يكشف تقرير الأمم المتحدة الاجتماعي لعام 2026 استمرار الفجوات بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية في 168 دولة، رغم التقدم التكنولوجي والإنتاجي. ويرصد تفاوت فرص العمل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية، ومخاطر اتساع الفجوة الرقمية وتأثيرات المناخ والديون. ويدعو إلى سياسات تنموية تجعل المشاركة الاقتصادية والاجتماعية أساسًا للنمو المستدام، وتضمن توزيعًا...
تشهد الاقتصادات العالمية تحولات متسارعة في التكنولوجيا والإنتاج والطاقة، تترافق مع استمرار تفاوت الدخول وفرص العمل والحصول على الخدمات الأساسية. ويكشف تقرير الأمم المتحدة الاجتماعي لعام 2026 أن التقدم الاقتصادي لا يؤدي تلقائيًا إلى تحسن الأوضاع الاجتماعية، وأن البلدان المتقاربة في مستويات الدخل تحقق نتائج مختلفة في توزيع مكاسب التنمية. ويطرح التقرير مفهومًا اقتصاديًا جديدًا يجعل المشاركة الاجتماعية جزءًا من عملية النمو، بدل اعتبارها نتيجة تأتي بعد تحقيقه.
أصدرَت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة تقريرها الاجتماعي العالمي لعام 2026 تحت عنوان «اقتصاديات الإدماج الاجتماعي الجديدة.. جعل التحولات تصب في مصلحة الجميع»، في وقت تواجه فيه الاقتصادات والمجتمعات تحديات متزامنة تشمل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والتحول نحو الطاقة النظيفة، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، واتساع الضغوط التي تتعرض لها أسواق العمل وأنظمة الحماية الاجتماعية.
ويقدم التقرير تقييمًا مقارنًا لأداء 168 دولة خلال الفترة 2000–2024، بهدف قياس التقدم في التحولات الاقتصادية والرقمية والطاقوية، ومدى اقتران هذا التقدم بتحسين العدالة الاقتصادية والاجتماعية. وتكشف نتائجه أن التنمية لا تسير بوتيرة واحدة بين البلدان، وأن التقدم في مجالات الإنتاج والتكنولوجيا قد يتزامن مع استمرار التفاوت وضعف المشاركة الاقتصادية وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية.
ويرى التقرير أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب تحولًا في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، يقوم على اعتبار التعليم والصحة والعمل والحماية الاجتماعية والوصول إلى التكنولوجيا والطاقة عناصر أساسية في بناء اقتصاد منتج وقادر على التكيف، وليست مجرد نفقات اجتماعية منفصلة عن أهداف التنمية.
عالم يتقدم اقتصاديًا وفجوات اجتماعية مستمرة
يرصد التقرير تحسن عدد من المؤشرات الاجتماعية العالمية خلال العقود الماضية، بما يشمل توسع فرص التعليم والخدمات الصحية وظهور أنشطة اقتصادية جديدة. غير أن هذه المكاسب لم تتوزع بالتساوي بين البلدان والفئات الاجتماعية، وظلت قطاعات واسعة من السكان تواجه عوائق تحد من قدرتها على المشاركة في النشاط الاقتصادي والاستفادة من التحولات الجارية.
وتكشف المؤشرات التي جمعها التقرير من قواعد بيانات الأمم المتحدة والبنك الدولي ومنظمة العمل الدولية عن فجوات واضحة في سوق العمل والخدمات الأساسية والوصول إلى التكنولوجيا.
ففي عام 2025، بلغت نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، ولا يعملون ولا يتلقون تعليمًا أو تدريبًا، نحو 19.8% على المستوى العالمي. وبلغت هذه النسبة 27.1% بين الشابات، مقابل 12.9% بين الشباب الذكور، بما يعكس اختلافات واسعة في فرص الانتقال من التعليم إلى العمل والمشاركة الاقتصادية.
وفي العام نفسه، بلغت نسبة العمالة غير الرسمية 57.9% من إجمالي العمالة العالمية، ما يشير إلى استمرار اعتماد أعداد كبيرة من العاملين على أنشطة لا تتمتع بالمستوى نفسه من التنظيم والحماية والحقوق المرتبطة بالوظائف الرسمية.
وتمثل هذه النسبة أحد أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية، لأن ضعف التنظيم والحماية يجعل العاملين أكثر تعرضًا لتقلبات الدخل وفقدان العمل، ويحد من قدرتهم على الادخار والاستثمار في تطوير مهاراتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.
وفي المجال الرقمي، أظهرت بيانات عام 2025 أن نحو 26% من سكان العالم لا يستخدمون الإنترنت، رغم الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية واتساع اعتماد الشركات والمؤسسات التعليمية والحكومات على الخدمات الإلكترونية.
أما في مجال المشاركة الاقتصادية، فقد بلغت نسبة الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر وخارج قوة العمل نحو 39.2% في عام 2024، مع تفاوت واضح بين الرجال والنساء، إذ بلغت النسبة 27% بين الرجال و51.3% بين النساء.
وتكشف هذه المؤشرات عن طبيعة التحديات التي تواجه التنمية العالمية. فالتقدم في وسائل الإنتاج والخدمات الحديثة لا يضمن وصول الجميع إلى الوظائف والتعليم والتكنولوجيا، كما أن اتساع النشاط الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى تقليص الفجوات الاجتماعية بالقدر نفسه.
ويؤكد التقرير أن استمرار هذه الفوارق ينعكس على الاقتصادات نفسها، لأنه يحد من الاستفادة من القدرات البشرية، ويضعف إنتاجية العمل، ويقلص فرص الابتكار وتطوير المشروعات، ويجعل المجتمعات أقل قدرة على مواجهة الأزمات.
النمو الاقتصادي لا يضمن توزيعًا عادلًا للمكاسب
تشكل العلاقة بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية أحد المحاور الرئيسية في التقرير، الذي يوضح أن ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي أو متوسط دخل الفرد لا يكفي وحده لقياس مدى استفادة المواطنين من التنمية.
فالدول قد تحقق معدلات متقاربة من النمو أو مستويات متشابهة من الدخل، بينما تختلف بصورة كبيرة في نوعية الوظائف المتاحة، ومستوى الخدمات الأساسية، ومدى انتشار الحماية الاجتماعية، وقدرة السكان على المشاركة في النشاط الاقتصادي.
ويطلق التقرير على هذه الظاهرة مفهوم «فجوة التحويل»، الذي يشير إلى الاختلاف بين ما تحققه البلدان من تقدم اقتصادي وتكنولوجي وما يتحول منه فعليًا إلى مكاسب اجتماعية واسعة.
ولقياس هذه العلاقة، طور التقرير مؤشر «التحول الشامل اجتماعيًا»، الذي يجمع بين ركيزتين أساسيتين، تشمل الأولى التحول الاقتصادي والرقمي والطاقوي، بينما تشمل الثانية الإنصاف الاقتصادي والاجتماعي.
ويستند المؤشر إلى 13 متغيرًا موزعة على خمسة مجالات فرعية، ويسمح بمقارنة أداء الدول وفق قدرتها على تحقيق التحولات الاقتصادية مع المحافظة على مشاركة واسعة في عوائدها.
وأظهرت النتائج أن درجات البلدان الـ168 تراوحت بين نحو 51 و160 نقطة، بوسيط بلغ 105 نقاط، فيما وقعت درجات نصف البلدان تقريبًا بين 88 و133 نقطة. وهذه الدرجات تعبر عن الأداء المقارن وفق منهجية المؤشر، ولا تمثل نسبًا مئوية لتحقيق التنمية.
كما وجد التقرير ارتباطًا إيجابيًا بين ارتفاع الدخل وتحسن الأداء على المؤشر، لكنه كشف عن اختلافات واسعة بين دول متقاربة في مستويات الدخل، خصوصًا في أفريقيا وآسيا والأمريكتين.
وتشير هذه النتيجة إلى أن حجم الموارد الاقتصادية وحده لا يحدد مستوى الإدماج الاجتماعي، وأن السياسات العامة ونوعية المؤسسات وتوزيع الاستثمارات والخدمات تلعب دورًا مهمًا في تحويل الموارد والنمو إلى تحسينات فعلية في حياة السكان.
ويظهر التقرير أن البلدان الأوروبية تميل عمومًا إلى تسجيل أداء مرتفع في التحول والشمول الاجتماعي معًا، في حين تتركز بلدان أفريقية عديدة عند مستويات أدنى في كلا المجالين، بينما تتفاوت أوضاع البلدان الآسيوية بصورة واسعة.
وتعكس هذه الفوارق اختلاف الظروف الاقتصادية والقدرات المؤسسية ومستويات البنية التحتية والتعليم والحماية الاجتماعية، إلى جانب اختلاف السياسات التي تعتمدها الحكومات لتوجيه الاستثمارات وتوزيع الفرص.
ومن النتائج المهمة أن التقدم الاقتصادي كان أوسع انتشارًا خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية من التقدم في التحولين الرقمي والطاقوي، بينما ظل الإنصاف الاجتماعي من أكثر المجالات تفاوتًا بين البلدان.
ويؤكد التقرير أن التحول الاقتصادي الذي لا يترافق مع توسيع الوصول إلى الخدمات والمهارات والفرص قد يؤدي إلى اقتصادات أكثر تطورًا من الناحية الإنتاجية، لكنها لا تستفيد بصورة كاملة من قدراتها البشرية والاجتماعية.
تفاوت الدخول والثروة.. استمرار الفجوات داخل البلدان
لا يقتصر التفاوت الذي يرصدُه التقرير على الفروق بين البلدان الغنية والفقيرة، بل يمتد إلى داخل الاقتصادات نفسها، حيث تختلف قدرة الأفراد والأسر على الاستفادة من النمو الاقتصادي.
ويعرض التقرير بيانات عن استمرار ارتفاع التفاوت في الدخل داخل عدد من البلدان، إلى جانب اتساع الفروق في القدرة على الوصول إلى الموارد والخدمات والفرص الاقتصادية.
وتتأثر حصة الأسر من النمو بعدة عوامل، من بينها مستوى الأجور، وطبيعة الوظائف المتاحة، وملكية الأصول، والسياسات الضريبية، ومدى وصول الخدمات العامة إلى الفئات المختلفة.
فعندما تتركز المكاسب الاقتصادية في أنشطة محدودة أو لدى مجموعات تمتلك رأس المال والمهارات المتقدمة، تصبح استفادة بقية السكان من النمو مرتبطة بمدى قدرة الاقتصاد على توفير وظائف منتجة وتوزيع عوائد النشاط الاقتصادي.
كما أن الاختلاف في فرص التعليم والتدريب والتمويل يجعل بعض الأفراد أكثر قدرة على الاستفادة من التحولات الاقتصادية، في حين تبقى فئات أخرى في أنشطة منخفضة الإنتاجية والدخل.
ويشير التقرير إلى أن ضعف المشاركة الاقتصادية الواسعة يؤدي إلى خسائر تتجاوز الجوانب الاجتماعية المباشرة، لأنه يحرم الاقتصاد من مهارات وأفكار وقدرات إنتاجية كان بالإمكان استثمارها.
ويؤثر تفاوت الدخول كذلك في الطلب الاستهلاكي، إذ ترتبط قدرة الأسر على الإنفاق بمستوى دخولها واستقرارها المالي. ولذلك فإن توسيع فرص العمل وزيادة القدرة الشرائية يمكن أن يساهما في تنشيط الأسواق وتحسين قدرة المشروعات على النمو.
ويضع التقرير هذه العلاقة ضمن مفهوم أوسع، يجعل العدالة الاقتصادية عاملًا مساعدًا على استدامة النمو، من خلال تعزيز مشاركة السكان في الإنتاج والاستهلاك والاستثمار.
سوق العمل.. أكثر من نصف العمالة العالمية خارج التنظيم الرسمي
يمثل سوق العمل أحد المجالات التي تظهر فيها الفجوة بين التقدم الاقتصادي والاندماج الاجتماعي بصورة واضحة.
فرغم تطور قطاعات الإنتاج والخدمات وظهور أنشطة جديدة تعتمد على التكنولوجيا، ما زالت نسبة كبيرة من العاملين في العالم تعمل ضمن الاقتصاد غير الرسمي، حيث تختلف مستويات الحماية القانونية والاجتماعية واستقرار الدخل بصورة كبيرة.
وتشير نسبة العمالة غير الرسمية البالغة 57.9% في عام 2025 إلى استمرار تحدٍ واسع النطاق، خصوصًا في الاقتصادات النامية التي يعتمد فيها جزء كبير من السكان على الأعمال الصغيرة والعمل لحسابهم الخاص والأنشطة غير المنظمة.
وتواجه هذه الفئات صعوبات في الحصول على التأمينات الاجتماعية والتقاعدية والخدمات المالية والتدريب، كما تتأثر بدرجة كبيرة بالتقلبات الاقتصادية وارتفاع الأسعار وتراجع الطلب.
ويشير التقرير إلى أن التطور الاقتصادي يمكن أن يفتح فرصًا جديدة في قطاعات الخدمات الحديثة والأنظمة الزراعية والغذائية والأنشطة الإنتاجية المرتبطة بالتكنولوجيا. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب توافر المهارات والبنية التحتية والتمويل وآليات الانتقال إلى وظائف أكثر إنتاجية.
وتزداد أهمية هذه المتطلبات بالنسبة للشباب الذين يدخلون سوق العمل للمرة الأولى، خصوصًا في البلدان التي تعاني محدودية خلق الوظائف المنظمة أو عدم التوافق بين مخرجات التعليم واحتياجات المؤسسات الاقتصادية.
كما تتعرض فئات أخرى، من بينها كبار السن والأشخاص ذوو الإعاقة والمهاجرون، لعوائق تتعلق بالمهارات وإمكانية الوصول إلى أماكن العمل والخدمات والتنظيمات المعتمدة.
ويؤكد التقرير ضرورة تطوير سياسات نشطة لسوق العمل، تشمل التدريب المهني وإعادة التأهيل وربط الباحثين عن العمل بالوظائف المناسبة، وتوسيع الحقوق والحماية للعاملين الذين ينتقلون بين الأعمال وأشكال التوظيف المختلفة.
ويولي اهتمامًا خاصًا للعاملين عبر المنصات الرقمية، حيث ظهرت أنماط عمل جديدة تتيح فرصًا إضافية للدخل، لكنها تطرح تحديات تتعلق بالتأمينات والمزايا الاجتماعية واستقرار العمل.
ويقترح التقرير تطوير أنظمة تسمح للعامل بالاحتفاظ بحقوقه ومزاياه الاجتماعية عند انتقاله بين الوظائف أو أصحاب العمل، بدل ارتباط الحماية بوظيفة تقليدية واحدة.
ويربط هذه السياسات بتحسين الأجور وتعزيز التفاوض الجماعي وتوجيه الابتكار والاستثمار نحو خلق فرص عمل منتجة، بما يسمح بتحويل التقدم التكنولوجي والاقتصادي إلى منافع أوسع في سوق العمل.
الذكاء الاصطناعي.. اتساع الفرص والفجوة الرقمية
يخصص التقرير مساحة واسعة للتحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي، باعتبارهما من أبرز العوامل التي ستؤثر في طبيعة العمل والإنتاج والتعليم والخدمات خلال السنوات المقبلة.
ويشير إلى أن التقنيات الرقمية تستطيع تحسين الإنتاجية، وتوسيع الوصول إلى المعلومات والخدمات، وتطوير أساليب التعليم والرعاية الصحية، كما تتيح فرصًا جديدة للعمل عن بُعد وممارسة الأنشطة الاقتصادية خارج المراكز التقليدية.
غير أن توزيع هذه الفرص يرتبط بمدى توافر الاتصال بالإنترنت والبنية التحتية الرقمية والمهارات والأجهزة والقدرة على استخدام التكنولوجيا.
وتكشف نسبة السكان الذين لا يستخدمون الإنترنت، والبالغة 26% عالميًا في عام 2025، عن استمرار فجوة أساسية تفصل قطاعات واسعة عن الاقتصاد الرقمي.
وتزداد أهمية هذه الفجوة مع انتقال أنشطة التعليم والعمل والتجارة والخدمات الحكومية والمالية إلى المنصات الإلكترونية، إذ يصبح الوصول إلى التكنولوجيا شرطًا متزايد الأهمية للمشاركة الاقتصادية والاجتماعية.
ويحذر التقرير من أن الفجوة الرقمية قد تتطور إلى فجوة جديدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، عندما تستطيع المؤسسات والأفراد الذين يمتلكون الموارد والمهارات المتقدمة الاستفادة من أدواته لرفع إنتاجيتهم ودخولهم، بينما تتراجع القدرة التنافسية للفئات الأقل وصولًا إلى هذه التقنيات.
وفي سوق العمل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يؤدي إلى إعادة تشكيل المهام المهنية وتغيير المهارات المطلوبة، مع تعرض بعض الوظائف المبتدئة لضغوط خاصة نتيجة توسع الأتمتة واستخدام الأنظمة الذكية في تنفيذ الأعمال الروتينية.
ويستعرض التقرير بيانات تشير إلى ارتفاع الطلب على مهارات الذكاء الاصطناعي في إعلانات الوظائف في معظم البلدان التي شملتها المؤشرات ذات الصلة بين عامي 2023 و2024.
كما ينقل نتائج استطلاع أظهرت أن 60% من المشاركين يتوقعون أن يغير الذكاء الاصطناعي طريقة عملهم خلال خمس سنوات، وهو ما يعكس حجم التحولات المهنية المتوقعة، مع ضرورة التمييز بين توقعات العاملين والنتائج الفعلية التي قد تختلف من قطاع إلى آخر.
ويشير التقرير إلى أن هذه التغيرات قد تؤدي إلى اتساع فجوات الأجور إذا أصبحت المهارات الرقمية المتقدمة مقتصرة على فئات محدودة من العاملين.
وتتأثر الشركات الصغيرة والمتوسطة بهذه التحولات أيضًا، لأنها قد تواجه تكاليف أعلى عند محاولة تبني التقنيات الحديثة أو تدريب العاملين أو التكيف مع المعايير الرقمية الجديدة.
ويؤكد التقرير أن معالجة هذه الفجوة تتطلب توسيع البنية التحتية للاتصالات، وتوفير خدمات رقمية ميسورة التكلفة، وتطوير التعليم والتدريب على الذكاء الاصطناعي، واعتماد معايير تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة والفئات الأقل قدرة على استخدام التكنولوجيا.
كما يدعو إلى تعزيز المساءلة والضمانات التنظيمية، خصوصًا عند استخدام الأنظمة الذكية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالعمل والخدمات، بما يحد من المخاطر الناشئة عن التحيز أو ضعف الشفافية.
وتبرز من هذه النتائج أهمية الربط بين الاستثمار في التكنولوجيا والاستثمار في قدرات الإنسان، لأن توسيع البنية التحتية الرقمية لا يحقق أهدافه الاجتماعية والاقتصادية بصورة كاملة من دون تعليم وتدريب يسمحان للسكان باستخدامها بصورة منتجة.
التعليم والمهارات.. تفاوت الفرص يبدأ من المؤسسات التعليمية
يعتبر التقرير التعليم أحد أهم العوامل التي تحدد قدرة الأفراد على المشاركة في الاقتصاد الحديث، خصوصًا مع اتساع الاعتماد على التكنولوجيا وتغير المهارات المطلوبة في أسواق العمل.
فعلى الرغم من التقدم العالمي في التحاق الأطفال والشباب بالمؤسسات التعليمية، ما زالت الفجوات في جودة التعليم والنتائج التعليمية تشكل عائقًا أمام الانتقال إلى وظائف منتجة ومستقرة.
ويشير التقرير إلى أن وجود الأطفال في المدارس لا يكفي وحده لضمان اكتساب المهارات الأساسية، إذ تتفاوت مستويات التحصيل في القراءة والرياضيات والعلوم بين البلدان والفئات الاجتماعية.
وتكتسب هذه الفوارق أهمية اقتصادية متزايدة، لأن ضعف المهارات الأساسية ينعكس على قدرة الأفراد على مواصلة التعلم، واكتساب المهارات الرقمية، والانتقال بين الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
كما أن الأسر التي تواجه ظروفًا مالية صعبة قد تكون أقل قدرة على توفير التعليم الإضافي أو التدريب أو الأجهزة الرقمية، بما يؤدي إلى استمرار الفجوات التعليمية وانتقال آثارها إلى سوق العمل.
ويؤكد التقرير أن التحولات التكنولوجية والاقتصادية السريعة تجعل الاعتماد على المؤهل الدراسي الذي يحصل عليه الفرد في بداية حياته المهنية أقل ملاءمة لاحتياجات سوق العمل المتغيرة.
ولهذا يدعو إلى الانتقال من نموذج التعليم الذي ينتهي بالحصول على شهادة إلى نموذج التعلم المستمر، الذي يسمح للعاملين بتحديث مهاراتهم وإعادة تأهيلهم طوال حياتهم العملية.
ويتضمن ذلك تطوير برامج التعليم الفني والمهني، وربط المناهج بالاقتصاد الرقمي، وتوفير التدريب على التقنيات الحديثة، إلى جانب المهارات المرتبطة بتحول الطاقة والأنشطة الإنتاجية الجديدة.
ويعرض التقرير تجارب في هذا المجال، منها تطوير أطر لتعليم مهارات الذكاء الاصطناعي في الصين والهند والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى برامج التعليم والتدريب الفني والمهني التي تنفذها الفلبين لدعم التحول نحو الوظائف والمهارات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر.
ويؤكد أهمية تكييف هذه التجارب مع الظروف الوطنية بدل نقلها بصورة موحدة، نظرًا إلى اختلاف قدرات المؤسسات التعليمية واحتياجات أسواق العمل والموارد المتاحة بين البلدان.
الصحة والحماية الاجتماعية.. الاستثمار في قدرة المجتمع على مواجهة الأزمات
يربط التقرير بين جودة الأنظمة الصحية وقدرة الاقتصادات والمجتمعات على مواجهة الاضطرابات، موضحًا أن الوصول إلى خدمات صحية مناسبة يؤثر في المشاركة في العمل والإنتاج والتعليم والاستقرار الاجتماعي.
وتظهر البيانات العالمية استمرار فجوات في التغطية بالخدمات الصحية الأساسية، رغم تحسن عدد من المؤشرات خلال العقود الماضية.
ويعرض التقرير مؤشر تغطية الخدمات الصحية الشاملة، الذي سجل فجوة عالمية قدرها 29 نقطة عن المستوى الكامل البالغ 100 نقطة، وفق بيانات عام 2023.
ويجب التمييز هنا بين هذا المؤشر وبين نسبة السكان غير المشمولين بالخدمات الصحية؛ فهو مقياس مركب لتغطية مجموعة من الخدمات الأساسية، ولا يعني أن 29% من سكان العالم محرومون تمامًا من الرعاية الصحية.
ويشير التقرير إلى أن ضعف الوصول إلى الخدمات الصحية يمكن أن يؤدي إلى تراجع القدرة على العمل، وارتفاع الأعباء المالية على الأسر، وإطالة فترات التعافي من الأمراض، بما ينعكس على الإنتاجية الاقتصادية.
كما أن الأزمات الصحية والكوارث الطبيعية والاضطرابات الاقتصادية قد تفرض أعباء إضافية على البلدان التي تعاني محدودية التمويل وضعف البنية الصحية.
ويعرض التقرير فرصًا يمكن أن توفرها التكنولوجيا الرقمية في تطوير الخدمات، مثل التشخيص بمساعدة الذكاء الاصطناعي، واستخدام الطائرات المسيّرة في إيصال بعض المستلزمات الطبية، وتوسيع الخدمات الصحية الرقمية.
غير أن الاستفادة من هذه التقنيات تظل مرتبطة بتوافر البنية التحتية الصحية والموارد البشرية والتمويل والتنظيم الملائم.
وفي مجال الحماية الاجتماعية، يقدم التقرير أحد أبرز المؤشرات التي تعكس حجم التحدي العالمي، إذ يذكر أن 47.6% من سكان العالم، أي نحو 3.8 مليارات شخص، لم يكونوا يحصلون على أي إعانة من إعانات الحماية الاجتماعية في عام 2023.
ويعني ذلك أن أعدادًا هائلة من السكان لا تزال خارج أنظمة الدعم التي تساعد الأفراد والأسر على مواجهة البطالة والمرض والإعاقة والشيخوخة وغيرها من المخاطر الاقتصادية والاجتماعية.
ويشير التقرير إلى أنه إذا استمر التوسع في الحماية الاجتماعية بالوتيرة المسجلة منذ عام 2015، فلن تتحقق التغطية الشاملة بإعانة واحدة على الأقل قبل عام 2073.
ويعكس هذا التقدير بطء التقدم قياسًا بحجم الاحتياجات، كما يوضح أهمية تطوير مصادر تمويل مستدامة وتوسيع التغطية لتشمل العاملين في الاقتصاد غير الرسمي وأصحاب الدخول المنخفضة والعاملين لحسابهم الخاص.
وتقدر منظمة العمل الدولية، وفق البيانات التي يستند إليها التقرير، أن توفير أرضيات شاملة للحماية الاجتماعية يتطلب إنفاقًا إضافيًا يعادل نحو 1.4 تريليون دولار سنويًا في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل مجتمعة، بما يوازي نحو 3.3% من ناتجها المحلي الإجمالي.
وتختلف القدرة على تأمين هذا التمويل بصورة كبيرة بين البلدان، إذ تواجه الاقتصادات الأقل دخلًا قيودًا مالية أوسع وحاجات اجتماعية أكبر.
ويعرض التقرير تجربة أوروغواي في توسيع تغطية الحماية الاجتماعية لتشمل فئات من العاملين غير الرسميين وأصحاب الدخول المنخفضة والعاملين لحسابهم الخاص، إلى جانب مناقشة آليات تمويل تشمل الضرائب على الأرباح الاستثنائية والموارد الطبيعية وتوسيع مساهمات أصحاب العمل.
وتوضح هذه التجارب أن توسيع الحماية الاجتماعية يرتبط بتصميم الأنظمة وقدرة المؤسسات على الوصول إلى الفئات المستهدفة، فضلًا عن توفير التمويل اللازم لاستمرار الخدمات.
كلفة التأخر في الحماية الاجتماعية.. خسائر اقتصادية متراكمة
من أبرز الإضافات التي يقدمها التقرير لعام 2026 ربطُه بين التأخر في الاستثمار الاجتماعي والخسائر الاقتصادية التي قد تتراكم على المدى الطويل.
فالحماية الاجتماعية، وفق هذا التصور، لا تقتصر على تخفيف آثار الفقر والأزمات على الأسر، بل تساعد كذلك على استمرار الاستهلاك والاستقرار الاقتصادي والمحافظة على الصلة بسوق العمل، وتتيح للأفراد استثمار مزيد من الموارد في التعليم والصحة وتطوير المهارات.
ويستشهد التقرير بدراسات تشير إلى أن التحويلات النقدية يمكن أن تولد آثارًا اقتصادية تتجاوز القيمة المباشرة للمبالغ المقدمة، نتيجة إنفاق المستفيدين على الغذاء والخدمات والسلع المحلية.
ففي البرازيل، أشارت تقديرات أوردها التقرير إلى أن كل وحدة إضافية من الإنفاق على الحماية الاجتماعية رفعت استهلاك الأسر بمقدار 2.3 وحدة بعد عامين. وفي لبنان، قدرت دراسة أن كل دولار إضافي من المساعدات النقدية ولد نحو 2.13 دولار من الناتج المحلي الإجمالي.
وتُظهر هذه الأمثلة أن الإنفاق الاجتماعي قد ينعكس على النشاط الاقتصادي بصورة أوسع من المستفيد المباشر، عندما تنتقل الأموال بين الأسر والأسواق والمشروعات المحلية.
ويستعرض التقرير كذلك دراسة نمذجة شملت ثمانية بلدان، قدرت أن زيادة الاستثمار في الحماية الاجتماعية بما يعادل 1% من الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن ترفع الناتج المحلي بمعدل 1.1% في المتوسط، مع اختلاف النتائج بحسب الظروف الاقتصادية وافتراضات النماذج المستخدمة.
واستنادًا إلى هذه التقديرات، يقدم التقرير محاكاة للفترة 2025–2045 تقارن بين الاستثمار المبكر في الحماية الاجتماعية وتأجيله عشر سنوات.
وتشير المحاكاة إلى أن بدء الاستثمار عام 2025 يمكن أن يحقق مكاسب تراكمية مخصومة تعادل نحو 22.2% من الناتج المحلي لعام 2025 بحلول عام 2045، مقابل نحو 10.3% عند تأجيل الاستثمار عشر سنوات.
ويبلغ الفرق بين السيناريوهين نحو 12 نقطة مئوية من الناتج المحلي لسنة الأساس، وهو ما يستخدمه التقرير لتوضيح الخسائر المحتملة من تأخير الاستثمار في بناء القدرات الاجتماعية.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة إلى البلدان التي تواجه ارتفاعًا في البطالة وضعفًا في أنظمة الحماية الاجتماعية، لأن التأخير في معالجة الاختلالات قد يجعل آثارها أكثر رسوخًا وتكلفة في المستقبل.
وفي الوقت نفسه، ينبه التقرير إلى أن هذه المحاكاة لا تقارن الإنفاق الاجتماعي بالاستخدامات البديلة للموارد العامة، ولا تقدم تقديرات مفصلة لقيود التمويل الخاصة بكل بلد، ولذلك ينبغي التعامل مع نتائجها باعتبارها توضيحًا اقتصاديًا لأهمية توقيت الاستثمار، وليس عائدًا مضمونًا لكل سياسة أو دولة.
التحول نحو الطاقة النظيفة.. فرص اقتصادية وتحديات اجتماعية
يرصد التقرير التحول في أنظمة الطاقة باعتباره أحد المسارات التي تعيد تشكيل الاقتصادات خلال العقود المقبلة، نتيجة التوسع في مصادر الطاقة المتجددة وتطوير البنية التحتية والتكنولوجيا المرتبطة بها.
ويمكن لهذا التحول أن يتيح فرصًا جديدة للاستثمار والعمل، ويحسن الوصول إلى الكهرباء، ويساهم في تقليل التلوث وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة تغير المناخ.
غير أن التقرير يوضح أن آثار الانتقال إلى أنظمة الطاقة الجديدة تختلف بين الدول والقطاعات والفئات الاجتماعية، تبعًا لطبيعة اقتصاداتها ومصادر دخلها ومستويات البنية التحتية والمهارات المتوافرة لديها.
وتواجه البلدان والمناطق التي تعتمد بصورة كبيرة على الوقود الأحفوري تحديات مرتبطة بتغير الطلب على بعض الأنشطة والوظائف، بينما تحتاج الاقتصادات الأقل قدرة على التمويل إلى موارد إضافية لتطوير شبكات الطاقة والتقنيات الحديثة.
كما أن إنشاء مشروعات الطاقة الجديدة قد يثير تحديات تتعلق باستخدام الأراضي والموارد وتأثير المشروعات في المجتمعات المحلية، إضافة إلى الأعباء التي قد تتحملها الأسر منخفضة الدخل نتيجة تغير أسعار الطاقة أو تطبيق بعض السياسات البيئية.
ويشير التقرير إلى أن التحول الطاقوي كان من أضعف مجالات التقدم وأشدها تفاوتًا ضمن مؤشرات التحول الشامل اجتماعيًا، خصوصًا في أفريقيا وآسيا.
ويعكس ذلك استمرار اختلاف قدرات البلدان على تحديث أنظمة الطاقة وتطوير البنية التحتية وتوفير التمويل والتكنولوجيا.
ولمعالجة هذه التحديات، يدعو التقرير إلى اعتماد مفهوم «الانتقال العادل»، الذي يربط التحول نحو الطاقة النظيفة بتوفير الحماية الاجتماعية وإعادة تأهيل العاملين، ومشاركة المجتمعات المحلية في القرارات، وضمان وصول السكان إلى طاقة موثوقة وميسورة التكلفة.
كما يؤكد أهمية تطوير حلول الطاقة اللامركزية والشبكات المستقلة في المناطق المحرومة من الخدمات، بما يسمح بتوسيع وصول السكان إلى الكهرباء دون انتظار اكتمال البنية التحتية التقليدية في جميع المناطق.
تغير المناخ.. ضغوط متزايدة على المعيشة والخدمات
يتناول التقرير تغير المناخ بوصفه عاملًا يؤثر بصورة مباشرة في قدرة الأفراد والمجتمعات على المحافظة على مصادر رزقهم والوصول إلى الخدمات الأساسية.
وتشمل هذه التأثيرات تزايد المخاطر المرتبطة بالفيضانات والجفاف والحرارة الشديدة والكوارث الطبيعية، وما يرافقها من أضرار في المساكن والمرافق والخدمات والأنشطة الاقتصادية.
وتكون المجتمعات الأقل دخلًا والأضعف من حيث البنية التحتية والحماية الاجتماعية أكثر تعرضًا لخسائر طويلة الأمد، نتيجة محدودية قدرتها على التعافي أو الانتقال إلى أنشطة اقتصادية بديلة.
كما تؤثر الأزمات المناخية في الإنتاج الزراعي والموارد المائية وسلاسل الإمداد، وقد تؤدي إلى تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة في المناطق المتضررة.
ويعرض التقرير العلاقة بين الضغوط المناخية والاستبعاد الاجتماعي من خلال تأثير الكوارث في فرص العمل والتعليم والصحة والنزوح والقدرة على التكيف.
وتشير البيانات التي يناقشها إلى اتساع حجم النزوح الداخلي المرتبط بالكوارث، وما يفرضه ذلك من أعباء على المجتمعات المحلية والخدمات العامة.
ويؤكد التقرير أن الاستثمار في البنية التحتية القادرة على تحمل الصدمات، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتطوير الخدمات الأساسية، يساعد على تقليل آثار هذه المخاطر، خصوصًا عندما يستهدف المناطق والفئات الأشد تعرضًا لها.
وتبرز أهمية هذه السياسات في البلدان التي تواجه ضغوطًا مناخية متكررة مع محدودية الموارد المالية والمؤسساتية، لأن ضعف القدرة على التكيف قد يحول الأزمات المؤقتة إلى خسائر اقتصادية واجتماعية ممتدة.
الحروب والديون.. ضغوط دولية تحد من فرص التنمية
يربط التقرير بين التطورات الاجتماعية والاقتصادية داخل البلدان والتحولات التي يشهدها النظام الدولي، مشيرًا إلى أن تصاعد النزاعات والتوترات الجيوسياسية وتراجع التعاون الدولي يفرض أعباء إضافية على الاقتصادات، خصوصًا في البلدان النامية.
وتؤثر هذه الظروف في حركة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد والتمويل، كما قد تدفع الحكومات إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام لمواجهة الأزمات العاجلة على حساب استثمارات تنموية طويلة الأجل.
وتزداد هذه الضغوط في الدول التي تواجه مستويات مرتفعة من المديونية، حيث تستحوذ خدمة الدين على موارد مالية كان يمكن توجيهها إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية وتطوير البنية التحتية.
ويشير التقرير إلى أن ارتفاع أعباء الديون وتكاليف الاقتراض يحد من قدرة بعض البلدان على تمويل استثماراتها الاجتماعية والاقتصادية، بينما تتفاقم الصعوبات مع تراجع المساعدات الإنمائية وتصاعد الإنفاق العسكري والانقسامات الدولية.
كما أن الاختلاف في القدرة على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا يجعل البلدان النامية تواجه تحديات إضافية في مواكبة التحولين الرقمي والطاقوي.
ويعرض التقرير تجربة المبادرة الدولية لتخفيف ديون البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، باعتبارها مثالًا على دور التعاون الدولي في تخفيف الأعباء المالية وإتاحة مجال أوسع للإنفاق الاجتماعي.
ويؤكد أن معالجة هذه التحديات تتطلب تطوير التعاون الضريبي الدولي، وتوفير تمويل تنموي طويل الأجل بشروط مناسبة، وتخفيف أعباء الديون، ودعم انتقال التكنولوجيا إلى البلدان الأقل قدرة على الحصول عليها.
وتشمل المقترحات تعزيز التعاون الدولي في فرض الضرائب على الأنشطة الرقمية، بما يحد من الاختلالات المرتبطة بتوزيع الإيرادات الضريبية في اقتصاد تتزايد فيه أهمية الشركات والمنصات العابرة للحدود.
كما يدعو التقرير إلى تطوير مؤسسات التعاون الدولي وتحسين تمثيل البلدان النامية في القرارات التي تؤثر في فرصها الاقتصادية والتنموية.
ويخلص إلى أن السياسات الوطنية تظل أساسية في تحسين نتائج التنمية، لكنها تحتاج إلى بيئة دولية أكثر تعاونًا تسمح للبلدان بالحصول على التمويل والتكنولوجيا والموارد الضرورية للتكيف مع التحولات العالمية.
العراق في المؤشر الأممي.. فجوة بين التحول والشمول الاجتماعي
يتضمن الملحق الإحصائي للتقرير بيانات عن العراق ضمن مؤشر التحول الشامل اجتماعيًا، الذي يقيس الأداء المقارن للبلدان وفق التحولات الاقتصادية والرقمية والطاقوية من جهة، ومستويات الإنصاف الاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى.
وسجل العراق درجة إجمالية بلغت 89.05 نقطة، توزعت بين 45.52 نقطة في ركيزة التحول، و43.53 نقطة في ركيزة الشمول والإنصاف.
وجاءت هذه النتيجة دون الوسيط العالمي للدول المشمولة بالتقييم، والبالغ نحو 105 نقاط، ما يضع العراق ضمن البلدان التي تظهر بياناتها تحديات في تحقيق تقدم متوازن بين التحولات الاقتصادية والشمول الاجتماعي.
وتظهر المقارنات الواردة في الملحق اختلاف أداء العراق عن عدد من البلدان المجاورة والإقليمية. فقد سجلت إيران 93.56 نقطة، والسعودية 109.28 نقاط، وسلطنة عُمان 104.45 نقاط، والبحرين 101.90 نقطة.
ويشير هذا التفاوت إلى اختلاف مستويات الأداء المركب للبلدان وفق المؤشرات المعتمدة، مع ضرورة مراعاة أن الفروق بين الدرجات لا تعني بالضرورة وجود الفروق نفسها في مستويات المعيشة أو الخدمات العامة، لأن المؤشر يجمع عدة أبعاد تتعلق بالتحول والشمول.
وتعكس نتيجة العراق أهمية العوامل التي يؤكدها التقرير، ومنها تنويع النشاط الاقتصادي، وتوسيع فرص العمل المنتجة، وتحسين جودة التعليم والخدمات الصحية، وتطوير البنية التحتية الرقمية والطاقوية، وتعزيز قدرة المؤسسات على توجيه عوائد التنمية نحو تحسين الفرص الاقتصادية والاجتماعية.
كما توضح منهجية المؤشر أن الحكم على تقدم البلدان يحتاج إلى الجمع بين البيانات الاقتصادية والمؤشرات المتعلقة بتوزيع الفرص والخدمات، بدل الاعتماد على الناتج المحلي الإجمالي أو حجم الموارد المالية وحدهما.
ولا يقدم التقرير في هذا الموضع تقييمًا تفصيليًا للسياسات العراقية أو أسباب أداء العراق في كل مجال، وإنما يورد درجات المقارنة الدولية ضمن الإطار الإحصائي العام للدراسة.
تجارب دولية.. نماذج مختلفة لتحسين المشاركة الاقتصادية والاجتماعية
يعرض التقرير مجموعة من التجارب الوطنية التي توضح كيفية ربط سياسات التنمية الاقتصادية بتوسيع الفرص والخدمات والحماية الاجتماعية.
وفي مجال التعليم والتكنولوجيا، يشير إلى تجارب الصين والهند والاتحاد الأوروبي في تطوير برامج وأطر تعليمية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بهدف إعداد الطلاب والعاملين للتغيرات التي يشهدها الاقتصاد الرقمي.
كما يعرض تجربة الفلبين في تطوير التعليم الفني والمهني المتصل بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر، بما يساعد على إعداد العمالة للأنشطة الجديدة.
وفي الحماية الاجتماعية، يستعرض تجربة أوروغواي في توسيع نطاق التغطية لفئات من العاملين غير الرسميين وأصحاب الدخول المنخفضة والعاملين لحسابهم الخاص.
وفي البنية التحتية الرقمية والطاقة، يناقش سياسات توسيع الخدمات ودعم الفئات محدودة الدخل، ومنها إجراءات اتخذتها نيجيريا لتحسين الوصول إلى بعض الخدمات والبنى الأساسية.
أما في السياسات الصناعية، فيشير إلى تجربة ألمانيا في توجيه الابتكار والاستثمار نحو خلق فرص عمل خلال التحول إلى الطاقة المتجددة، باستخدام أدوات تشمل التنظيم والسياسات الضريبية والمشتريات العامة.
وتتضمن التجارب أيضًا سياسات تحسين الأجور وتقليص فجوات الدخل، وتعزيز التفاوض الجماعي ومشاركة العاملين، وتطوير الضرائب التصاعدية على الدخول والثروات، بما فيها بعض أشكال الدخل الرأسمالي والميراث.
ويؤكد التقرير أن هذه النماذج تمثل خبرات يمكن الاستفادة منها وفق الظروف الوطنية، ولا تشكل وصفات موحدة تصلح للتطبيق بالطريقة نفسها في مختلف البلدان.
وتعتمد نتائج هذه السياسات على قدرة المؤسسات الحكومية والتنظيمية، وطبيعة سوق العمل، ومستوى الموارد المالية، ومدى التنسيق بين قطاعات الاقتصاد والتعليم والصحة والطاقة والتكنولوجيا.
اقتصاديات الإدماج الاجتماعي الجديدة.. تحول في مفهوم التنمية
يقدم تقرير الأمم المتحدة لعام 2026 مفهوم «اقتصاديات الإدماج الاجتماعي الجديدة»، بوصفه إطارًا يهدف إلى إدخال العدالة الاقتصادية والاجتماعية في صميم عملية التحول الاقتصادي.
وينطلق هذا المفهوم من أن التنمية تصبح أكثر قدرة على الاستمرار عندما يتمكن السكان من المشاركة في الإنتاج واكتساب المهارات والاستفادة من الخدمات والموارد، بدل الاقتصار على انتظار وصول مكاسب النمو إليهم بصورة غير مباشرة.
ويقوم الإطار الجديد على مبدأين مترابطين، أولهما تعزيز القدرة على التكيف، من خلال التعليم والصحة والتدريب والحماية الاجتماعية والوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والطاقة. أما الثاني فهو بناء مؤسسات شاملة تسمح بتوسيع الفرص والمشاركة، وتحد من العوائق التي تمنع الفئات المختلفة من الاستفادة من التحولات الاقتصادية.
وبموجب هذا التصور، تصبح السياسات الاجتماعية جزءًا من بناء القدرة الإنتاجية للاقتصاد، لأن تحسين صحة العامل وتعليمه وحمايته من المخاطر يرفع قدرته على العمل والتكيف والمشاركة.
كما يؤكد التقرير أن المؤسسات الاقتصادية والتنظيمية تؤثر في توزيع مكاسب التكنولوجيا والاستثمار، خصوصًا عندما تتركز ملكية الموارد والبيانات والتمويل والتقنيات المتقدمة لدى أعداد محدودة من المؤسسات والشركات.
ولهذا يدعو إلى تطوير نموذج متكامل للسياسات العامة، يربط بين الاقتصاد والعمالة والتعليم والصحة والتكنولوجيا والطاقة والمالية العامة، بدل إدارة كل قطاع بصورة منفصلة.
ويتطلب ذلك، بحسب التقرير، وضع أهداف تتعلق بجودة العمل والمشاركة الاقتصادية ضمن سياسات الاقتصاد الكلي، وتوجيه الابتكار والاستثمارات نحو خلق فرص عمل منتجة، وتطوير أنظمة ضريبية تدعم تمويل الخدمات العامة وتحسين توزيع العوائد.
كما يدعو إلى إعطاء أهمية أكبر للتعلم المستمر بدل الاعتماد على مؤهل تعليمي واحد طوال الحياة المهنية، وتوسيع المشاركة في ملكية الأصول الاقتصادية والرقمية والطاقوية، وتطوير مؤسسات قادرة على الاستعداد للتحولات المستقبلية بدل الاكتفاء بمعالجة نتائج الأزمات بعد وقوعها.
ويرى التقرير أن قياس النجاح الاقتصادي يحتاج أيضًا إلى مؤشرات أوسع من الناتج المحلي الإجمالي، تشمل جودة النمو وتوزيع مكاسبه واستدامته وقدرة السكان على المشاركة الاقتصادية والاجتماعية.
خاتمة.. التنمية بين حجم الاقتصاد ونوعية الحياة
يكشف التقرير الاجتماعي العالمي لعام 2026 أن التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والطاقوية تفتح فرصًا واسعة لزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات وتطوير مستويات المعيشة، لكنها تترافق مع تحديات تتعلق بتوزيع الفرص والموارد والقدرة على التكيف.
وتؤكد بيانات 168 دولة أن ارتفاع الدخل والتقدم الاقتصادي يرتبطان عمومًا بتحسن نتائج التنمية الشاملة، مع استمرار اختلافات كبيرة بين البلدان المتقاربة في مستوى الدخل، ما يعكس أهمية المؤسسات والسياسات العامة في تحديد مدى استفادة السكان من التقدم الاقتصادي.
وتبرز من نتائج التقرير الاستنتاجات الآتية:
1. النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية مساران مترابطان: يرتبط استمرار التنمية بقدرة البلدان على تحويل المكاسب الإنتاجية والتكنولوجية إلى فرص عمل وخدمات وتحسينات اجتماعية واسعة.
2. التفاوت في العمل والتعليم والصحة يضعف الإمكانات الاقتصادية: يؤدي حرمان فئات من السكان من الموارد والمهارات والخدمات إلى تقليص مشاركتها وإضعاف استفادة الاقتصاد من طاقاته البشرية.
3. التحول الرقمي يفرض متطلبات اجتماعية جديدة: تزداد أهمية التعليم والمهارات الرقمية والوصول إلى التكنولوجيا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي وتغير طبيعة الوظائف والأنشطة الاقتصادية.
4. الحماية الاجتماعية استثمار طويل الأجل: تساعد أنظمة الحماية على تقليل آثار الأزمات والمحافظة على الاستهلاك والمشاركة الاقتصادية، بينما يؤدي تأخير توسيعها إلى خسارة فرص تنموية محتملة.
5. تحول الطاقة يتطلب معالجة آثاره الاجتماعية: ترتبط استدامة التحول نحو الطاقة النظيفة بمدى حماية الفئات المتأثرة وتوفير المهارات والخدمات وفرص العمل البديلة.
6. المؤسسات والسياسات العامة تحدد توزيع مكاسب التنمية: تظهر المقارنات الدولية أن البلدان تستطيع تحقيق نتائج اجتماعية مختلفة رغم تقارب مواردها ومستويات دخولها.
7. التعاون الدولي عنصر أساسي في التنمية الشاملة: تحتاج البلدان الأقل قدرة إلى تمويل مناسب وتكنولوجيا وتخفيف لأعباء الديون، بما يساعدها على المشاركة في التحولات الاقتصادية العالمية.
وتؤكد هذه الاستنتاجات أن تقييم التنمية يرتبط بمستوى التقدم الاقتصادي وبمدى انعكاسه على حياة المواطنين، من خلال فرص العمل والدخل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والقدرة على التعامل مع التحولات المستقبلية.
ويضع التقرير بذلك المشاركة الاقتصادية والاجتماعية في مركز التخطيط التنموي، باعتبارها أحد الشروط التي تسمح للاقتصادات بتحقيق نمو أكثر استدامة وقدرة على مواجهة الأزمات، وتوسيع استفادة السكان من التقدم العلمي والتكنولوجي والإنتاجي.








اضف تعليق