سياسة - تقارير

التفاوض القسري.. أو الحرب النهائية

مؤشرات التهدئة وحدودها في الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران

مرحلة انتقال بين حرب مفتوحة وتسوية غير مكتملة. نجاحها سيتوقف على قدرة الوسطاء على تحويل التفاهمات العامة إلى ترتيبات تفصيلية قابلة للتحقق، وعلى قدرة الأطراف المعنية على تقبل مبدأ المكاسب المتبادلة المحدودة بدلاً من السعي إلى فرض انتصار كامل. وإذا لم يتحقق ذلك، فإن ما يبدو اليوم انفراجاً قد...

مقدمة

تكشف التطورات الأخيرة المرتبطة بالحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، عن لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها اعتبارات الردع العسكري مع ضرورات الاحتواء السياسي، وتتداخل فيها الحسابات النووية مع رهانات الطاقة والملاحة الدولية، فيما تتكاثف الوساطات الإقليمية والدولية بحثاً عن صيغة توقف الانزلاق نحو مواجهة أوسع.

في هذا السياق، اكتسبت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، وقوله إن الحرب “ستنتهي قريباً”، أهمية خاصة، ليس فقط بسبب توقيتها، بل بسبب اقترانها بجملة مؤشرات ميدانية ودبلوماسية متزامنة: دخول وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ لمدة عشرة أيام، تصاعد دور باكستان كوسيط مباشر بين واشنطن وطهران، استمرار الحديث عن مذكرة تفاهم انتقالية تسبق اتفاقاً أشمل، وتراجع نسبي في أسعار النفط بفعل آمال التهدئة، مقابل بقاء مضيق هرمز شبه مغلق واستمرار الحصار البحري الأمريكي على إيران.

لكن القراءة التحليلية لهذه المؤشرات تُظهر أن الحديث عن اقتراب نهاية الحرب لا ينبغي أن يُفهم بوصفه إعلاناً عن تسوية ناضجة، بقدر ما يعكس انتقال الأزمة من طور المواجهة المفتوحة إلى طور التفاوض القسري تحت الضغط. فالقضايا الجوهرية التي فجّرت الصراع لم تُحسم بعد، وفي مقدمتها مستقبل البرنامج النووي الإيراني، ومصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، وشروط رفع العقوبات، وطبيعة الترتيبات الأمنية في الخليج ولبنان، وإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز بصورة مستقرة، فضلاً عن حدود الدور الذي يمكن أن تضطلع به القوى الإقليمية والدولية في ضمان أي اتفاق محتمل.

وعليه، فإن اللحظة الحالية لا يمكن اختزالها في خطاب تفاؤلي أو في هدنة موضعية، بل تتطلب قراءة متعددة المستويات، تربط بين الميدان والدبلوماسية، وبين الاقتصاد والسياسة، وبين ما تعلنه الأطراف وما تسعى إليه فعلياً من وراء التفاوض أو التصعيد. ومن هذا المنطلق، يحاول هذا التقرير تحليل التطورات الراهنة عبر عدد من المحاور: طبيعة التحول في الخطاب الأمريكي، دلالات الوساطة الباكستانية، موقع هدنة لبنان في معادلة الحرب، أثر أزمة هرمز والحصار البحري في ميزان الضغط المتبادل، تعقيدات الملف النووي، وحدود الدورين الصيني والإقليمي في دعم مسار التهدئة.

أولاً: دلالة التحول في الخطاب الأمريكي

أبرز ما يلفت الانتباه في التطورات الأخيرة هو التحول الواضح في نبرة الخطاب الأمريكي، ولا سيما من جانب الرئيس دونالد ترامب. فبعد مرحلة اتسمت بالتصعيد العسكري والضغط الأقصى، باتت التصريحات الأمريكية تركز على قرب التوصل إلى اتفاق، وعلى أن إيران تريد التفاهم، وأن الحرب قد تنتهي قريباً. وهذه اللهجة لا يمكن فصلها عن جملة من الاعتبارات السياسية والاستراتيجية.

أول هذه الاعتبارات أن الحرب، التي بدأت بهجوم أمريكي–إسرائيلي مشترك في 28 فبراير/شباط، تجاوزت بسرعة إطار العملية المحدودة أو الضربة المركزة، وتحولت إلى أزمة إقليمية مفتوحة ذات انعكاسات اقتصادية عالمية. وقد بدا أن كلفة استمرارها، سواء على مستوى أسعار النفط أو على مستوى المخاطر الجيوسياسية أو التداعيات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، باتت أعلى من المكاسب المرجوة من إطالة أمدها.

ثاني هذه الاعتبارات أن الإدارة الأمريكية تحاول على ما يبدو إعادة صياغة نتائج الحرب سياسياً، بحيث لا تبدو مضطرة إلى التراجع، بل قادرة على القول إن الضربات العسكرية والحصار الاقتصادي والبحري دفعت إيران إلى قبول شروط أو شبه شروط لم تكن لتقبل بها في الظروف العادية. من هنا يمكن فهم حديث ترامب عن أن طهران “وافقت على كل شيء تقريباً”، أو عن أنها عرضت عدم امتلاك سلاح نووي لأكثر من عشرين عاماً، أو عن إمكان توقيع الاتفاق في إسلام آباد بحضوره الشخصي. فهذه العبارات تخدم بناء رواية سياسية مفادها أن سياسة الضغط القصوى أنجزت ما عجزت عنه المقاربات السابقة.

ثالث هذه الاعتبارات يرتبط بالسياق الداخلي الأمريكي. فالحرب مع إيران، وفق ما يظهر من النص، لم تحظ بتأييد كبير داخل الولايات المتحدة، ووضعت ترامب في مأزق سياسي قبل انتخابات التجديد النصفي. ومعنى ذلك أن أي اختراق تفاوضي أو إعلان عن قرب التهدئة يحقق وظيفة داخلية مزدوجة: أولاً، احتواء التململ الشعبي والسياسي من تداعيات الحرب؛ وثانياً، تقديم الإدارة بوصفها قادرة على الجمع بين الحزم العسكري والفعالية الدبلوماسية.

مع ذلك، لا يجوز المبالغة في قراءة هذا التحول على أنه تحول استراتيجي كامل في الموقف الأمريكي. فبالتوازي مع هذا الخطاب المتفائل، واصلت واشنطن التلويح بالقوة، وأكدت أن الحصار البحري سيستمر، وأن القوات الأمريكية مستعدة لاستئناف العمليات أو ضرب البنية التحتية الإيرانية إذا لم تتجاوب طهران. وهذا يعني أن الخطاب الأمريكي الحالي ليس خطاب تسوية نهائية، بل خطاب تفاوض من موقع القوة، يهدف إلى ترجمة الضغط العسكري والاقتصادي إلى مكاسب سياسية ونووية ملموسة.

ثانياً: باكستان كوسيط مركزي وصعود دبلوماسية “المرحلة الانتقالية”

تكشف المعطيات الواردة في التقارير الخبرية أن باكستان تحولت إلى الفاعل الوسيط الأكثر تأثيراً في هذه المرحلة من الصراع. فإسلام آباد لا تظهر هنا كقناة اتصال ثانوية أو مسهّل لوجستي، بل كمحور دبلوماسي رئيسي يسعى إلى بناء مخرج تدريجي للأزمة. ويبرز هذا بوضوح من خلال الإشارة إلى أن الاجتماع المقبل بين الولايات المتحدة وإيران قد يُعقد في مطلع الأسبوع، وأن الاتفاق المحتمل قد يوقّع في العاصمة الباكستانية، فضلاً عن الحديث عن دور قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في تحقيق “انفراجة” في بعض القضايا الشائكة.

وتنبع أهمية هذا الدور من عدة عوامل. أولها أن باكستان تبدو مقبولة من الطرفين، أو على الأقل غير مرفوضة منهما. فهي تملك علاقات عملية مع واشنطن، وتحتفظ في الوقت نفسه بإمكانات تواصل مؤثرة مع طهران ومع عواصم إقليمية رئيسية. وثانيها أن موقعها الجغرافي والسياسي يسمح لها بتقديم نفسها وسيطاً إقليمياً لا يتصرف بوصفه امتداداً مباشراً لمحور بعينه، بل بوصفه طرفاً معنياً بمنع التدهور الإقليمي الواسع.

لكن الأهم من ذلك أن الوساطة الباكستانية، كما توحي النصوص الواردة، لا تستهدف في هذه اللحظة فرض تسوية نهائية شاملة بقدر ما تسعى إلى هندسة "مرحلة انتقالية" تمنع انهيار الهدنة وتبقي باب التفاوض مفتوحاً. وهذا ما يظهر في الحديث عن مذكرة تفاهم أولاً، يعقبها اتفاق شامل خلال ستين يوماً. وهذا النموذج التفاوضي يستجيب لطبيعة الأزمة نفسها، إذ إن الملفات المطروحة أعقد من أن تُحل في جولة واحدة، خصوصاً في ظل التباعد بشأن التخصيب والعقوبات والمخزونات النووية وحرية الملاحة والضمانات المستقبلية.

وعملياً، فإن منطق “مذكرة التفاهم الانتقالية” يخدم جميع الأطراف بدرجات مختلفة. فهو يمنح الولايات المتحدة فرصة إعلان تقدم سياسي سريع يخفف عنها أعباء الحرب. ويمنح إيران فرصة وقف الضغوط العسكرية والبحرية جزئياً من دون تقديم تنازل نهائي. كما يمنح الوسطاء فرصة تثبيت التهدئة وبناء مسار تفاوضي أكثر استدامة. إلا أن هذا المنطق نفسه يحمل نقطة ضعفه في داخله، لأنه يقوم على تأجيل حسم القضايا الأصعب، ما قد يجعل أي تفاهم مرحلي هشاً ما لم تُقرَن به ضمانات وآليات رقابة واضحة.

ثالثاً: هدنة لبنان بوصفها جبهة ملحقة بالحرب لا ملفاً منفصلاً

من السمات الأساسية للمشهد الراهن أن الجبهة اللبنانية لم تعد تُقرأ كمسار منفصل، بل كامتداد مباشر للحرب مع إيران. فالنص يوضح أن تجدد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله جاء دعماً من الحزب لطهران، وأن إيران أصرت على أن أي اتفاق سلام يجب أن يشمل أيضاً وقف القتال في لبنان. كما نُقل عن وسائل إعلام إيرانية أن وقف إطلاق النار في لبنان جزء من تفاهم تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة بوساطة باكستانية.

هذه المعطيات تعني أن الهدنة اللبنانية لا يمكن فهمها في إطار ثنائي لبناني–إسرائيلي فقط، بل ضمن مقاربة إقليمية أوسع ترى أن طهران تمتلك، أو تريد أن تمتلك، قدرة على إدراج ساحات الاشتباك المرتبطة بها في سلّة التفاوض العام. وبعبارة أخرى، فإن قبول إسرائيل والولايات المتحدة بهدنة في لبنان في هذا التوقيت قد لا يكون فقط استجابة لاعتبارات ميدانية محلية، بل جزءاً من محاولة تقليل عدد الجبهات المفتوحة بالتزامن مع تسريع مسار التفاوض مع إيران.

لكن هذه الهدنة تكشف أيضاً محدودية أي تهدئة لا تعالج الأسباب البنيوية للصراع. فالوقائع الميدانية التي ترافقت مع دخولها حيز التنفيذ تؤكد هشاشتها: إطلاق نار احتفالي وصواريخ في بيروت، قصف إسرائيلي متقطع لقرى جنوبية بحسب الجيش اللبناني والوكالة الرسمية، استمرار تمركز الجيش الإسرائيلي في الجنوب، وتحذير السكان من التحرك جنوب الليطاني. من جهة أخرى، حرص حزب الله على إظهار أن آخر عملياته تمت قبل دقائق من سريان الهدنة، بما يحمل دلالة مزدوجة: الالتزام الشكلي بالهدنة، والتمسك بسردية الاستمرار في المقاومة حتى آخر لحظة.

أما على المستوى السياسي، فإن مواقف حزب الله وإسرائيل تؤكد أن أصل المشكلة لم يُمس. فإسرائيل تربط أي تهدئة دائمة بنزع سلاح الحزب وبتثبيت “منطقة أمنية” جنوبية، بينما يعتبر الحزب أن مسألة السلاح لا يمكن مقاربتها إلا ضمن رؤية أوسع للأمن القومي. وبالتالي، فإن وقف إطلاق النار الحالي هو "ترتيب تجميد مؤقت" لا "تسوية نزاع"، ويظل قابلاً للانهيار إذا ما تعثر المسار الإيراني–الأمريكي أو إذا حاول أحد الطرفين فرض وقائع جديدة على الأرض.

ومن منظور مراكز الدراسات، تمثل هذه الهدنة نموذجاً لما يمكن تسميته "الاحتواء الوظيفي للجبهة الثانوية": أي تجميد ساحة اشتباك فرعية لا من أجل حلها نهائياً، بل من أجل تقليل الضغط على مسار تفاوضي رئيسي يدور في مكان آخر. وهذا ما يفسر الترابط العضوي بين مستقبل الهدنة في لبنان ومآلات التفاوض مع إيران.

رابعاً: مضيق هرمز والحصار البحري… منطق خنق المصالح المتبادلة

يشكل مضيق هرمز في هذه الأزمة أكثر من مجرد ممر ملاحي أو عقدة اقتصادية؛ إنه أداة ضغط استراتيجية مركزية في حسابات جميع الأطراف. فمنذ بدء الحرب، أدى الإغلاق العملي للمضيق إلى إحداث صدمة هائلة في أسواق الطاقة العالمية، حتى وُصفت بأنها من أسوأ الصدمات في التاريخ. وأدى ذلك إلى تراجع توقعات النمو العالمي، وتحذيرات من اقتراب الاقتصاد الدولي من حافة الركود إذا طال أمد الأزمة.

تكمن أهمية هرمز في أنه ليس مجرد منفذ لنفط الخليج، بل شريان لنحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. ولذلك فإن أي تعطيل مستدام لحركته لا يضغط على الولايات المتحدة أو إيران وحدهما، بل يطال الصين وأوروبا والاقتصادات الآسيوية الناشئة والأسواق العالمية بأسرها. ولهذا السبب اكتسبت مسألة إعادة فتح المضيق موقعاً مركزياً في التصريحات والمبادرات والتحركات الأوروبية والدولية.

في المقابل، جاء الحصار البحري الأمريكي ليضيف طبقة أخرى من التعقيد. فواشنطن لم تكتفِ بممارسة الضغط العسكري التقليدي، بل انتقلت إلى نمط من "الحرب الاقتصادية-اللوجستية" عبر منع السفن من الدخول إلى الموانئ الإيرانية أو مغادرتها، والتلويح بحق التفتيش والمصادرة واستخدام القوة ضد السفن المخالفة. وهذا الحصار لا يستهدف إيران اقتصادياً فقط، بل يهدف أيضاً إلى إعادة تشكيل بيئة التفاوض من خلال جعل استمرار الحرب أكثر إيلاماً لطهران من الذهاب إلى التسوية.

لكن من زاوية أخرى، فإن الحصار الأمريكي يكشف حدود القوة الأمريكية كذلك. فكلما طال أمده، ازداد تأثيره السلبي على الاقتصاد العالمي، وعلى علاقات واشنطن مع شركائها وحلفائها، ومع قوى كبرى مثل الصين التي تعتمد بدرجة عالية على النفط الإيراني أو على استقرار تدفقات الطاقة الخليجية. وبذلك يتحول الحصار إلى أداة ضغط متبادلة: يضغط على إيران مباشرة، لكنه في الوقت نفسه يضع الولايات المتحدة أمام سؤال القدرة على إدارة ارتداداته الدولية.

أما إيران، فقد سعت إلى استخدام هرمز بوصفه ورقة مساومة استراتيجية، لا مجرد أداة انتقامية. فالتقارير تشير إلى إمكان أن تسمح طهران بمرور السفن عبر الجانب العماني من المضيق ضمن تفاهم معين، وبشروط مرتبطة باتفاق أوسع أو دائم. وهذا يعني أن إيران تريد أن تستثمر الورقة البحرية تفاوضياً، وأن تضع إعادة فتح المضيق في صلب التبادل السياسي مع واشنطن، بحيث تصبح الملاحة جزءاً من حزمة تشمل العقوبات ووقف النار والضمانات.

من هنا، يمكن القول إن معركة هرمز والحصار البحري ليست معركة عسكرية صرفة، بل معركة "إدارة الإكراه الاقتصادي والسيادي". فالولايات المتحدة تريد من خلالها تكريس معادلة أن استمرار الاقتصاد الإيراني بات رهناً بالاستجابة لمطالبها، بينما تريد إيران أن تُظهر أن استقرار التجارة والطاقة العالميين يمر أيضاً عبر أخذ مصالحها الأمنية والسياسية في الحسبان.

خامساً: العقدة النووية… حيث تتعثر السياسة عند حدود التقنية والاستراتيجية

على الرغم من كل المؤشرات الإيجابية المتداولة، يبقى الملف النووي الإيراني هو العقدة الأكثر تعقيداً في المفاوضات الجارية، وربما العنصر الحاسم الذي سيفصل بين تسوية مؤقتة وتسوية قابلة للاستمرار. فالمشكلة هنا لا تتعلق فقط بمبدأ امتلاك إيران لقدرات نووية، بل بنوع هذه القدرات، ومدة تجميدها أو تعليقها، وحجم المخزون الموجود بالفعل، وطبيعة الرقابة الدولية المطلوبة.

فالفجوة لا تزال كبيرة بين الطرحين الأمريكي والإيراني. حيث الولايات المتحدة اقترحت تعليق جميع الأنشطة النووية الإيرانية لمدة عشرين عاماً، وهو مطلب شديد الثقل من منظور السيادة الإيرانية والاستراتيجية الردعية. في المقابل، طرحت إيران تعليقاً أقصر بكثير، يتراوح بين ثلاث وخمس سنوات. ولا يعكس هذا الخلاف مجرد تفاوت تفاوضي في المدة الزمنية، بل اختلافاً جوهرياً في تصور الطرفين لمستقبل البرنامج نفسه: واشنطن تريد تحييده طويل الأمد إلى حد فقدانه قيمته الاستراتيجية، بينما تسعى طهران إلى تجميده مؤقتاً من دون تفكيكه البنيوي.

أما المسألة الأكثر حساسية فتتعلق بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب. فالولايات المتحدة تضغط لنقل هذا المخزون إلى خارج إيران أو تسليمه، بينما تظهر إيران استعداداً لبحث نقل جزء منه فقط، لا كله. ومن الناحية التحليلية، فإن هذه النقطة هي التي تختزل جوهر الصراع النووي. فحتى لو تم تعليق التخصيب لفترة محددة، فإن بقاء كمية كبيرة من اليورانيوم المخصب داخل إيران يمنحها إمكانية العودة السريعة إلى مسار عسكري محتمل، وهو ما تعتبره واشنطن وتل أبيب غير مقبول.

وتزداد هذه المسألة تعقيداً بالنظر إلى تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتعلقة بحجم المخزون ومواقعه، وخصوصاً في أصفهان ونطنز. وإذا كانت هذه الكميات تتيح، وفق التقديرات الغربية، إمكان الوصول إلى “كميات كافية” لبناء عدد من القنابل خلال فترة قصيرة نسبياً، فإن أي اتفاق لا يعالج هذا الجانب بوضوح سيظل ناقصاً من وجهة النظر الأمريكية والإسرائيلية.

في الوقت نفسه، ترى طهران أن نقل كامل المخزون أو التخلي طويل الأمد عن التخصيب يساوي عملياً تجريدها من ورقة استراتيجية بنتها بتكلفة سياسية واقتصادية وأمنية عالية على مدى سنوات. ومن هنا نفهم لماذا تبدو إيران أكثر استعداداً للقبول بصيغة وسطية: نقل جزء من المخزون، أو إبقاؤه تحت رقابة صارمة، أو ربطه برفع العقوبات وضمانات دولية.

وبهذا المعنى، فإن العقدة النووية ليست فنية فقط، بل هي "عقدة سيادة وردع واعتراف متبادل". فالولايات المتحدة تريد ضماناً فعلياً بأن إيران لن تكون دولة عتبة نووية، وإيران تريد اعترافاً ضمنياً بحقها في برنامج نووي مدني قابل للاستمرار وعدم تحويل الاتفاق إلى أداة استسلام استراتيجي. وبين هذين الموقفين، يظهر اقتراح مذكرة التفاهم المرحلية كوسيلة لتأجيل الحسم الكامل ريثما يُبنى توافق تقني وسياسي أوسع.

سادساً: إيران بين الانفتاح التفاوضي والحفاظ على الحد الأدنى من الردع

من خلال المعطيات المتاحة، يبدو أن إيران تتعامل مع المرحلة الراهنة وفق مقاربة مزدوجة: إظهار الاستعداد للتفاوض، مع التمسك في الوقت نفسه بالأوراق التي تمنع تحويل التفاوض إلى إملاء أحادي. وهذه المقاربة تنسجم مع طبيعة الموقف الإيراني التقليدي في الأزمات الكبرى، حيث يُنظر إلى أي تنازل غير متوازن بوصفه خطراً على تماسك النظام وعلى صورته الإقليمية والداخلية.

فطهران، تطالب برفع العقوبات الدولية، والإفراج عن أصول مجمدة بمليارات الدولارات، والحصول على ضمانات من الأمم المتحدة أو من الأطراف الكبرى بعدم شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات جديدة في المستقبل. كما تربط خطواتها المتعلقة بإعادة فتح مضيق هرمز أو تخفيف القيود البحرية بالتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، لا مجرد هدنة عابرة. وهذا يكشف أن إيران لا تريد اتفاقاً يوقف الضربات فقط، بل اتفاقاً يعيد تعريف بيئة التهديد المحيطة بها.

وفي الوقت نفسه، لا تظهر إيران استعداداً للتخلي الكامل عن عناصر قوتها. فهي لا تزال متمسكة بحقها في التخصيب لأغراض تقول إنها سلمية، وتعارض نقل كامل مخزونها النووي، وتحتفظ بأوراق التأثير في الجبهات الإقليمية وفي الملاحة البحرية. ومعنى ذلك أن الانفتاح الإيراني على التفاوض ليس ناتجاً عن انهيار القدرة، بل عن محاولة "تحويل القدرة المتبقية إلى مكاسب تفاوضية" قبل أن تستنزف الحرب ما تبقى منها.

ولهذا السبب يمكن وصف الموقف الإيراني الراهن بأنه "تفاؤل حذر محكوم بمنطق المقايضة". فإيران لا ترفض التهدئة، بل تبدو معنية بها، لكنها تريد أن تحصل في المقابل على ما يمكّنها من القول إنها لم تدخل التسوية من موقع الهزيمة الكاملة. وهذا العامل سيكون مهماً في تفسير أي نص اتفاقي محتمل: فكلما أتاح لطهران حفظ ماء الوجه وتثبيت بعض المصالح الأساسية، ازدادت فرص قبوله داخلياً؛ وكلما بدا أقرب إلى استسلام نووي أو بحري أو سياسي، تعاظمت احتمالات تعثره.

سابعاً: التهديد العسكري المستمر كجزء من هندسة التفاوض

من أبرز تناقضات المشهد الراهن أن خطاب التهدئة يترافق مع إبقاء التهديد العسكري في أعلى درجاته. فبينما يتحدث ترامب عن قرب الاتفاق، يعلن وزير الدفاع الأمريكي أن القوات مستعدة لضرب محطات الكهرباء وقطاع الطاقة الإيراني، ويؤكد القادة العسكريون أن العمليات القتالية الكبرى يمكن أن تُستأنف فور صدور التعليمات.

تحليلياً، لا ينبغي النظر إلى هذا التناقض بوصفه ارتباكاً، بل بوصفه جزءاً من "هندسة التفاوض القسري". فالولايات المتحدة تريد أن تقنع إيران بأن الطريق الوحيد لتجنب مزيد من التدمير هو القبول بشروط تفاوضية أقرب إلى المطالب الأمريكية. وهي بذلك تسعى إلى جعل الحرب والتهديد بها جزءاً من عملية التفاوض نفسها، لا نقيضاً لها.

إلا أن هذا المنطق يحمل معه مخاطره الخاصة. فكلما بالغت واشنطن في رفع مستوى التهديد، ازداد احتمال أن تفسر طهران ذلك بوصفه محاولة لفرض استسلام، لا لبلوغ تسوية. وعند هذه النقطة، قد ترى القيادة الإيرانية أن تقديم تنازلات كبيرة تحت التهديد المباشر سيُضعف مكانتها أكثر مما يفيدها، فتعود إلى التشدد أو إلى استخدام أوراق التصعيد غير المباشر. ولذلك، فإن فعالية هذا النمط من التفاوض تعتمد على دقة التوازن بين الضغط ومنح المسار الدبلوماسي ما يكفي من المصداقية والجدية.

ثامناً: الصين… دبلوماسية الحضور دون تحمل عبء الضمان

يمثل الدور الصيني في هذه الأزمة نموذجاً كلاسيكياً لما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الحذرة عالية المصلحة". فبكين تملك أسباباً قوية للتدخل سياسياً: اعتمادها الكبير على نفط الشرق الأوسط، وحاجتها إلى استقرار الممرات البحرية، ورغبتها في تعزيز صورتها كقوة مسؤولة قادرة على المساهمة في إدارة الأزمات الدولية. لكنها في المقابل لا تريد الاندفاع إلى دور يتطلب ضمانات أمنية أو صداماً مفتوحاً مع الولايات المتحدة.

ولهذا يظهر التحرك الصيني بوصفه نشاطاً دبلوماسياً واسعاً لكن مضبوط السقف: اتصالات عديدة، رسائل تهدئة، خطة سلام من أربع نقاط، وتشجيع ضمني لإيران على الذهاب إلى المفاوضات، من دون الانتقال إلى موقع الضامن الصريح أو الطرف المنخرط عسكرياً أو أمنياً. كما أن توقيت هذا التحرك يبدو متأثراً بوضوح بالتحضير لقمة مرتقبة بين شي جين بينغ وترامب، ما يجعل بكين أكثر حرصاً على عدم اتخاذ مواقف حادة قد تربك القمة أو تؤثر في ملفات التجارة وتايوان والعلاقة الثنائية الأوسع.

وبذلك، فإن الصين تسعى إلى تحقيق معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقاتها مع إيران، والإسهام في احتواء الحرب بما يضمن تدفق الطاقة، وتجنب في الوقت نفسه تحويل الملف الإيراني إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة. وهذا يعني أن الدور الصيني مهم من حيث التسهيل والضغط الهادئ، لكنه محدود من حيث القدرة أو الرغبة في فرض تسوية أو ضمانها.

تاسعاً: الحراك الإقليمي الموازي… محاولة لبناء مظلة دعم لا لقيادة الملف

إلى جانب باكستان والصين، يظهر في النص حراك إقليمي نشط تقوده تركيا، وتشارك فيه السعودية ومصر وقطر ودول أخرى. ويبدو هذا الحراك أقرب إلى محاولة لتوفير مظلة سياسية داعمة لمسار التهدئة، وليس إلى مبادرة مستقلة تنافس الوساطة الباكستانية أو تحل محلها.

أهمية هذا الحراك تكمن في أنه يعكس إدراكاً إقليمياً متزايداً لخطورة استمرار الحرب. فدول المنطقة تدرك أن اتساع الصراع أو إطالة أمده سيهددان مباشرة الأمن الإقليمي، والملاحة، والاستثمارات، وأسواق الطاقة، والاستقرار الداخلي للدول المرتبطة عضوياً بالتجارة العالمية أو بممرات الشحن. ولذلك فإن منتديات مثل منتدى أنطاليا، والاتصالات الخليجية–الباكستانية، ليست مجرد أنشطة بروتوكولية، بل تعبير عن حاجة حقيقية إلى إدارة جماعية لنتائج الحرب ومنع انفلاتها.

غير أن هذا الحراك يظل محدوداً أيضاً، لأن القرار النهائي في ملفات الحرب والنووي وهرمز لا يزال بيد الأطراف الرئيسية: الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، مع دور داعم لوسطاء محددين. ومن ثم، فإن الفاعلين الإقليميين الآخرين يملكون القدرة على الإسناد والضغط والتشجيع واحتضان المسارات التفاوضية، لكنهم لا يملكون وحدهم القدرة على فرض اختراق إذا لم تنضج شروطه بين الأطراف المعنية مباشرة.

عاشراً: السيناريوهات المحتملة

استناداً إلى ما سبق، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمسار القريب للأزمة:

1. سيناريو التفاهم المرحلي المنضبط: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، ومفاده التوصل إلى مذكرة تفاهم أو اتفاق مؤقت يثبت وقف إطلاق النار، ويخفف الحصار أو ينظم تطبيقه، ويفتح المجال أمام مفاوضات تفصيلية تمتد لأسابيع أو نحو ستين يوماً. في هذا السيناريو، لا تُحل جميع القضايا، لكن يتم تجميد عناصر الانفجار الفوري، مع الحفاظ على أمل الوصول إلى اتفاق أشمل.

هذا السيناريو يحظى بأفضلية نسبية لأنه يسمح لكل طرف بادعاء نجاح جزئي: واشنطن تحقق اختراقاً دبلوماسياً، إيران توقف الضغط العسكري المباشر وتحصل على تخفيف ما، والوسطاء يثبتون دورهم.

2. سيناريو التعثر تحت سقف الهدنة: في هذا السيناريو، تُستكمل بعض الاجتماعات وتصدر تصريحات إيجابية، لكن الخلافات الجوهرية، خصوصاً النووية، تمنع الانتقال إلى اتفاق قابل للتنفيذ. تستمر الهدنة شكلياً لبعض الوقت، لكن مع خروقات متزايدة في لبنان، واستمرار الإغلاق الجزئي لهرمز، واستمرار الحصار الأمريكي، ما يبقي المنطقة في حالة “لا حرب شاملة ولا سلم فعلي”.

هذا السيناريو محتمل إذا بقيت القضايا الأساسية مؤجلة أكثر من اللازم، أو إذا حاولت الأطراف استخدام الوقت لتحسين مواقعها من دون نية حقيقية لتقديم تنازلات.

3. سيناريو الانهيار والعودة إلى التصعيد: وهو الأقل تفضيلاً لكنه يظل وارداً. ويحدث إذا فشلت الوساطة في ردم فجوات الملف النووي أو إذا وقع حادث ميداني كبير في هرمز أو لبنان أو في مسرح آخر، يدفع أحد الأطراف إلى الاعتقاد بأن المسار الدبلوماسي استنفد غرضه. عندها قد تعود الضربات العسكرية الواسعة، ويتشدد الحصار، وترتفع أسعار الطاقة مجدداً بصورة أكثر حدة.

ورغم أن هذا السيناريو لا يبدو الخيار المفضل حالياً لأي طرف رئيسي، فإن هشاشة الترتيبات القائمة تعني أن احتمال الانزلاق إليه لا يزال قائماً.

خاتمة

تشير التطورات الراهنة إلى أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران دخلت مرحلة مختلفة، عنوانها الرئيس ليس الحسم العسكري ولا التسوية النهائية، بل "التفاوض تحت ضغط متبادل". فالولايات المتحدة تحاول استثمار القوة والحصار في فرض إطار اتفاق يحد من الخطر النووي الإيراني ويفتح هرمز ويمنح إدارة ترامب إنجازاً سياسياً. وإيران، من جهتها، تحاول استخدام ما تبقى لديها من أوراق بحرية ونووية وإقليمية لتحويل وقف الحرب إلى صفقة لا تنال من جوهر مكانتها الاستراتيجية. وبين الطرفين، تتقدم باكستان كوسيط عملي، فيما تؤدي هدنة لبنان وظيفة تخفيف الضغط على المسار الرئيسي أكثر مما تعكس حلاً مستقلاً للجبهة اللبنانية.

لكن ما يجعل هذه اللحظة دقيقة إلى هذا الحد هو أن فرص التهدئة حقيقية، من دون أن تكون مكتملة؛ وأن مؤشرات الانفراج موجودة، من دون أن تكون راسخة؛ وأن جميع الأطراف تدرك كلفة استمرار الحرب، من دون أن تكون مستعدة بعد لتقديم التنازل الحاسم الذي يحول الهدنة إلى سلام أو حتى إلى تسوية مستقرة.

وعليه، فإن التوصيف الأدق للمرحلة الحالية هو أنها "مرحلة انتقال بين حرب مفتوحة وتسوية غير مكتملة". نجاحها سيتوقف على قدرة الوسطاء على تحويل التفاهمات العامة إلى ترتيبات تفصيلية قابلة للتحقق، وعلى قدرة الأطراف المعنية على تقبل مبدأ المكاسب المتبادلة المحدودة بدلاً من السعي إلى فرض انتصار كامل. وإذا لم يتحقق ذلك، فإن ما يبدو اليوم انفراجاً قد يتحول سريعاً إلى هدنة قصيرة في صراع لم تُغلق بعد أسبابه العميقة.

اضف تعليق