع ومحيطه الذي تأثر بفعل الصناعة النفطية أو المعدنية أو الكيميائية وغيرها.
ومن جانب آخر، فإن الثروات الطبيعية تمثل قيمة مالية يعتد بها، وتتفاوت بحسب أهميتها وندرتها، فبعضها سطحي والآخر يكمن في أعماق الأرض أو البحار والمحيطات. ولتحقيق الاستفادة المثلى منها، يجب تحقيق فكرة العدالة التوزيعية بين الأجيال، والتي تتحقق بتقاسم المنافع والأضرار، فليس من العدل في شيء أن يتنعم أحد الأجيال بالثروات وتتحمل الأجيال اللاحقة ضريبة استثمار واستهلاك الثروات.



اضف تعليق