عراق ما بعد 2003 ظل معلقاً بين قوانين (اشتراكية) كثيرة تجاوزها الزمن ولم تعد فاعلة منذ التسعينات وقبلها ربما، وبين واقع جديد يجب أن تكون فيه للاقتصاد قوانين وروافع إدارية مواكبة للجديد في العالم؛ قوانين لا تحتاج إلى رؤية اشتراكية تقليدية كما كان عليه الاتحاد السوفيتي والصين الماوية، وإنما...
في شباط من العام 1919 دعا لينين الأحزاب الاشتراكية في العالم إلى مؤتمر في موسكو، للخروج برؤية موحدة لمعالجة قضايا (الشغيلة) والشعوب بشكل عام في العالم. وكان هذا بعد انتصار ثورة أكتوبر في روسيا أواخر العام 1917.
كان العالم يعيش أجواء ما بعد الحرب العالمية الأولى، التي امتزجت فيها مشاعر الفرح بالنجاة من المحرقة الكبرى بمشاعر أخرى متعارضة، توزعت بين مهزومين يلعقون جراحهم ومنهم روسيا نفسها، وبين منتصرين راحوا يجمعون ما استولوا عليه من غنائم كبرى. لكن الشيء الأكيد وقتذاك أن العالم بشكل عام كان يعيش أوضاعًا معيشية بائسة، وانقسامات حادة وتخلفًا مريعًا في أغلب بقاعه.
لقد دخل المؤتمر الذي دعا إليه لينين التاريخ باسم (الأممية الثالثة) وكان بعد مؤتمرين كبيرين، أولهما حصل في العام 1863 في لندن والذي دعا إليه ماركس، وكان تحت عنوان (مؤتمر الشغيلة العالمية) ودخل التاريخ لاحقًا باسم (الأممية الأولى)، والثاني كان في العام 1889 في باريس والذي دعا إليه إنجلز ودخل التاريخ باسم (الأممية الثانية)؛ وهو المؤتمر المثير الذي يمكن القول إن بعض مخرجاته ألهمت لينين ودفعته لتبني أهم طروحاته، والمتمثلة بموقف إنجلز من الأحزاب الاشتراكية الأوروبية التي دخلت لعبة الانتخابات في ظل النظم الرأسمالية وقتذاك، ووجد أنها لا تحقق شيئًا للشغيلة بقدر ما تشرعن النظم الرأسمالية أو الليبرالية التي فشلت في تحقيق مطالب العمال الذين كانوا يعيشون أوضاعًا بائسة.
لقد وضع لينين شروطًا للانضمام للاشتراك بمؤتمر (الأممية الثالثة)، ومن يقرأها سيجد أنها تمثل بداية تأسيس الأنظمة الشمولية؛ لأنها نصت على أن تكون الدولة، بجميع مفاصلها، بيد الثوريين من المخلصين للاشتراكية أو الشيوعية، وقد فشلت مساعي (الاشتراكيين الديمقراطيين) الأوروبيين ممن أرسلوا وفدًا إليه للتشاور في ثنيه عن إقامة دولة شيوعية بالشكل الذي ظهرت عليه للوجود بعد مؤتمر (الأممية الثالثة) الذي انبثقت عنه ما عرفت بـ(الشيوعية الدولية) أو الكومنترن.
هل كان لينين مخطئا أو ارتكب خطيئة تاريخية بإجرائه هذا؟
من الممكن أن نعيد السؤال بصيغة أخرى: هل كان أمام لينين وكل من يطمح وقتذاك إلى تغيير واقع الإنسانية البائس غير هذا الطريق؟ والجواب كما يرى كثيرون هو أن لينين لم يكن مخطئًا، وأن ما قام به أملته ضرورة تاريخية، وقد تبين أن ما حصل في روسيا أو (الاتحاد السوفيتي) أدى إلى تغيير الأنظمة الرأسمالية، لاسيما في أوروبا، للكثير من القوانين التي فيها تعسف على العمال والطبقات الفقيرة، تفاديًا لحصول ثورة مماثلة للثورة الروسية. وهكذا نهض واقع العمال ومختلف شرائح المجتمع في أغلب دول العالم، الرأسمالية منها والاشتراكية على حد سواء؛ فالاستغلال والإهمال للشرائح الاجتماعية الواسعة يؤدي إلى الثورة، وينبغي تجنب ذلك بالإصلاحات!
بعد عقدين من الزمن واجه (الاتحاد السوفيتي) أكبر تحدٍ له في تاريخ روسيا والمتمثل بالنازية لكنه دحرها، وكان ينبغي بعد الحرب العالمية الثانية أن يعيد (الاتحاد السوفيتي) النظر بالكثير من القوانين والإجراءات، لاسيما التي تتصل بضمير الإنسان وجذره (السماوي) والرأي المختلف ويستوعب ذلك ديمقراطيًا، بدلاً من الإصرار على (قدسية) النظرية (الماركسية اللينينية) وتجريم تخطيئها، والذي أدى بعد ثلاثة عقود إلى تفكك النظام وحصول الفوضى التي عصفت بروسيا لأكثر من عقد قبل أن تستعيد أنفاسها.
لكن برؤية جديدة وواقع عالمي جديد لم يعد بحاجة إلى إجراءات راديكالية مماثلة لما فعلته الشيوعية لكي يستمر في البناء. فالتجربة كانت قاسية وأفرزت دروسًا عميقة، وقد أسهمت كل من الاشتراكية والليبرالية معًا، ومن خلال تصادمهما (سياسيًا وثقافيًا وعسكريًا) في صنع تلك التجربة وإنضاجها؛ أي أن هناك رؤية جديدة تجلت أمام الجميع، هي أن ما تريده الاشتراكية ممكن تحقيقه ولو بإجراءات تنضج تدريجيًا، إذ لم تعد هناك ضرورة لإجراءات راديكالية مع تقدم العلم ووفرة المعروضات المختلفة بفعل التقنيات الصناعية الحديثة التي غطت العالم، وأن (الاقتصاد الحر) لم يعد حرًا في تعسفه السابق، وإنما بات محكومًا بإجراءات ومعاهدات دولية تضبط إيقاعه.
وأصبح الوعي العام على مستوى النخب السياسية والمجتمعية متقدمًا إلى حد كبير قياسًا بما كان عليه قبل قرن وأكثر، وأخذت القوانين المحلية تخضع بشكل أو بآخر لقوانين دولية وقف مشرّعوها على تجربة إنسانية غنية، وأصبحت قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان واحترام القوانين الدولية والمحلية أساس بناء الدول وهي من تحدد طبيعة العلاقات بينها.
لقد انهار النموذج السوفيتي لأنه لم يجدد نفسه، بينما استمر وبنجاح ساحق النموذج الصيني لأنه زاوج بين الاشتراكية والرأسمالية، ففي كليهما ما يخدم الاقتصاد ويصنع التنمية، وبالتأكيد استفادت النظم الرأسمالية من الاشتراكية في كيفية إقامة العدالة الاجتماعية ولو بأدوات تنفيذية مختلفة، لذا يجد من يذهب لبعض الدول الأوروبية الرأسمالية، وبعضها ملكية، الكثير من التطبيقات ذات الطابع الاشتراكي هناك.
العراق عاش مراحل اقتصادية مختلفة، وتفاعل مع النماذج العالمية، لكن برؤية سياسية تكاد تكون خاصة؛ فهو عاش مرحلة الاقتصاد الرأسمالي في ظل العهد الملكي وكانت تجربة غير متكاملة، حيث الإقطاع الريفي المتخلف وغياب قوانين العمل في المدن، وعلى الرغم من وجود لمسات اقتصادية رائعة نمت في تلك المرحلة لكنها كانت قاصرة عن تغطية حاجة الشعب أو حتى نصفه بما ينبغي أن يحصل عليه.
ومن ثم عاش تجربة اشتراكية من نوع خاص، بعيدة نسبيًا عن الشيوعية وإن استفادت منها في بعض المفاصل، لكن الذي تحقق يمكن وصفه باشتراكية المؤسسات الحكومية بالتجاور مع (رأسمالية الشارع) إن صح التعبير؛ أي أن العراق ولنحو أربعة عقود تقريبًا، كان يقيم نموذج اقتصاد (اشتراكي) لكنه فسح المجال للقطاع الخاص أن يمارس نشاطه في الوقت نفسه وشجعه أيضًا، وقد انتعشت الصناعة المحلية في السبعينات بشكل ملحوظ، إلا أن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيًا أثناء حرب الثمانينات لصالح القطاع الخاص، قبل أن تحل كارثة التسعينات التي كانت بداية الخراب الاقتصادي الشامل وفوضى السوق بسبب انهيار العملة الوطنية، وانحسار الصناعة وعدم القدرة على ملاحقة الجديد في العالم.
عراق ما بعد 2003 ظل معلقًا بين قوانين (اشتراكية) كثيرة تجاوزها الزمن ولم تعد فاعلة منذ التسعينات وقبلها ربما، وبين واقع جديد يجب أن تكون فيه للاقتصاد قوانين وروافع إدارية مواكبة للجديد في العالم؛ قوانين لا تحتاج إلى رؤية اشتراكية تقليدية كما كان عليه الاتحاد السوفيتي والصين الماوية، وإنما لما هو عليه عالم اليوم الذي لا يمكن ملاحقته والتعامل معه بآليات اقتصادية لم تعد فاعلة ومعمولاً بها في العالم.
نعم، نحن بحاجة حقيقية لبناء اقتصاد حديث وبقوانين حديثة، وأيضًا لصناعة حديثة يجب أن تكون في بلدنا الذي كانت فيه آلاف المعامل الحكومية والأهلية، وإلا سنبقى مستهلكين واقتصادنا ريعي لا يمكن أن ينطبق عليه وصف معين.. كما هو حاله الآن للأسف!.



اضف تعليق