العبرة مما نقرأه من عطاءات الإمام العسكري، ليس فيما يحصل عليه للفقير والسائل، بقدر ما ينعكس هذا العمل على المُعطي أولاً كفرد أولاً؛ ثم على الجماعة ثانياً، فهم الرابحون بالدرجة الأولى لأنهم يُبقون قيمة التكافل والتراحم حيّة في النفوس...

ما أحوجنا الى الأخلاق العملية في حياتنا اليومية للتخفيف من حدّة التوترات والأزمات بسبب انشغالنا بالامور المادية؛ من فرص عمل، وطريقة جني الارباح، والبحث عن الوظيفة الحكومية، وايضاً عن السكن المناسب، وسائر مستلزمات العيش المعروفة هذه الايام. 

فالجميع يقرأ ويستمع لنصائح أخلاقية عن الصبر، والعفو، والتواضع، والتعاون، والتكافل، وغيرها كثير مما تلقي استحساناً من المتلقي عبر وسائل التواصل الاجتماعي و وسائل الاعلام الخاصة بنشر الفضائل والقيم الدينية والأخلاقية، وهي مُحببة ايضاً حتى لمن هو غير ملتزم بالشريعة والاحكام كونها تعبيراً عن حالات انسانية راقية تتطابق مع الفطرة السليمة لأي انسان، إنما المهم في وجود بصمات تلكم القيم الأخلاقية في واقع حياتنا، وهذا ما يدعو اليه الإمام الحسن بن علي العسكري، عليهما السلام، الذي نعيش هذه الأيام ذكرى مولده السعيد، وهو الإمام الحادي عشر من سلسلة الأئمة المعصومين، ومقتفي أثر آبائه وأجداده الكرام في تجسيد قيم الأخلاق في السلوك والتعامل مع افراد المجتمع آنذاك. 

ومما يرويه التاريخ لنا نقلاً عن كتاب "الكافي" للشيخ الكليني –طاب ثراه- أن شخصاً جلس في طريق الإمام العسكري قاصداً العطية، وما أن وصل اليه، عليه السلام، حتى بدأ الرجل بالشكوى والقسم الغليظ بما يقول بأن "ليس عندي درهم واحد فما فوقه، ولا غذاء ولا عشاء"! فقال له الإمام العسكري: "تحلف بالله كاذباً وقد دفنت مائتي دينار، وليس قولي هذا دفعاً لك عن العطية" ثم أمر خادمه بأن يدفع اليه ما كان يحمله من المال، ويقول الرجل في الرواية: أعطاني غلامه مائة دينار.

والأمثلة لا تُعد في مجال العطاء والإنفاق عند الأئمة المعصومين، وتحديداً من الإمام العسكري صاحب المناسبة، بيد أن هذا العطاء يتقاطع احياناً مع ما موجود في قاموسنا الاجتماعي الحالي من تشكيك في مصداقية الفقير ومن يدّعي الحاجة، فإن جميع الفقراء المستعطين، او من يُسمون "المتسولين"، وفي مصادر اللغة العربية "الشحاذين"، تدور عليهم علامات استفهام عن مدى صدق مدعاهم بالحاجة الى المساعدة، مع وجود حالات يروج لها اعلامياً يتم الكشف عنها بالعثور على كنز هائل من الاوراق النقدية المكدسة في بيت أحد هؤلاء المُدعين للفقر والحاجة. 

ليس هذا وحسب، بل إن الإمام العسكري يرشدنا الى الإنفاق على من هو غير مؤمن به، ولا بولايته! فقد جاء في "بحار الانوار" أن شاعر المتوكل العباسي (أبي يوسف الشاعر القصير) قال: وُلد لي غلامٌ وكنت مضيقاً، فكتبت رقاعاً الى جماعة استرفدهم فرجعت بالخيبة، فقلت: أجيء فأطوف حول دار أبي محمد العسكري طوفة لعل الله يفرّج عنّي، وصرت الى الباب فخرج أبو حمزة معه صرّة سوداء فيها أربعمائة درهم وقال: يقول لك سيدي، الإمام الحسن العسكري: أنفق هذه على المولود بارك الله لك فيه". 

العبرة في هذا العمل من الإمام العسكري ليس فيما يحصل عليه للفقير والسائل، بقدر ما ينعكس هذا التصرف على المُعطي أولاً كفرد أولاً؛ ثم على الجماعة ثانياً، فهم الرابحون بالدرجة الأولى لأنهم يُبقون قيمة التكافل والتراحم حيّة في النفوس، إذ لو نفترض اتفاق كلمة افراد الأمة جميعاً على عدم إعطاء شيء لمن يدّعي الفقر والحاجة بدعوى "محاربة التسوّل"! مثلاً، فهل تبقى قيمة عملية للأخلاق والفضيلة في نفوس الناس؟ ربما تكون في نظرهم مجرد شعارات و وعود براقة حالها من حال الشعارات التي يطلقها السياسيون لكسب الشرعية والولاء الجماهيري. 

وبهذه الطريقة الذكية يعالج الإمام الحسن العسكري معضلة تشترك وتشتبك فيها عوامل الاجتماع والاقتصاد والسياسة، فجرعة أخلاق عملية بسيطة قادرة على معالجة أزمات اجتماعية عديدة منها؛ الفقر في المجتمع وبشكل تدريجي، علماً أن الإمام العسكري والأئمة المعصومين من قبله، كانوا مهتمين بالجانب الخفي من برنامجهم لمكافحة الفقر من خلال إيصال المساعدات المالية والعينية الى بيوت الفقراء ليلاً، والقصص عن هذه كثير جداً. 

مع كل هذه الجهود المبذولة تأبي السياسات الحاكمة لأنظمة الجور على طول الخط إلا أن تكون سبباً في توسيع رقعة الفقر، ومحاربة الناس في لقمة عيشهم وفي حياتهم الكريمة، ليكونوا في حاجة مستمرة للمال لتغطية تكاليف الغذاء والدواء والسكن التعليم وسائر الخدمات التي نراها اليوم تثقل كاهل الانسان المسلم في ظل أنظمة حكم تدّعي الإسلام، والغاية من هذه السياسة الظالمة؛ إبقاء الناس في حاجة دائمة الى صدقات "الدولة" والحاكم. 

وفي كتابه "من حياة الامام العسكري" يبين سماحة المرجع الديني الراحل السيد محمد الشيرازي أن "سبب ابتعاد الناس عن الدين في الغرب والشرق وحتى في بلادنا الاسلامية، ليس في الدين، أو انه لا يطابق العقل والمنطق والفطرة، إنما لأنهم رأوا من حكام الجور والظلم من بني أمية وبني العباس، وبني عثمان، ومن شاكلهم الى يومنا هذا من الويلات والمصائب ما أبعدهم عن الدين، والإسلام برئ من هؤلاء أشد البراءة".

كل هذا لا يعني الاستسلام لواقع فاسد و مستورد من الخارج، رغم القوى المساندة له في الداخل والخارج، وهذا ما يعلمنا إياه الامام العسكري، عليه السلام، الذي كان يرى كيف أن الحكام العباسيين يساهمون في إفقار الناس بسياساتهم الظالمة والجائرة، وتلاعبهم بثروات الأمة وتبذيرها على موائد الخمور والفجور وشراء الذمم والضمائر، ولا أدلّ على نجاح الإمام في خطته هذه، مع سلسلة من البرامج والخطط لمواجهة السلطة العباسية الجائرة، أنها لم تمهل الإمام كثيراً، فهي لم تبق الإمام في مدينة جدّه المصطفى أكثر من اربع سنوات لتجعله يلتحق بوالده الامام الهادي ويكون حبيساً في الحامية العسكرية بسامراء، كما لم يمهلوه في حياته الكريمة سوى خمس سنوات فقط بعد استشهاد أبيه، فقد غادر الحياة وهو ابن ثمانية وعشرين عاماً فقط، أي تم اغتياله وهو في عزّ شبابه وعطائه الثرّ. فسلامٌ عليه يوم وُلد و يوم استُشهد و يوم يُبعث حيّا.

اضف تعليق