يناقش البحث أسباب اختلاف العلماء، بعد تمهيد يوضح مكانتهم وحرمة سوء الظن بالمؤمنين، وسبل معالجته. ويبين أن الاختلاف ظاهرة بشرية طبيعية قد تكون عامل تكامل إذا أُديرت بأدب ومسؤولية. ويركز على ثلاثة أسباب رئيسة للاختلاف: الاجتهادات، والاعتقادات، والعوامل الشخصية، مع الدعوة إلى حسن الظن، واحترام الرأي الآخر، وتجنب...

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾[1].

وقال جل اسمه: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ﴾[2].

المقدمة: يقدّم البحث رؤية واضحة عن أسباب اختلاف العلماء، فبعد أن يمهّد لذلك بالإشارة إلى عظيم مكانة العلماء، وبأنّ سوء الظنّ بهم، وبالمؤمنين عموماً، من المحرّمات، مستشهداً بالروايات وبأقوال كبار العلماء، ومشيراً إلى إحدى القصص الطريفة في حقل سوء الظنّ، ينتقل لدراسة العوامل الثلاثة الرئيسة لاختلاف العلماء، وهي: اختلافهم في الاجتهادات، أو اختلافهم في الاعتقادات، أو وجود عوامل شخصية، موضّحاً موقع كلّ نوع من هذه الخلافات، ومنبّهاً إلى الموقف الأفضل تجاه كلّ واحد منها، ومستعيناً بتجربة ميدانية تبرهن عقلانية اختلاف العلماء في الاجتهادات، ومطعّماً البحث بالكثير من النصوص الدينية الرائعة التي قلّ أن يسمعها الناس.

إنّ (اختلاف العلماء)، ولو فيما يبدو للناس، ممّا يحزن الصديق ويؤلمه، ويشمت العدو، كما قد يسبّب برود الكثير من الناس وإحباطهم وفقدانهم الحماس الديني والاندفاع الرسالي أو النهضوي، فما هي أسبابه؟ وما هي دلالات تلك الأسباب؟

تمهيدان:

قبل أن ندخل في صلب الموضوع، لا بدّ أن نمهد بمقدمتين:

1- فضل العلماء ومكانتهم

الأولى: إنّ فضل العلم والعلماء كبير جداً، حتى قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمُونَ﴾[3]، والجواب مستبطن، وهو: كلا، لا يستوي هؤلاء وهؤلاء بالبداهة، والآيات متعددة، والروايات أكثر من أن تُحصى، ويكفي أن نقرأ الرواية التالية:

قال علي بن الحسين (عليه السلام) لرجلٍ: «أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ: صَدِيقٌ كُلَّمَا رَآكَ أَعْطَاكَ بَدْرَةَ دَنَانِيرَ، أَوْ صَدِيقٌ كُلَّمَا رَآكَ بَصَّرَكَ بِمَصِيدَةٍ مِنْ مَصَائِدِ الشَّيَاطِينِ، وَعَرَّفَكَ مَا تُبْطِلُ بِهِ كَيْدَهُمْ، وَتَخْرِقُ [بِهِ‏] شَبَكَتَهُمْ، وَتَقْطَعُ حَبَائِلَهُمْ؟ قَالَ: بَلْ صَدِيقٌ كُلَّمَا رَآنِي عَلَّمَنِي كَيْفَ أَخْزِي الشَّيْطَانَ عَنْ نَفْسِي وَأَدْفَعُ عَنِّي بَلَاءَهُ»[4].

والبدرة كانت توضع فيها عشرة آلاف درهم، وأحياناً سبعة آلاف دينار، أي سبعون ألف درهم، وذلك حسب أحجامها، وكان الدينار في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) تُشترى به شاة، وأحياناً كانت قيمتها دينارين، حسب المستفاد من رواية عروة البارقي، والشاة قيمتها في العراق معدلاً 300 دولار، فالعشرة آلاف درهم تساوي ألف دينار، أي ألف شاة، أي ثلاثمائة ألف دولار! وسبعة آلاف دينار تساوي مليونين ومائة ألف دولار! وهو رقم مذهل حقاً!

وحسب هذه الرواية، فإنّه لو دار الأمر بين أن تذهب إلى صديق يعطيك بدرة (بها عشرة آلاف درهم، أو سبعة آلاف دينار)، وبين أن تذهب إلى صديق عالم يعلّمك جواب شبهةٍ أو طريقةً لإبطال كيد الشيطان وتمزيق شبكته، فإنّ الأفضل دون ريب هو الثاني، وذلك لأنّ مال الدنيا عرض زائل، بل كثيراً ما يقود صاحبه إلى النار، إذ يكنز الذهب والفضة، ﴿وَالَّذينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها في‏ سَبيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَليم﴾[5]، ويُلهيه التكاثر ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ويجترح المعاصي الكبيرة كالاحتكار والربا والغش والتدليس والرشوة... إلخ. بل حتى لو سلم من ذلك كله، فإنّ المال لا تُشترى به السعادة، ولا الآخرة تُشترى بالأموال، إلا لو صرفه كله للآخرة، أمّا ما يعلّمك العالم من كيفية التخلّص من شبكة إبليس، فهو الذي ينقذك، وكلَّ من أرشدته وحفظته، من هلاك سرمدي، ومن السقوط في أعماق الهاوية التي تقود، لا سمح الله، إلى النار، وبذلك نعرف بعض فضل العلماء الصالحين.

2- سوء الظن بالمؤمنين والعلماء محرّم

الثانية: إنّ سوء الظن بالمؤمنين، فكيف بالعلماء والصالحين، من الرذائل الخلقية شديدة القبح والسوء، بل هي، بحسب عدد من الفقهاء، من المحرّمات، وقد ذكرنا في كتاب (سوء الظن في المجتمعات القرآنية) أقوال بعضهم:

ويقول الشهيد الثاني (قدس سره): «واعلم أنّه كما يحرم على الإنسان سوء القول في المؤمن، وأن يحدّث غيره بلسانه بمساوئ الغير، كذلك يحرم عليه سوء الظن وأن يحدّث نفسه بذلك. والمراد من سوء الظن المحرّم، عقد القلب، وحكمه عليه بالسوء من غير يقين به، وأمّا الخواطر وحديث النفس فهو معفوّ عنه، كما أنّ الشكّ أيضاً معفوّ عنه. قال تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فليس لك أن تعتقد في غيرك سوءاً إلّا إذا انكشف لك بعيان لا يحتمل التأويل»[6][7].

وقال صاحب الجواهر[8]، في ضمن تعداد ما يقدح في العدالة: «وقد ذكر الأردبيلي جملة منها ـ أي ممّا يقدح في العدالة ـ ومن أخبارها كهجر المؤمن... ومنها: النميمة... ومنها سباب المؤمن، ومنها سوء الظن، ومنها الغيبة والبهتان، ومنها طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم، ومنها إيذاء المؤمنين واحتقارهم والاستهزاء والسخرية بهم...».

وقد عنون صاحب الوسائل الباب 161 بـ(باب تحريم تهمة المؤمن وسوء الظن به)[9].

وقال المولى النراقي في جامع السعادات، تحت عنوان (سوء الظن بالخالق والمخلوق): «فلا يجوز تصديق ـ الشيطان ـ اللعين في نبأه، وإن حفّ بقرائن الفساد، ما احتمل التأويل والخلاف... ولو أخبرك عدل واحد بسوء من مسلم، وجب عليك أن تتوثق أخباره من غير تصديق ولا تكذيب»، وعلّله بتزاحم (سوئي الظن)، وأضاف: «مع احتمال كون العدل المخبر ساهياً أو التباس الأمر عليه، بحيث لا يكون في إخباره خلاف الواقع آثماً وفاسقاً»[10][11].

ويقول الإمام الشيرازي (قدس سره): «أمّا ظنّ السوء بهم (بالمؤمنين)، فهو محرّم إذا كان كثيراً… لا يقال: كيف يمكن حرمة سوء الظن مع أنّه غالباً ليس بيد الإنسان؟

فإنّه يقال: إنّها مثل سائر المحرّمات الخبيثة التي بيد الإنسان التقليل منها وعدم الاستمرار فيها إذا طرأت عليه»[12].

لكنّه (قدس سره) في مجال الفتوى صرّح في المسائل الإسلامية/الفائدة الأولى: المحرّمات، قائلاً بـ(سوء الظن بالناس مع ترتيب الأثر عليه).

وكذلك أفتى السيد العم (دام ظلّه) في فصل الأخلاق والآداب الإسلامية، تحت عنوان المحرّمات.

والمقصود، على القاعدة، ما إذا كان الأثر محرّماً.

وقال السيد السيستاني (دام ظلّه) في فقه المغتربين[13]: «نهانا الله سبحانه وتعالى عن سوء الظن، فقال في محكم كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾[14].

وبموجب هذه الآية القرآنية الكريمة، لا يحلُّ للمؤمن أن يظنّ بأخيه الظنّ السيّئ دون دليل واضح، وبيّنة وبرهان، فدخائل النفوس لا يعلمها إلّا الله سبحانه وتعالى، وما دام يمكن حمل فعل المؤمن على الصحة، فإنّنا نحمله على الصحة حتى يثبت لنا غير ذلك.

يقول الإمام علي (عليه السلام): «ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ حَتَّى يَأْتِيَكَ مَا يَغْلِبُكَ مِنْهُ، وَلَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً، وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا»[15][16].

سوء الظن بالمؤمنين في النصوص الدينية

وعلى مستوى النصوص الدينية، يكفي أن نتدبر في الآيات والروايات التالية:

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾[17].

﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا﴾[18].

﴿لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾[19].

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا﴾[20].

ومن الروايات:

عن حسين بن عمر بن يزيد، عن أبيه، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «مَنِ اتَّهَمَ أَخَاهُ فِي دِينِهِ فَلَا حُرْمَةَ بَيْنَهُمَا، وَمَنْ عَامَلَ أَخَاهُ بِمِثْلِ مَا يُعَامِلُ بِهِ النَّاسَ فَهُوَ بَرِي‏ءٌ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ»[21].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الْمُؤْمِنُ لَا يَغُشُّ أَخَاهُ، وَلَا يَخُونُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَتَّهِمُهُ، وَلَا يَقُولُ لَهُ: أَنَا مِنْكَ بَرِي‏ءٌ»، وقال (عليه السلام): «اطْلُبْ لِأَخِيكَ عُذْراً، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ لَهُ عُذْراً، فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْراً»، وقال (عليه السلام): «اطْرَحُوا سُوءَ الظَّنِّ بَيْنَكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَهَى عَنْ ذَلِكَ»[22].

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الْمُسْلِمِ دَمَهُ وَمَالَهُ، وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنُّ السُّوءِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ ظَنُّ السُّوءِ إِلَّا بِمَا اسْتَبَاحَ بِهِ الدَّمَ وَالْمَالَ، وَهُوَ تَيَقُّنُ مُشَاهَدَةٍ أَوْ بَيِّنَةٍ عَادِلَةٍ»[23].

وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «إِذَا اتَّهَمَ الْمُؤْمِنُ أَخَاهُ، انْمَاثَ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ»[24].

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «آفَةُ الدِّينِ سُوءُ الظَّنِّ»[25]، وقال (عليه السلام): «إِيَّاكَ أَنْ تُسِي‏ءَ الظَّنَّ، فَإِنَّ سُوءَ الظَّنِّ يُفْسِدُ الْعِبَادَةَ وَيُعَظِّمُ الْوِزْرَ»[26].

ما هي الأسباب المؤدية إلى سوء الظن بالمؤمنين؟

ولكي تتيسّر لنا السيطرة على ظاهرة سوء الظن، فإنّه لا بدّ من دراسة الأسباب المورِّثة للظنّ السيئ، ومن ثمّ سرد الحلول الناجعة:

1- تسويل الشيطان وكيد إبليس، ذلك أنّ (سوء الظن) أفضل أحبولة للشيطان، يوقع بها بين المؤمنين، وهي الجسر الطبيعي نحو العداوة والبغضاء والفتن والحروب، وهي (المقدّمة الموصلة) لرواج سوق الغيبة والتهمة والتدابر والاختلاف، و(العداوة والبغضاء) بين المؤمنين، وهما (العداوة والبغضاء)، بلغا درجة كبرى من الفداحة، حتى إنّ الله تعالى بيّن أنّ ضرر الخمر والميسر، وهما من كبائر المحرّمات المغلّظة، أنهما يسبّبان العداوة والبغضاء بين المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾[27].

فكأنّ العداوة والبغضاء هي العلّة أو الحكمة لتحريم الخمر والقمار.

ولذلك ورد في الحديث: «احمل فعل أخيك على أحسن محمل»، و«على سبعين محملاً». لماذا؟

لأنّك بذلك تسدّ الطريق على الشيطان، وتقطع حبائله وأنشوطته بسلاح (حسن الظن بالمؤمنين)، وغير خفيّ أنّ (سبعين) في الرواية لا يراد به العدد والرقم المحدّد، بل المراد به التكنية عن الكثرة. ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

وكم من حوادث طلاق أدّت إلى تدمير عوائل كاملة كان منشؤها سوء الظن؟

وكم من صراع دموي بين أخوين أو أسرتين أو قبيلتين كان قدح شرارته (شيطان سوء الظن)؟

وكم من مؤسّسات وتنظيمات وتجمّعات (انهارت) نتيجة (سوء الظن)؟

فهذا يظنّ أنّ ذاك (أخفى) عنه سرّاً، وذاك يظنّ أنّ هذا قد (تجاوزه) وتخطّى حدوده، والثالث يظنّ أنّ صاحبه قد (وشى) به عند أصدقائه أو مسؤوله وانتقص منه، فقابله بالمثل، وردّ عليه الكيل كيلين، وهكذا وهلمّ جرّاً[28].

كيف نعالج سوء الظن بالمؤمنين؟

ولا بأس بالإشارة إلى أحد الحلول الناجعة لسوء الظن:

1- أسئ الظنّ بنفسك، وأحسِن الظنّ بالمؤمنين، واستكشف مواطن الخلل والنقص في ذاتك، فـ«طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ»[29]، وتذكّر حديث موسى (عليه السلام) مع الرب في قضية ذلك الكلب. ولذلك يقول الإمام السجاد (عليه السلام): «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلَا تَرْفَعْنِي فِي النَّاسِ دَرَجَةً إِلَّا حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا، وَلَا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِراً إِلَّا أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا»[30].

2- تعامل مع سوء الظنّ تعاملاً عكسياً، ولا تتّبع العثرات. يقول المولى النراقي (قدس سره): «ثم طريق المعالجة في إزالة سوء الظن: أنّه إذا خطر لك خاطر سوء على مسلم، لا تتبعه ولا تغيّر قلبك عمّا كان عليه بالنسبة إليه من المراعاة والتفقّد والإكرام والاعتماد بسببه، بل ينبغي لك أن تزيد في مراعاته وإعظامه له بالخير، فإنّ ذلك يقنط الشيطان ويدفعه عنك، فلا يلقي إليك خاطر السوء خوفاً من اشتغالك بالدعاء وزيادة الإكرام، ومهما عرفت عثرة من مسلم فانصحه في السِّر ولا تبادر إلى اغتيابه، وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطّلاعك على عيبه لتنظر إليه بعين الحقارة، مع أنّه ينظر إليك بعين التعظيم، بل ينبغي أن يكون قصدك استخلاصه من الإثم، وتكون محزوناً كما تحزن على نفسك إذا دخل عليك نقصان...»[31][32].

3- ابتعد عن عوامل الإثارة والتشويش: ابتعد عن الصديق النمّام، وقد ورد: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»[33]، أي نمّام.

وقال الإمام علي (عليه السلام): «مُجَالَسَةُ الْأَشْرَارِ تُورِثُ سُوءَ الظَّنِّ بِالْأَخْيَارِ»[34]، وفي رواية: «محبّة الأشرار...»، فإنّ (مجالسة الأشرار) عامل، و(محبّتهم) عامل آخر[35].

قصة غريبة عن رجل دخل إلى مبغى في أوروبا!

ومن القصص الطريفة والمعبِّرة عن ذلك أنّه قبل حوالي عشرين عاماً، اتصل بي شخص من إحدى البلاد الأوروبية، وقال: إنني شاهدت عجباً، شاهدت فلاناً (وهو أحد رجال دين المنطقة) يدخل إلى مبغى من المباغي!

قلت له: لعلّك شبّهت؟ قال: كلا، بل هو هو!

قلت: سأتصل به لأستجلي حقيقة الأمر. ولمّا اتصلت به وسألته، ضحك وقال: لا بدّ أنّ فلاناً أخبرك.

قلت: على أي حال، ما الأمر؟

قال: كنت أمشي على الرصيف مسرعاً باتجاه المطار، وبيدي محفظتي التي فيها كل مستمسكاتي (الجواز، الهوية، الكردت كارت... إلخ)، فإذا بسارق يخطفها منّي ويهرب، ولمّا طاردته دخل في مكان (وظهر فيما بعد أنّه كان مبغى)، ولمّا لاحقته ودخلت خلفه صارخاً، أمسك به الحراس، ولمّا فتحوا محفظتي ووجدوا وثائقي، سلّموها لي وقبضوا عليه. ولمّا خرجت، وجدت فلاناً ينظر إليّ باستغراب، وهو يراني أخرج من المبغى! وعلمت أنّه أساء بي الظنّ، فسلّمت عليه فلم يجب، فقلت له القصة فلم يصدّق، فقلت له: الحراس شاهدون، والكاميرات أيضاً سجّلت، فادخل وحقّق، لكنّه أبى!

والحاصل: حتى لو أنّك وجدته يدخل المبغى، فما دام هنالك محمل حسن، بل محامل حسنة كثيرة، فاحمل فعله على أحدها، لا أن يكون أولى المحامل محمل السوء.

مقدمات عامة عن اختلاف العلماء

إذا تمهّد ذلك، فنقول: البحث عن الاختلاف يقع في نقاط:

1- الاختلاف ظاهرة عامة لجميع البشر

أولاً: الاختلاف ظاهرة عامة لا تختص بعلماء الدين فقط، بل كل الخبراء في مختلف الحقول مختلفون، فلاحظ الأطباء، والمهندسين، والمحامين، والفلاسفة، وعلماء الاجتماع والاقتصاد والإدارة و... كلّهم مختلفون، ولا تكاد تجد إجماعاً على أمر إلا نادراً، بل الاختلاف من فطرة البشر، فلاحظ جميع الأديان والتخصصات والحضارات والأمم والشعوب.

2- وليس في حد ذاته ظاهرة سلبية

ثانياً: إنّ الاختلاف في حدّ ذاته ليس ظاهرة سلبية، بل هو ظاهرة إيجابية وعلامة كمال، إذ بالاختلاف تتفتّح آفاق المعرفة، وتنضج الأفكار، وتتبلور المفاهيم، وتُكتشف المجاهيل، وينمو العلم ويتطوّر.

والحاصل: إنّ الاختلاف طريق تكامل وسبيل ترقٍّ وعامل نهضة.

3- والمذموم النزاع لا الاختلاف

ثالثاً: المذموم هو النزاع، لا الاختلاف، إلا إذا تطوّر الاختلاف إلى صراع ونزاع.

4- وهناك قواعد لإدارة الاختلاف

رابعاً: إنّ هناك قواعد لإدارة الاختلاف، ومنها ما يُسمّى بأدب الاختلاف، فالاختلاف بما هو اختلاف فكري أو علمي أو ما أشبه لا ينبغي أن يكون مثار الحيرة أو الحزن والتألّم أصلاً، بل الكلام هو في كيفية التعامل مع الرأي الآخر.

والرأي الذي اخترناه هو ما جعلناه عنوان كتاب مستقل (قولوا للناس حسناً ولا تسبّوا)، وهما فقرتان من آيتين شريفتين. ولكن ليس كلامنا الآن عن أدب الاختلاف وطريقة إدارته، إذ سنعقد لذلك فصلاً مستقلاً، إن شاء الله تعالى.

5- وكثير من الخلافات إنما هي بين الأتباع، لا العلماء

خامساً: إنّ كثيراً من الخلافات التي تُتوهّم بين العلماء ليست بين العلماء أنفسهم أصلاً، بل هي بين بعض أتباع هذا وأتباع ذاك، فيتوهّم الناس، ومن لا خبرة له، أنّ النزاع هو بين العلماء أنفسهم... وذلك كثير.

قصة العالم الذي قبّل يد مَن أهانه!

ومن الشواهد الرائعة على ذلك قضية العالم الذي جرى نقاش بينه وبين طالب علم أو مفضول، فحيث إنّ العالم غلب الطالب بالحجّة، أثار الشيطان فيه قوّته الغضبية، فبدل أن يعترف بخطئه ويشكر العالم على تنبيهه وإلفاته، بدأ يتهجّم على العالم (مثلاً: من أنت حتى تناقشني... إلخ)، فتوتّر الجو، وأراد جماعة العالم الردّ عليه بالمثل، فمنعهم العالم. ثمّ لما قام العالم ليخرج، توجّه نحو الطالب، فظنّوا أنّه يريد أن يردّ عليه، لكنّه أمسك يد الطالب وقبّلها وسط دهشة الجميع!

ولمّا خرج، عاتبه أتباعه بشدّة، فأجاب: إنّما فعلت ذلك لأرغم أنف الشيطان، وأسحق نفسي الأمّارة بالسوء، إذ إنّه، لعنه الله، وسوس لي بأن أردّ عليه، فقلت: لا بدّ أن أقوم بالعكس تماماً من نصيحته السيئة، كي لا يطمع أبداً في أن يوسوس لي بالشرّ!

والشاهد أنّ العالم كثيراً ما يسمو على الخلافات، ويتنازل عن حقّه ويصفح، لكنّ بعض الأتباع لا يغفرون ويثيرونها مشكلة دائمة... فالخلاف كثيراً ما لا يكون بين العلماء، بل يكون بين بعض أتباعهم، فيتصور من لا خبرة له ولا معرفة بوقائع الأمر أنّ الخلاف بين العلماء.

أسباب اختلاف العلماء

والسؤال المطروح في الساحة الآن هو: ما هي أسباب الاختلاف بين العلماء؟

والجواب هو أنّ أسباب الاختلافات متنوّعة، وسنشير هنا إلى ثلاثة من أهمّ أسبابها، والتي قد يغفل عن بعضها بعض الناس، أو لا يوليها الأهمية الكافية.

1- الاختلاف الاجتهادي

أولاً: الاختلاف الاجتهادي، فإنّ كثيراً من الخلافات تعود إلى الاختلاف في أمر اجتهادي، وهو أمر مشروع، بل وحسن؛ إذ اختلاف الاجتهادات هو شرط التكامل، ولذلك فإنّه يُعدّ ظاهرة بشرية تشمل جميع الناس في جميع التخصصات، كما سبق. وهذا النوع من الاختلاف، وهو كثير جداً، يعود بالأساس إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها.

الاختلاف في تقليد الأعلم، في استبيان مباشر للطلاب

ولنضرب لذلك مثالاً واضحاً يجعله برهانياً إلى أبعد الحدود، فقد سبق أن ذكرنا أنّ قضية تعيّن تقليد الأعلم هي قضية خلافية، وأنّ مشهور المتأخّرين يرى، فتوىً أو احتياطاً، تعيّنه، بينما مشهور المتقدّمين يرون عدم التعيّن أصلاً[36]. نعم، هو راجح دون كلام، إلّا أنّ الكلام في تعيّنه وعدم إجزاء تقليد غيره من المجتهدين الجامعين للشرائط.

وقد سبق أن قلنا بأنّ عمدة الدليل على التقليد هو (العقل)، كما بنى عليه السيد الخوئي (قدس سره) وآخرون، وأنّ الفقهاء، بالرجوع إلى عقولهم، اختلفوا.

وهنا سنجري تجربة ميدانية (وقد أجريناها بالفعل مع رجال الدين والجامعيين الحاضرين في مجلس التفسير)، وفي هذه التجربة (الاستبيان – الاستطلاع) قمنا بتوجيه السؤال إلى العقلاء: بأنّهم، ومع قطع النظر عن بحث مرجعية التقليد، ما هو رأيهم إذا رجعوا إلى عقولهم؟

وقد وجّهت الخطاب للحاضرين، وسألتهم أولاً: لو وُجد هناك مهندسان، أحدهما أعلم، مع فرض أنّ الثاني أيضاً عالم، ضابط، متقن، فهل ترى، بالرجوع إلى عقلك، أنّه يلزم عليك حصراً أن تعود للأعلم، وأنّه لا يجوز لك الرجوع للثاني، مع فرض ثبات سائر العوامل، ككون السعر واحداً، وكونهما على مسافة واحدة من بيتك... إلخ؟

واللطيف ـ الغريب (وليس بالغريب لدى المطلع على اختلاف عقول الناس) ـ أنّ الجمهور انقسم إلى فريقين؛ فقسم قالوا: نعم، نرى لزوم الرجوع للأعلم، وقسم آخر قالوا: لا نرى لزومه! مع وجود جمهور سكت عن إبداء رأيه (إمّا لتحيّره أو خجلاً).

فقلت لهم: لاحظوا أنتم، وكلكم عقلاء، اختلفتم مع أنّكم رجعتم إلى عقولكم... فكذلك الفقهاء، فإنّه ما دامت العقول مختلفة، فلا بدّ أن تكون الأجوبة مختلفة. فلِمَ تستغربون من اختلاف الفقهاء أو تعتبون عليهم، والحال أنّ الفقيه لا بدّ أن يحكم على طبق ما توصّل إليه عقله، في كلّ ما كان من مجاله؟

ثمّ إنّني، ولمزيد التثبّت من انقسام الناس، وجّهت سؤالاً آخر أخطر للجمهور، وهو: ماذا لو مرض عزيز عليكم جداً، كأحد الوالدين أو الولد، واحتجتم إلى إجراء عملية جراحية خطرة، وكان هناك طبيبان، أحدهما أعلم، والثاني ليس بالأعلم، مع فرض كونه ثقة، متقناً، ضابطاً، فهل تجدون من عقولكم أنّه يلزم الرجوع للأعلم، أو أنّه راجح وأحسن، لكنّه غير واجب؟ فانقسم الجمهور أيضاً إلى فريقين، إضافة إلى الفريق الثالث الساكت.

ونضيف هنا بوجه آخر: هل لو راجعت الطبيب غير الأعلم (الضابط، الثقة، المتقن على الفرض)، وفرضنا أنّه أخطأ ومات العزيز عليك، فهل ترى أنّك تستحقّ العقاب بذلك، أو غاية الأمر أنّ الناس يلومونك؟ لا أكثر، كما لو أنّك راجعت الأعلم فأخطأ فمات عزيزك، إذ لا تستحقّ العقاب حينئذٍ.

وجرّبوا أنتم أن تطرحوا الأسئلة الثلاثة بحيادية تامّة على مائة شخص، فستجدونهم ينقسمون إلى ثلاث طوائف حتماً. فبذلك يظهر أنّ اختلاف العلماء لأمر اجتهادي هو طبيعي تماماً، تماماً، ولا ضير فيه.

ومن الأمثلة على ذلك اختلافهم في (الترتّب) واستحالته أو إمكانه عقلاً وعدمه (ولعلّه سيأتي مزيد بيان له).

ومن ذلك يظهر أنّ استياء بعض الناس من اختلاف حكم الفقهاء بالهلال غير صحيح؛ إذ كلّ مجتهد في كلّ علم لا بدّ أن يمشي على ضوء اجتهاده وقناعته، لا أن يبني على ما هو باطل بنظره، لمجرّد ألّا يقول الناس: لماذا يختلف الأطباء أو الفقهاء؟ فإنّ المبنى في الهلال إذا اختلف، بين وحدة الآفاق واختلافها، فلا بدّ أن تكون النتيجة مختلفة؛ إذ المخرجات إنّما تتبع المدخلات.

والحاصل: ليس كلّ اختلاف نقمة، وليس كلّ اتّفاق رحمة.

بل الاختلاف المؤدّي إلى النزاع والصراع والشقاق نقمة، أمّا الاختلاف الذي يُثري الساحة بآراء مختلفة، ويجعل الناس في سعة، فهو رحمة. وكذا الاختلاف الذي به يتكامل العلم، وتُعرف به الثغرات، وتدور عليه عجلات الحضارة والتقدّم.

2- الاختلاف الاعتقادي

ثانياً: الاختلاف الاعتقادي، فإنّ من الطبيعي أن يقع الاختلاف بين العلماء بحسب الاختلاف في الاعتقادات، بل كلّ البشر يختلفون بينهم بحسب اختلافهم في معتقداتهم. نعم، أدب الاختلاف أمر آخر، أي القواعد التي يجب أن تحكم الاختلاف، بل والخلاف والنزاع والصراع، وذلك ممّا سنفرد له بحثاً قادماً، بإذن الله تعالى.

والشاهد أنّه من العقلائي جداً أن يختلف العلماء في المواقف إذا اختلفوا في الاعتقادات. فمثلاً، مشهور العلماء والمفكّرين يقولون بالصراط المستقيم الواحد، ولكن قال بعض بالصراطات المستقيمة؟ وكيف لا يختلف معه العلماء، وصريح العقل والقرآن الكريم على أنّ الصراط المستقيم واحد لا غير؟ ﴿وَأَنَّ هذا صِراطي‏ مُسْتَقيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبيلِهِ﴾[37]، و﴿اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقيم﴾[38]، و﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرينَ﴾[39]، وغيرها.

كما أنّ العقل صريح في امتناع التناقض، وأنّه لا يُعقل أن يكون النقيضان كلاهما حقّاً. فكيف يُعقل أن يكون القول بأنّ الله تعالى واحد صراطاً مستقيماً صحيحاً، ويكون القول بأنّ الله ليس واحداً، بل هو ثلاثة، صراطاً مستقيماً أيضاً؟ وكيف يُعقل ألّا يجهر العلماء بآرائهم إذا رأوا من يقول بوحدة الموجود، وأنّ كلّ شيء هو الله تعالى، وألّا يُعارِضوا وينقضوا رأيه ويفنّدوه؟ وهكذا وهلمّ جرّاً.

3- الاختلاف الشخصي

ثالثاً: الاختلاف الشخصي، ويمكن أن يختلف العلماء لأسباب شخصية، لكن العلماء الربّانيين لا يختلفون لذلك، فلو أهان عالمٌ عالماً آخر، فرضاً، كان للمعتدى عليه المقابلة بالمثل بنفس القدر: ﴿فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ﴾[40]، لكن العالم الربّاني يتجاوز عن ذلك ويصفح، عملاً بقوله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾[41]، و﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾[42].

ولكن لو أراد المعتدى عليه، أو بعض من يرتبط به، الأخذ بحقّه، فلربّما أدّى ذلك إلى استمرار الاختلاف، بل والنزاع.

وعلى أيّ حال، فالعلماء، كسائر الناس، درجات؛ فمنهم من يتميّز بالحلم وسعة الصدر والعفو عن السيئة، والإغماض عن المسيء، بل وردّ الإساءة بالإحسان، وهم الذين يعملون بما قاله الإمام السجّاد (عليه السلام): «وَسَدِّدْنِي لِأَنْ أُعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ، وَأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ، وَأُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ، وَأُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ، وَأُخَالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إِلَى حُسْنِ الذِّكْرِ، وَأَنْ أَشْكُرَ الْحَسَنَةَ، وَأُغْضِيَ عَنِ السَّيِّئَةِ»[43]، ومنهم من يريد أن يأخذ بحقّه إذا جهل عليه أحدهم، ونحن لا نفضّل هذا النمط، ولكن لا ينبغي تسقيطه إذا أراد القصاص بنفس حجم العدوان.

كيف تعامل الإمام الباقر (عليه السلام) مع الناصبي؟

وعلى أيّ حال، فإنّ مثلنا الأعلى هم الأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم)، ورواية الإمام الباقر (عليه السلام) هي من أروع الروايات في هذا الحقل، فقد روى ابن شهر آشوب بإسناده عن محمد بن سليمان:

«أَنَّ نَاصِبِيّاً شَامِيّاً كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى مَجْلِسِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، وَيَقُولُ لَهُ: طَاعَةُ اللَّهِ فِي بُغْضِكُمْ!! وَلَكِنِّي أَرَاكَ رَجُلًا فَصِيحاً[44]. فَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ: لَنْ تَخْفَى عَلَى اللَّهِ خَافِيَةٌ.

فَمَرِضَ الشَّامِيُّ، فَلَمَّا ثَقُلَ قَالَ لِوَلِيِّهِ: إِذَا أَنْتَ مَدَدْتَ عَلَيَّ الثَّوْبَ، فَائْتِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، وَسَلْهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيَّ[45].

قَالَ: فَلَمَّا أَنْ كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، ظَنُّوا أَنَّهُ بَرَدَ وَسَجَّوْهُ، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ النَّاسُ، خَرَجَ وَلِيُّهُ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ، وَحَكَى لَهُ ذَلِكَ.

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَلَّا، إِنَّ بِلَادَ الشَّامِ صَرْدٌ، وَالْحِجَازِ بِلَادُ حَرٍّ، وَلَحْمُهَا شَدِيدٌ، فَانْطَلِقْ فَلَا تَعْجَلَنَّ عَلَى صَاحِبِكُمْ حَتَّى آتِيَكُمْ.

قَالَ: ثُمَّ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَجَدَّدَ وُضُوءاً، ثُمَّ عَادَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ خَرَّ سَاجِداً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ نَهَضَ فَانْتَهَى إِلَى مَجْلِسِ الشَّامِيِّ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَدَعَاهُ فَأَجَابَهُ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ وَأَسْنَدَهُ، فَدَعَا لَهُ بِسَوِيقٍ فَسَقَاهُ، وَقَالَ امْلَئُوا جَوْفَهُ، وَبَرِّدُوا صَدْرَهُ بِالطَّعَامِ الْبَارِدِ.

ثُمَّ انْصَرَفَ، وَتَبِعَهُ الشَّامِيُّ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ.

قَالَ: وَمَا بَدَا لَكَ؟

قَالَ: أَشْهَدُ أَنِّي عُمِدْتُ بِرُوحِي، وَعَايَنْتُ بِعَيْنِي، فَلَمْ يَتَفَاجَأْنِي إِلَّا وَمُنَادٍ يُنَادِي: رُدُّوا إِلَيْهِ رُوحَهُ، فَقَدْ كُنَّا سَأَلْنَا ذَلِكَ مُحَمَّدَ بْنَ‏ عَلِيٍّ.

فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَيُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَيُبْغِضُ الْعَبْدَ وَيُحِبُّ عَمَلَهُ؟

قَالَ: فَصَارَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)»[46].

فلاحظ أنّ ذلك الشامي كان ناصبياً، وكان يرى طاعة الله تعالى في بغض الأئمة (عليهم السلام)، لكن مع ذلك عامله الإمام (عليه السلام) بوقار وأخلاق فاضلة، فكان ذلك هو الذي ألّف قلبه وجرّه شيئاً فشيئاً إلى جادّة الصواب، حتى صار من المؤمنين، بل ومن أصحاب الإمام (عليه السلام).

وكذلك فلنكن نحن.

وفي رواية أخرى عن الإمام الباقر (عليه السلام):

«قَالَ لَهُ نَصْرَانِيٌّ: أَنْتَ بَقَرٌ.

قَالَ: أَنَا بَاقِرٌ.

قَالَ: أَنْتَ ابْنُ الطَّبَّاخَةِ.

قَالَ: ذَاكَ حِرْفَتُهَا.

قَالَ: أَنْتَ ابْنُ السَّوْدَاءِ الزِّنْجِيَّةُ الْبَذِيَّةُ.

قَالَ: إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ، غَفَرَ اللَّهُ لَكَ.

قَالَ: فَأَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ»[47].

والحديث طويل في هذا الحقل، ولربّما نكمل الكلام ونشبعه بحثاً لاحقاً، كما وربّما نتطرّق إلى عوامل اختلاف أخرى، كالعامل السياسي، مع تقييمه وحق القول فيه، إن شاء الله تعالى.

الخاتمة

حاول البحث الإجابة عن السؤال الذي يؤرّق كثيراً من الناس، وهو: لماذا يختلف العلماء؟ وبعد أن مهّد لذلك ببحث شيّق رائع عن مكانة العلماء، وعن سوء الظنّ وحرمته وأقوال العلماء فيه، وعلى ضوء الروايات وآثاره وطرق مكافحته، تناول العوامل الثلاثة الأساسية لاختلاف العلماء، وهي:

1- الاختلاف في الاجتهادات، موضّحاً أنّه عامل كمال، وأنّه يعود إلى فطرة البشر، وقام البحث لبرهنة ذلك باستطلاع ميداني من الحاضرين عن رأيهم في لزوم تقليد الأعلم، فكانت النتيجة صادمة! إذ تطابقت مع اختلاف العلماء في المسألة نفسها.

2- والاختلاف في الاعتقادات، وأنّ من الطبيعي أن يتّخذ من يرى عقيدة باطلة الموقف منها، على مستوى الفكر والبيان، أمّا على مستوى السلوك العملي، فإنّ قواعد الاختلاف هي التي ينبغي أن تكون الحاكمة، حسبما فصّله المحاضر في كتاب (قولوا للناس حسناً ولا تسبّوا).

3- والاختلاف الشخصي، الذي يتجاوزه العلماء الربّانيون، لكنّ بعضاً قد يريد أن يقابل بالمثل، استناداً إلى ﴿فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ﴾، فقد يكون ذلك سبب الاختلاف، ومع ذلك يدعو البحث إلى التسامي على ذلك والعمل بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾، وهناك عوامل أخرى قد نتطرق لها في بحث قادم إذا شاء الله تعالى.

آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم

http://m-alshirazi.com

.............................................

[1] التوبة: 122.

[2] الروم: 22.

[3] الزمر: 9.

[4] التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): ص348.

[5] التوبة: 34.

[6] الشهيد الثاني، كشف الريبة، دار المرتضوي للنشر: ص20.

[7] سوء الظن في المجتمعات القرآنية: ص14.

[8] جواهر الكلام، ج41، ص58-59، ثم راجع تعليقه صاحب الجواهر ص60.

[9] ج8، ص613، ط الإسلامية.

[10] المولى محمد مهدي النراقي، جامع السعادات، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت: ج1، ص318-319.

[11] سوء الظن في المجتمعات القرآنية: ص14.

[12] موسوعة الفقه، المجلد 93، كتاب المحرّمات.

[13] السيد السيستاني، فقه المغتربين، دار المؤرخ العربي ـ بيروت: المسألة 216، ص229.

[14] الحجرات: 12.

[15] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2، ص362.

[16] سوء الظن في المجتمعات القرآنية: ص17-18.

[17] النساء: 112.

[18] الإسراء: 36.

[19] النور: 12-15.

[20] الحجرات: 12.

[21] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2، ص361.

[22] الشيخ الصدوق، الخصال، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج2، ص622.

[23] الشهيد الثاني، كشف الريبة، دار المرتضوي للنشر: ص21.

[24] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2، ص361.

[25] غرر الحكم ودرر الكلم: ص278.

[26] عيون الحكم والمواعظ: ص99.

[27] المائدة: 198.

[28] سوء الظن في المجتمعات القرآنية: ص24-26.

[29] نهج البلاغة: الخطبة 176.

[30] الصحيفة السجادية: من دعائه (عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.

[31] المولى محمد مهدي النراقي، جامع السعادات، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت: ج1، ص321.

[32] سوء الظن في المجتمعات القرآنية: ص24-26.

[33] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج4، ص7.

[34] الشيخ الصدوق، الأمالي، منشورات كتابجي ـ طهران: ص446.

[35] سوء الظن في المجتمعات القرآنية: ص31.

[36] ومنهم أكبر علماء عصرهم: كصاحب الجواهر وصاحب الفصول وصاحب القوانين وصاحب المستند وصاحب الضوابط... إلخ، ممن رأوا عدم تعيّن تقليد الأعلم.

[37] الأنعام: 153.

[38] الفاتحة: 6.

[39] آل عمران: 85.

[40] البقرة: 194.

[41] النور: 22.

[42] البقرة: 237.

[43] الصحيفة السجادية: من دعائه (عليه السلام) في مكارم الأخلاق ومرضي الأفعال.

[44] يبدو منه أنّه كان رجلاً ذا علم وفهم.

[45] فلاحظ أثر سعة الصدر والمداراة والحلم.

[46] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام)، منشورات علامة ـ قم: ج4، ص186.

[47] ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام)، منشورات علامة ـ قم: ج4، ص207.

اضف تعليق