إذا كان العالم عالم عقلاء، لماذا نبني المستشفيات للعناية بالصحة، ونربّي الأطباء الحاذقين، ونكدح ليل نهار لعلاج عين، أو قلب أو شفاء حمّى أو ما أشبه، ثم في قبال كل ذلك نهيئ وسائل التدمير الجماعية التي تخلّف ملايين الجرحى والمصابين والمعتوهين؟ هل هذا عمل العقلاء؟...
(لماذا قُتل الملايين خلال نصف قرن في حربين عالميتين، تركت العالم شظايا ورماداً ودماء ودموعاً وأشلاء) الإمام الشيرازي
إذا كان قادة العالم، لاسيما أولئك القادة الذين يمكن لقراراتهم أن تؤثر على البشرية كلها، إذا كانوا يتحلّون بالحكمة والسلوك الرشيد، لما آل مصير العالم إلى ما حدث وما يحدث الآن من خراب لا حدود له، بسبب الحروب والاعتداءات والظلم وتدمير كرامة الإنسان، فالنتائج التي يقدمها لنا التاريخ المنظور وما يجري الآن، يثبت بما لا يقبل الريب أن أولئك القادة المتحكمون بمصير العالم لا يتحلون بالعقول الصالحة أو السويّة، وهناك عشرات من الأحداث الكارثية تؤكد افتقار أولئك القادة إلى العقول الرشيدة.
وهذا يعني فيما يعنيه أن العالم يُقاد بواسطة أنا أقرب إلى الجنون من سواه، بحيث يمكن أن يُقدم هؤلاء على قرارات (مثل إعلان الحرب) بحيث يضر الآخرين ونفسه أيضا، ولا يتردد أو يتورع عن القيام بذلك لأنه لا يعي ما يفعل، أما العاقل فهو الإنسان الذي يوزن الأفعال من خلال استنتاج المخرجات قبل حدوثها، وإذا كان قائدا رشيدا يُحجم عن إطلاق الأوامر أو القرارات التي تدمر العالم وتؤذيه في نفس الوقت.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (كتاب الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام):
(إن المجنون هو الذي يمارس الأعمال الاعتباطية، مما يضرّ نفسه ويضرّ الآخرين، أما العاقل فهو الذي يمارس الأعمال بحكمة فيما ينفع نفسه وينفع الآخرين، أليس كذلك؟، فإذا كان الجواب بالإيجاب، فهل العالَم يقوم بالأعمال المفيدة لنفسه ولغيره أم يقوم بالأعمال الضارة؟).
النتائج البشعة للحروب
السؤال الذي ورد قبل قليل والإجابة عنه من قبل أصحاب القرار وأصحاب الشركات الكبرى وحتى رئيس أية حكومة، سوف يكون بالإيجاب، فليس هناك شخص من هؤلاء يقرّ بأنه ليس سويّا، الجميع يقولون بأنهم عقلاء، ولكن أفعالهم وقرارات وسلوكياتهم هي التي تثبت بأنهم مفتقرون إلى الحكمة والتدبّر والتفكير السليم.
وعلى العكس من ذلك لو كان هؤلاء الذين يؤثرون في أحوال العالم عقلاء فعلا، لما تعرّض العالم للتدمير، ولما أزهقت أرواح الملايين في حربين عالميتين، فضلا عن النتائج البشعة من جوع وحرمان وتدمير وتشريد طال عشرات الملايين من البشر، وهم أبرياء لا يستحقون ما حصل لهم، وكل ذنبهم أنهم يقادون من قبل أشخاص ليسوا عقلاء.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(من الواضح أن كل فرد يجيب عن السؤال السابق بقوله: أنا عاقل! وكذا يجيب صاحب كل شركة، ورئيس كل حكومة، ولكن إذا كان العالَم عالم العقلاء، فلماذا قُتل الملايين خلال نصف قرن في حربين عالميتين، تركت العالم شظايا ورماداً ودماء ودموعاً وأشلاء ومعاقين وما إلى ذلك؟).
وإذا انتقلنا من الحروب العسكرية إلى حروب من نوع آخر، كالحروب الاقتصادية، فإن السؤال الذي يبرز بقوة هو: من الذي سمح لقلة من الأفراد أن يمتلكوا ثروات البشرية ويسيطروا عليها من خلال شركات الاستحواذ والاحتكار، ففي الوقت الذي يمتلك فيه أفراد قليلون آلاف المليارات، يموت في نفس الوقت ملايين الأطفال جوعا ومرضا وتطحنهم ماكنة الجوع بلا رحمة، فهل مثل هذه النتائج القاهرة تنتسب لأناس يتحلون بالعقل.
وإذا افترضنا بأن صانعي القرارات العالمية هم آباء لبني البشر، فهل يصح أن يتعاملوا بمكيالين، يغدقون على البعض من أولادهم بلا حساب ولا ضمير، ويقتّرون على الآخرين حدَّ الموت؟، ثم في الآخر هل هذه السياسات (المتباينة القاتلة)، تصدر عن آباء عقلاء، وعن أشخاص لديهم عقول رشيدة؟
وهنا يتساءل الإمام الشيرازي قائلا:
(لماذا يتكدّس المال بحيث بعض الأفراد يمتلك آلاف المليارات، بينما الملايين جائعون، وبينما الملايين من الأطفال يموتون جوعاً وهل هذا من التعقّل بشيء؟ فلو كان والد عائلة يعطي لولد من أولاده عشرة أرغفة من الخبز ويترك عشرة آخرين من أولاده جائعين إلى حد الموت، فهل يعد هذا الوالد عاقلاً، وإن كان هذا الوالد يعدّ عاقلاً، فمن هو المجنون؟، إذاً ليس الجنون خاصاً بمن يقفز في الشارع، ويتسلّق الجدران ويشقّ ملابسه ويلوّث بدنه، فإن المجنون أيضاً هو من يضرّ نفسه ويضرّ الآخرين).
ومن المفارقات الغريبة حقا، أنهم يشيّدوا المصحات والمستشفيات، وينفقوا المليارات على معالجة المرضى والمصابين أو على مكافحة الجوائح والأوبئة، ثم في نفس الوقت، وبأموال أكثر وأكبر يصنعون أسلحة الفناء للبشرية كلها بحجة ما أسموه بأسلحة الردع النووي.
إن من يسعى لبناء المستشفيات والجامعات والمركز البحثية من أجل التطور البشري، كيف يذهب في نفس الوقت إلى صناعة أسلحة القتل والتدمير الشامل، وهل مثل هذه الأفعال المتناقضة تدل على أن عالمنا هذا ينتمي إلى العقل؟
يقول الإمام الشيرازي:
(إذا كان العالم عالم عقلاء، لماذا نبني المستشفيات للعناية بالصحة، ونربّي الأطباء الحاذقين، ونكدح ليل نهار لعلاج عين، أو قلب أو شفاء حمّى أو ما أشبه، ثم في قبال كل ذلك نهيئ وسائل التدمير الجماعية التي تخلّف ملايين الجرحى والمصابين والمعتوهين؟ هل هذا عمل العقلاء؟).
العالم يمضي نحو الفناء الشامل
ثم نقرأ مثالا آخر على لاعقلانية العالم، وهو إقدام هذا العالم والمتحكمون به والمسيطرون عليه بإحراق ملايين الأطنان من الغلال أو يتم إلقاءها في بطون وأعماق البحار، وفي نفس الوقت هنالك مجاعات هائلة يئن تحت وطأتها الملايين من البشر في أفريقيا وسواها.
فتكون النتيجة هلاك الملايين وإزهاق أرواحهم بسبب سوء التغذية، أو عدم الحصول على ما يسد الرمق، وعدم الحصول على الرعاية والعناية الصحية أو سواها، لذا فإنه من المضحك المبكي أن يوصَف عالمنا بأنه عالم عقلاء، وهذه حقيقة تثبتها الأدلة والشواهد
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إذا كان العالم عالم العقلاء، فلماذا تُحرق المحاصيل الزراعية مثل القمح والسكّر والأرز، وتُلقى في البحر ملايين الأطنان من الحليب المجفف والأدوية؟ بينما هناك ملايين من الناس يموتون جوعاً، أو لسوء التغذية، أو يمرضون بسبب عدم كفاية الدواء والغذاء والعناية الصحية).
إن ما يحدث لعالمنا هذا هو نوع من الاختلال المزمن، وفقدان مستدام لكل الموازين والمقاييس العقلية، وقد ثبت ذلك مما ذكرنا فيما تقدّم من هذا المقال. حيث يتساءل الإمام الشيرازي قائلا: (أليست هذه الأمور وأمثالها تعطي دليلاً على أن العالم الذي نعيش فيه قد فقد الموازين؟).
ثم يؤكد على: (أن عالم اليوم هو عالم المجانين وليس بعالم العقلاء، عالم المرضى وليس بعالم الأصحاء، عالم المنحرفين وليس بعالم المستقيمين).
وهذا تحذير شديد الوضوح وشديد الخطورة في الوقت نفسه، لكل إنسان يعيش في عالمنا هذا، ولعل المسؤولية تتضاعف كلما كان هذا الإنسان حاكما أو قائدا أو مسؤولا يحتل مركزا ذا قرار تؤثر نتائجه في مصائر البشرية، كإعلان الحرب، أو الحصار، أو العقوبات الاقتصادية، أو قرارات الاحتكار العالمية، فكل ها من شأنه أن يذهب بهذا الكوكب وبساكنيه إلى مصير أقل ما يُقال عنه بأنه مصير (الفناء الشامل) الذي لا يستثني كبير متحكّم ولا صغير مستضعَف.



اضف تعليق