يناقش التقرير حق الإنسان في سلامة الغذاء، والتحديات التشريعية والرقابية والصحية المرتبطة به في العراق، من خلال ورقة بحثية ومداخلات أكاديمية متعددة. ويركز على تشتت القوانين وضعف التنفيذ والرقابة، ومخاطر الأغذية غير الآمنة، والحاجة إلى تشريع موحد، وتوعية مجتمعية، ورقابة متكاملة، وتنسيق مؤسسي يضمن حماية المستهلك وتعزيز الأمن الغذائي...

ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات موضوعًا تحت عنوان (حق الإنسان في سلامة الغذاء)، بحضور عدد من الأساتذة ومديري المراكز البحثية والأكاديميين المختصين. وقد جاء في الورقة التي تلاها الأستاذ الدكتور حيدر حسين الكريطي، الباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، بالقول:

الغذاء يشكل جزءًا أساسيًا من حياة الإنسان، فهو بمثابة شريان الحياة. إلا أن الوضع الحالي جعله سلاحًا ذا حدين؛ فالنقص في الغذاء يسبب مشكلات صحية كبيرة، بينما يسبب الغذاء غير الصحي مشكلات أكبر. المخاطر التي تهدد سلامة الغذاء تشمل عوامل بيولوجية مثل الفيروسات والجراثيم، ومخاطر كيميائية مثل السموم، وكذلك مخاطر فيزيائية مثل المعادن وقطع الزجاج التي قد توجد في عمليات تصنيع الغذاء. في ظل هذه التهديدات، تبرز أهمية الحق الذي نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 25، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المادة 11، كما أكدته اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989.

تم إنشاء دستور للأغذية يعرف بالدستور الغذائي في عام 1961، بالتعاون بين منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة، ويُعتبر المرجعية العلمية لمعايير جودة الغذاء على المستوى الدولي. أما على المستوى الإقليمي، فقد قامت معظم الدول المجاورة بتشريع قوانين خاصة بسلامة الغذاء توحد تشكيل جهاز أعلى لمراقبة الأغذية، بخلاف الوضع في العراق، حيث تسود تشريعات متفرقة. رغم وجود قوانين وأنظمة متطورة وفروع تشريعية دقيقة، إلا أن المشكلة تكمن في غياب التنسيق وعدم وجود تشريع موحد أو مرجعية مؤسساتية واحدة تتولى الرقابة على سلامة وصحة الغذاء.

هناك عدة مفاهيم أساسية تتعلق بهذا الموضوع، منها تعريف الغذاء كما عرفته القوانين والأنظمة، مثل نظام الأغذية رقم 29 لعام 1982 في العراق. يتفق التعريف على أن الغذاء يشمل كل مادة معدة للاستهلاك البشري، سواء كانت طعامًا أو شرابًا، وسواء كانت مواد خامًا أو مصنعة أو شبه مصنعة، وكل ما يدخل في تحضيرها ومعالجتها وتجهيزها للأكل، ويشمل ذلك مياه الشرب والتوابل، مع استبعاد الأدوية والمستحضرات وأدوات التدخين.

أما بالنسبة للسلسلة الغذائية التي تتعلق بسلامة الغذاء، فهي تشمل جميع مراحل إنتاج الغذاء، بدءًا من العلف للحيوانات وصولًا إلى التصنيع والتعبئة والتخزين والنقل وإعادة التعبئة والتحضير والبيع والتقديم، حتى تناول الطعام. جميع هذه المراحل يجب أن تراعى فيها معايير الصحة والسلامة لضمان مأمونية الغذاء وخلوه من أي ضرر يهدد الصحة الفردية أو العامة. هذا ما تسعى التشريعات المستقلة إلى التأكيد عليه.

نصل إلى التشريعات المحلية في العراق المتعلقة بسلامة الغذاء، والتي تعتبر تحديًا يستحق الاهتمام. يعد التعامل مع قضايا سلامة الغذاء اليوم بمثابة الإرهاب الصامت. إن المسؤولية في هذا المجال لا تقتصر فقط على الأفراد، بل تشمل الدولة أيضًا كجهة معنوية، حيث على الرغم من أن الدولة لا تُحاسب وفق قانون العقوبات كشخص معنوي عام، إلا أن الأفراد المرتبطين بسلامة الغذاء يتحملون المسؤولية، خاصةً عند توزيع مواد غير صالحة للاستهلاك البشري، بما في ذلك ما يتعلق بالبطاقات التموينية.

اليوم، التركيز الأكبر هو على الرقابة على الأغذية، ولكن هذا ربما يمثل الحل الأخير، وهو الحد الأدنى المتاح، حيث إن الرقابة والتحقق من سلامة وصحة ونظافة الغذاء يجب أن يتمّا في جميع مراحل التصنيع والتخزين والنقل والتعبئة. هناك دستور غذائي عالمي يحدد درجات الحرارة اللازمة لحفظ الأغذية، ولا سيما بالنسبة للحوم. كما يجب أن يكون لدى العاملين في تخزين هذه الأغذية المعرفة والوعي الكافيان بكيفية حفظ وصيانة هذه المواد.

في العراق، يعتبر قانون الصحة العامة رقم 89 لعام 1981 الإطار الأساسي في هذا المجال، ويُعاقب على الغش وانعدام سلامة الأغذية بموجب المواد من 96 إلى 99. تتضمن العقوبات السجن لمدة تصل إلى سنتين، بالإضافة إلى جزاءات إدارية مثل الغرامات التي لا تقل عن مليون دينار، وإغلاق المحل لمدة 90 يومًا، ومصادرة المواد المخالفة. حيث لا تمتلك السلطات الإدارية الحق في فرض السجن، لكن يمكنها فرض الغرامات والإغلاق والمصادرة باعتبارها جزءًا من الضبط الإداري، الذي يهدف إلى الحفاظ على الصحة العامة.

وفي هذا السياق، خولت التشريعات الإقليمية في البلدان العربية الجهات المختصة استخدام الأنظمة والقرارات الفردية لحماية صحة المواطنين، وتشمل هذه صلاحية استخدام القوة المادية إذا لزم الأمر.

المادة 99 من قانون وزارة الصحة تنص على عقوبات يتولى القضاء فرضها، حيث تشمل الحبس لمدة سنتين وغرامة مالية، مع إمكانية تشديد العقوبة في حال تكرار المخالفة لتشمل الحبس الشديد وسحب الترخيص الصحي بشكل دائم. في ضوء هذه التشريعات، تم إصدار نظام الصحة رقم 29 لسنة 1982، والذي يبدو وكأنه تم إعداده ليواكب التحديات الحالية بفضل ما يظهره من رؤية بعيدة المدى للمتخصصين الذين وضعوه. إلا أن التحدي يكمن في تطبيق هذا النظام بفعالية.

من ناحية أخرى، لدينا قانون حماية المستهلك رقم 1 لسنة 2010، الذي لا يقتصر على الأغذية فقط، وإنما يشمل جميع السلع المتعلقة بالغش التجاري. وفي قانون العقوبات، تحدد المادة 467 عقوبات الغش في السلع عامةً. المادتان 368 و369 توضحان أن نشر مرض خطير من خلال اللحوم أو غيرها يمكن أن يصل إلى حد جريمة القتل العمد.

اليوم، ترتكز المحاكم في قضايا بيع اللحوم غير الصالحة للاستهلاك البشري على القانون رقم 146 لسنة 1998، الذي يعطي المحكمة المساحة للحكم على بيع لحوم الخنازير باعتبارها لحوم أبقار أو أغنام بالحد الأقصى من العقوبة، وهذا يبرز أهمية وجود نصوص تشريعية حازمة لمكافحة بيع اللحوم الفاسدة.

قانون الصحة الحيوانية رقم 32 لسنة 2013 ينظم موضوع المجازر والمسالخ. مجمل هذه القوانين يتعلق بسلامة الغذاء، لكن التحدي الأكبر هو تفعيلها وتوحيدها في قانون واحد، كما هو الحال في بعض الدول العربية بقوانين مثل سلامة الغذاء أو حماية الغذاء والدواء، للحد من تداخل المسؤوليات بين الجهات المختلفة مثل الصحة والبيئة والبلديات.

إن غياب التنسيق بين هذه الجهات يشكل تحديًا إضافيًا. مجلس حماية المستهلك أيضًا يمكنه إصدار قرارات بغلق المنشآت المخالفة، لكن من الأفضل توحيد كل هذه الصلاحيات تحت مظلة تشريعية واحدة تتولى قيادة مركزية لضمان سلامة الغذاء، مما يقلل المخاطر العالية الناتجة عن الاستمرار في الوضع الحالي. الأرقام العالمية تشير إلى أن الأغذية غير السليمة تسبب نحو 200 مرض سنويًا وتؤثر على حوالي 600 مليون شخص حول العالم، مما يؤدي إلى وفاة حوالي 420,000 منهم سنويًا، مما يبرز حجم المشكلة باعتبارها مشكلة خطيرة تحتاج إلى حلول جذرية.

بعد إتمام قراءة الورقة البحثية وللمزيد من النقاش تم طرح الأسئلة الآتية:

السؤال الأول: هل يتناسب التنظيم التشريعي للحق في سلامة الغذاء مع مستوى مهددات هذا الحق؟

السؤال الثاني: ما هو دور المؤسسات الصحية والأمنية والقضائية في ضمان سلامة الأغذية والحد من الأنشطة الماسة بها؟

المداخلات
- الدكتور علاء الحسيني؛ باحث وأكاديمي:

أحد أهم الجوانب التي تؤثر بشكل مباشر على حياة المواطن العراقي هو الحق في سلامة الغذاء. هذا الموضوع يُحمّل الدولة نفقات هائلة، إذ يُعتبر الغذاء غير الصحي سببًا في الأمراض المستعصية والأمراض الموسمية التي تنتشر بسبب العادات الغذائية الخاطئة.

وسائل الإعلام، ولا سيما وسائل التواصل الاجتماعي، تلعب دورًا كبيرًا من خلال عرض وترويج المنتجات الغذائية دون رقابة حقيقية أو التأكد من مطابقتها للمواصفات القياسية العراقية والعالمية، مثل ما هو محدد في دستور الأغذية. تقدم هذه المنصات مجموعة واسعة من الأطعمة والأماكن التي تُعرض على أنها مثالية، وهذا قد يغيّب الوعي الحقيقي حول سلامتها.

أيضًا، تعاني الجهات الحكومية أحيانًا من التقصير في متابعة المواقع التي تنشر معلومات غذائية مضللة، مما يؤدي إلى تعرض الناس للتسمم والمشكلات الصحية. وقد غطى المشرّع العراقي موضوع سلامة الغذاء عبر قوانين مختلفة، مثل قانون الصحة العامة لعام 1989 وقوانين أخرى حتى 2013.

ولكن التحدي يتمثل في التنسيق ومراقبة الأنشطة التجارية المرتبطة بالغذاء وفرض الجزاءات على المخالفين وإتلاف المواد الغذائية غير الآمنة. نشاط دوائر الصحة، خاصةً في متابعة المطاعم والمصانع مثل مصانع الطرشي وغيرها، نظرًا للأوساخ والمخاطر التي يمكن أن تسببها هذه الأماكن، يتطلب جهدًا متكاملًا من وزارات الصحة والبيئة والزراعة، بالإضافة إلى الجمارك والتدقيق على شهادات المنشأ.

وبالأخص قطاع اللحوم، هناك قلق حقيقي من التعديلات الوراثية في بعض الدول وما ينجم عنها من مشكلات مستقبلية. لهذا، يجب وضع استراتيجية وطنية لسلامة وأمن الغذاء، وهو جزء لا يتجزأ من الأمن العام، تمامًا مثل الأمن العسكري. توفير السلامة الغذائية مهم ليس فقط للحاضر، بل للأجيال القادمة لتجنب آثار صحية سلبية تورث لهم.

- الدكتور خالد الأسدي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال لمالك الأشتر: (ولا تكوننّ عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنّ الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق). قبل ذلك، كان أمير المؤمنين يقول: (مالك مني كما كنت لرسول الله)، وهذا الكلام لم يكن موجهًا لمالك وحده، بل هو رسالة إلى المجتمع ككل. يوضح فيها أمير المؤمنين أهمية وجود الضمير الإنساني والمسؤولية تجاه الآخرين، مشيرًا إلى أن على الإنسان أن يتحقق من سلامة كل ما يقدمه للناس، لضمان أن يكون المجتمع في وضع يمكنه من أداء دوره بشكل صحيح.

من الجانب الديني، يعتبر غش الناس أمرًا محرمًا. وعندما يُغيَّب هذا الجانب الأخلاقي، يصبح بعض الأفراد غير مكترثين بالضرر الذي قد يسببونه للناس، سواء بتقديم طعام غير صالح مثل لحم الخنزير أو من خلال طرق أخرى، طالما أن الهدف هو الحصول على مكاسب. لذا، حذر أمير المؤمنين قائلًا: (ولا تكوننّ عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم)، مشيرًا إلى أن هذا لا ينطبق فقط على الطعام، بل يشمل كل ما يتصل بالإنسان، بما في ذلك الملبس والكلمة الطيبة.

- الشيخ مرتضى معاش:

اليوم نلاحظ انتشار أربع ظواهر بشكل سريع: المطاعم، والأطباء، والصيدليات، والمستشفيات. هذا يشير إلى زيادة الطلب، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة العرض، تمامًا كما في الاقتصاد. تعكس هذه الظاهرة أزمة كبيرة سببها الأساسي دولة لا تمتلك الكفاءة ولا الخبرة اللازمة لفهم واقع العراق. منذ عام 2003، يشهد العراق ثورة استهلاكية كبيرة تؤدي إلى تدمير المجتمع واستنزاف موارد الدولة وميزانية الأفراد. هذه الحالة تشير إلى غياب التخطيط المستقبلي الواضح.

وكذلك، هناك تزايد ملحوظ في الأمراض المزمنة والسرطانية والمعوية المرتبطة بالجهاز الهضمي. المشكلة الحقيقية ليست في القوانين، بل في الوعي والثقافة التي تسود المجتمع، الذي لا يدرك خطورة الوضع الراهن. الأزمة الكبرى ليست بسبب اللحوم فحسب، بل أيضًا بسبب الخبز. كثير من المشكلات الصحية، مثل مشكلات القولون، تُعزى إلى نوعية الخبز، حيث إن الدولة لا تهتم بعملية إنتاجه أو بنوعية الحنطة وطرق التخمير والعجن. المطلوب هو تثقيف المجتمع العراقي حول هذه القضايا الصحية، ولكن للأسف، لا الحكومة ولا الشعب يظهران اهتمامًا كافيًا بذلك.

المشروبات الغازية ومشروبات الطاقة تُعَدُّ من أكبر المخاطر المؤثرة على الصحة، حيث تسهم بشكل كبير في زيادة الإصابة بالأمراض السرطانية. انتشارها واسع، وهي زهيدة الثمن مقارنة بالماء، مما يعكس قلة الوعي الصحي لدى المجتمع. تمثل مشروبات الطاقة خطرًا جسيمًا، خاصةً على المراهقين والأطفال، حيث قد تُسبِّب سكتات قلبية وحتى الوفاة.

اليوم، يفتقر العديد من المطاعم والأسواق إلى تقديم خيارات غذائية صحية. ما نفتقده فعلًا هو برنامج حكومي ثقافي للتوعية بمخاطر الأطعمة الرديئة، وهو أمر يرى كثيرون أهميته قبل التشريعات. من المتوقع أن تعزز الحكومة الجهود من خلال محاضرات وندوات وحملات إعلانية في وسائل الإعلام وعلى الطرقات لتحذير الناس.

ومن الواضح أن وزارة الصحة لا تُصدر نشرات توعوية كافية تصل للجميع او غير مهتمة بالأمر اصلا. بعض الدول العربية تولي اهتمامًا أكبر بإصدار نشرات صحية يومية للتوعية الغذائية، وهو أمر نفتقده بشدة.

من الأمور الأخرى التي ينبغي أن تُؤخذ في الاعتبار الحاجة إلى مجال تخصصي في التغذية الصحية؛ فمثل هذا التخصص يعتبر وقايةً أكثر فاعلية من العلاج الطبي التقليدي. للأسف، هذا المجال غير متاح بصورة كافية لدينا مقارنةً بدول أخرى.

عالم الاستهلاك الطاغي تسبب في غرقنا في عادات غذائية سيئة، حيث نأكل بكثرة دون العناية بجودة الغذاء، وهذا يعد خطيرًا للغاية. يجب على الحكومة فرض ضرائب على الأغذية غير الصحية مثل الشيبس والمشروبات الغازية كي تحد من استهلاكها، كما يحدث مع أسعار السجائر في دول مثل كندا، حيث تفرض الضرائب عليها للحد من استهلاكها.

منتجات مقلدة ورخيصة الثمن تشكل خطرًا إضافيًا، فهي تزيد من الأمراض مثل السمنة والسكري وأمراض الكبد والمناعة الذاتية، ما يضيف تكاليف اجتماعية ونفسية على الدولة والمجتمع. التفكير المنطقي في هذه القضايا يمكن أن يقلل استنزاف الموارد، ويسهم في بناء مجتمع صحي يستطيع الاستغناء عن الأدوية والمراجعات الطبية.

التفكير المنطقي بهذه القضايا يمكن أن يُسهم في تقليل استنفاد الموارد وإنشاء مجتمع صحي يعيش بعيدًا عن الحاجة إلى العلاج الطبي. التوعية منذ الطفولة جوهرية لضمان معرفة الأفراد بما يجب أن يكون عليه نظامهم الغذائي وآثاره الصحية المستقبلية.

- الأستاذ علاء الكاظمي؛ باحث واكاديمي:

الإمام علي (عليه السلام) قال: (المعدة بيت الدار)، حيث ترتبط صحة الإنسان بما يتناوله من طعام. قبل التحدث عن التشريعات والقوانين، أود التطرق إلى مسألة الشركات التي تهتم بالغذاء بشكل عام. يبدو أن هذه الشركات تعمل وفق فلسفة مادية تحقق مصالحها الخاصة، وهناك الكثير من الأدلة على ذلك. مثلًا، في قضية البيبسي، نجد أن هناك أبحاثًا يقدمها علماء وخبراء يدعون أن منتجًا معينًا مفيد للصحة، وعلى أساسها يتم إصدار القوانين.

غالبًا ما تكون هذه الأبحاث ممولة من قبل الشركات نفسها، وتصدر عن جامعات مرموقة، ولكن بنفوذ الشركات. في النهاية، تصاغ القوانين بناءً على تلك الأبحاث التي يكتبها هؤلاء "الخبراء"، مما يخدم مصالح الشركات على حساب صحة الإنسان. الصراع بين زيت الزيتون والزيت العادي مثال واضح على ذلك، حيث حاولت جهات معينة بأبحاثها التأثير بشكل سلبي على زيت الزيتون لصالح مصالحها.

من وجهة نظري، يجب أن نعود إلى التعاليم الصادرة عن أهل البيت (عليهم السلام)، حيث يتبع الأئمة نظامًا غذائيًا متكاملًا ويتناولونه بأسلوب سليم. في محاضرات الشيخ فاضل الصفار حول فقه الطب، تناول كيف كان الأئمة يعالجون المرضى عبر الغذاء المناسب لحالة كل فرد. ينصح بتناول الطعام وفقًا لخصائصه، كالطعام البارد والساخن، حسب احتياجات الجسم.

بالإضافة إلى ذلك، هناك أهمية للأطعمة المختلفة وفوائدها، مثل الجزر والبصل والعنب. هذا النظام الصحي المثالي مستمد من تعاليم الأئمة المعصومين، ويظهر حتى في طريقة تناول الطعام مثل تناول التمر.

للأسف، نفتقر إلى هذه الثقافة الصحية السليمة، حتى في أمور بسيطة مثل غسل اليدين قبل الطعام وبعده وتأثيره على الصحة.

- الدكتور أحمد الجبوري؛ باحث واكاديمي:

في الحقيقة، لكل موضوع أبعاد متعددة، فهناك العديد من الجوانب التي يجب أن نأخذها بعين الاعتبار. ولكن هناك موضوعات، مثل انتشار المواد الغذائية في الأسواق، كاللحوم والمشروبات الغازية ومشروبات الطاقة، تتطلب اهتمامًا خاصًا لأنها ليست ذات جودة عالية. سواء كان الحديث عن الأطعمة النباتية أو الحيوانية، فهناك معايير للصحة لا يمكن تجاهلها.

أثناء الحوار تحدثنا عن استخدام المواد الكيميائية التي تعتبر سمومًا قاتلة. لقد رأينا كيف أن بعض الحيوانات مثل الدجاج والسمك يتم تسمينها بسرعة كبيرة باستخدام هذه المواد، لتحقق زيادة كبيرة في الوزن خلال فترة قصيرة. وهذه المواد تدخل في نظامنا الغذائي وتؤثر على صحتنا بشكل مباشر.

على الجانب الآخر، هناك حديث عن مؤامرة كبيرة تقودها شركات الأدوية، التي تحقق أرباحًا ضخمة من معالجة الأمراض التي تُعزى في كثير منها إلى النظام الغذائي السيئ. هناك تكافل مصالح بين الشركات والأطباء الذين يقدمون النصح حول أنظمة غذائية معينة، على الرغم من أنها قد لا تكون دائمًا في مصلحة المريض.

لاحظت مؤخرًا مقطعًا على اليوتيوب من سويسرا يستعرض الخضروات وأثر المواد الكيميائية عليها مقارنةً بتلك التي تُزرع بدون أسمدة كيميائية، وتأثير ذلك على الأسعار والجودة. للأسف، هذه الثقافة غير منتشرة في العراق بالطريقة المرجوة، حيث يتم اللجوء إلى المنتجات التجارية الممزوجة بالكم الأكبر من المواد الكيميائية، مثل الأعلاف المستخدمة في تربية الدواجن، والتي تعتمد على البروتينات والمركبات الكيميائية الأخرى.

بالمجمل، فإن صحة الإنسان تعتمد على ما يدخل إلى معدته، ولهذا فإن دور كل فرد في نشر الوعي والتثقيف الغذائي مهم لتحقيق تغييرات إيجابية في المجتمع.

بالنسبة للسؤال الأول، إذا قلنا نعم، فأين هو التطبيق؟ نعم، هناك تشريعات وقوانين، لكن التنفيذ ليس بالمستوى المطلوب؛ فالواقع يشير إلى تطبيق بنسبة تتراوح بين 10% و15% فقط. أما بالنسبة للسؤال الثاني، فإن المؤسسات الصحية تثير مخاوف لدى الناس. هناك عدم ثقة بين المواطنين والمجتمع بصورة عامة، وبين المؤسسات الصحية بشكل خاص. فهذه المؤسسات دائمًا ما تغير آراءها، واليوم تصدر رأيًا ما، وبعد أيام يتضح أن هذا الرأي كان خاطئًا، وأن تناول الطعام الموصى به يعتمد على دراسات غير صحيحة أو متأثرة باتفاقات غير موضوعية. أما فيما يخص الجانب القضائي، فنعم، توجد جهود تتمثل في زيارات دورية للمطاعم وأماكن الذبح مثل الجزارين. ورغم هذا الجهد، إلا أنه لا يزال دون المستوى المطلوب.

- الأستاذ علي حسين عبيد؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:

خلال زيارتي لبعض الدول مثل المغرب، لاحظت أن مستوى التسول هناك يبدو أعلى بكثير مما هو عليه في العراق. ومع ذلك، عند النظر إلى الأسواق التي تعرض الأطعمة مثل اللحوم وغيرها، نجد مستوى النظافة والعرض مرتفعًا، مما يستحق الثناء. بالمقارنة، نجد أن المعروضات في العراق غالبًا ما تكون في حالة غير نظيفة وفي مواقع سيئة، مما يدل على حاجة المجتمع إلى تعزيز ثقافة الغذاء والصحة. بالفعل، هناك ضعف ملحوظ في هذا الجانب حتى على مستوى المنازل، وتشكل هذه المسألة تحديًا كبيرًا.

أما فيما يتعلق بالتشريعات، فهي موجودة ومنظمة في جميع الجوانب، ليس فقط فيما يتعلق بالغذاء، بل أيضًا فيما يتعلق بمكافحة الفساد وغيرها. المشكلة الحقيقية تكمن في تطبيق هذه القوانين بفعالية.

- الأستاذ خليفة التميمي؛ كاتب وإعلامي:

في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، كان لدينا مادة دراسية تعرف بالحياتية. تضمنت هذه المادة نموذجًا غذائيًا متكاملًا مكتوبًا عليه "للاطلاع فقط". عندما سألنا المدرس عن السبب وراء عدم تطبيقنا لهذا النموذج في حياتنا اليومية، أوضح أن ذلك يعود إلى ثقافتنا المجتمعية التي لا تشجع على تغيير أو تحسين نمط الحياة.

عندما التحقت بالجامعة، اطلعت على نظم التغذية العالمية، وفهمت أهمية الصيدلة السريرية، ودورها في تقديم نظام غذائي يناسب حالة المريض، بحيث لا يسبب له مشكلات صحية مثل ارتفاع السكر أو الضغط. كذلك، أدركت أن الطعام يجب أن يتناسب مع طبيعة العمل؛ فمثلًا من يعمل في صناعة الحديد والصلب يحتاج إلى بروتينات، بينما من يعمل في الصحافة أو التدريس الجامعي قد يعتمد أكثر على القهوة أو الشاي.

العوامل التي أعاقت تبني نظام غذائي تشريعي تضمنت فترات الحروب المتتالية، بالإضافة إلى غياب الشخص الذي يملك الكفاءة والقدرة على إعطاء الأمر الأهمية والجدية التي يستحقها.

- حيدر الأجودي؛ باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:

المساس بسلامة الغذاء لم يعد مجرد مخالفة تجارية، بل تحول إلى جريمة تهدد الأمن القومي. إذ يعتبر الأمن الغذائي جزءًا لا يتجزأ من هذا الأمن، وأصبح يشكل تهديدًا حتى للجينات البشرية الوراثية. التشريعات القانونية الحالية بعيدة عن التعامل بشكل فعال مع التهديدات الحديثة التي يسببها الغذاء، مثل المبيدات الكيميائية وبعض المعدات البلاستيكية. هناك نقص في التشريعات التنظيمية الخاصة بهذا المجال لأسباب عدة:

السبب الأول هو ضعف القوة الرادعة للقوانين الحالية. على الرغم من وجود قوانين مثل قانون الصحة العامة وقانون سلامة الأغذية التي تفرض غرامات، إلا أنها غير متماشية مع تطورات الأوضاع الحالية. فغرامة بمليون دينار، على سبيل المثال، قد تبدو تافهة للتجار المستعدين لدفعها مقابل الأرباح التي يحصلون عليها من المواد المنتهية الصلاحية.

السبب الثاني هو التشتت في تطبيق القانون، حيث تتوزع مسؤوليات التطبيق بين وزارات متعددة مثل الزراعة والصحة والبلديات والتجارة والبيئة والجمارك. كان من الأفضل لو وُضعت هذه المسؤولية في يد وزارة واحدة أو مركز واحد متخصص.

السبب الثالث هو افتقار القوانين إلى شمول الأغذية الحديثة مثل الأغذية المعدلة وراثيًا والمعلبة بالبلاستيك، التي تعتبر خطيرة، حيث إن فترة الصلاحية الطويلة تزيد من خطورتها، خاصةً منتجات الألبان. كل هذه التهديدات الحالية تجعل التنظيم التشريعي الحالي غير كافٍ للتعامل مع مخاطر الغذاء المعاصر.

تشهد المؤسسات الصحية حاليًا نقصًا في الرقابة الفعّالة، حيث تبدأ مراقبتها فقط بعد دخول الأطعمة إلى الأسواق. ينبغي تحويل هذه المراقبة من النمط التقليدي إلى رقابة إلكترونية منذ دخول الأغذية عبر الحدود، وربط ذلك بمتابعة سلسلة القيمة الغذائية من مصدرها. هذا يعني التحقق من الأغذية منذ الزراعة، سواء كانت نباتية أو علف حيوانات، لضمان السلامة الغذائية ومحاولة تحديد أي تهديد محتمل قبل وصوله إلى المستهلك.

من الناحية الأمنية في العراق، للأسف تركز الرقابة على صغار التجار والمحلات الصغيرة، متجاهلة كبار التجار، مما يشبه إشاحة الرماد في العيون. أما بالنسبة للقضايا البيئية، فهي غالبًا ما تُحوّل إلى المحاكم المدنية التي تواجه عقبات بيروقراطية تعيق حلها السريع، ولا توجد محاكم بيئية متخصصة للتعامل مع هذه القضايا بفعالية. هذا يطرح الحاجة إلى تسريع الإجراءات القضائية المتعلقة بالقضايا البيئية وحماية الأغذية.

في إطار الحلول، يجب العودة إلى ثقافة الاعتماد على الحبوب الكاملة والمنتجات الغذائية السليمة بعيدًا عن الكيماويات. ورغم أن هناك مبادرات من وزارة الزراعة، إلا أنها تتطلب فترة طويلة لتحقيق التأثير المطلوب.

- الباحث حسين علي عبيد؛ مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

يجدر بالذكر أن أول توجيه للسلوك الغذائي الصحيح أتى من نبينا الكريم، حيث قال صلى الله عليه وآله: كل وأنت تشتهي ، وأمسك وأنت تشتهي). هذا القول يوضح أهمية الأكل عند الشعور الحقيقي بالجوع، وتجنب الأكل المستمر بلا حاجة. كما يشير إلى ضرورة التوقف عن الأكل قبل الوصول إلى الشبع التام، وهو من مبادئ السلوك الغذائي الصحي.

من جانب آخر، يُلاحظ وجود قسم التغذية العلاجية في كليات الزراعة والمجموعة الطبية، ومع ذلك فهو موجود في عدد محدود من الجامعات العراقية. إنه قسم بالغ الأهمية، وينبغي أن يكون أكثر انتشارًا وتوسعًا في جميع الجامعات، نظرًا لدوره الحيوي في تحسين صحة الأفراد. فعلى سبيل المثال، كان وزني حوالي 120 كيلوغرامًا قبل سبعة أشهر، واستطعت خفضه إلى 88 كيلوغرامًا من خلال الالتزام بنظام غذائي صحيح دون اللجوء إلى الرياضة المكثفة. هذا التغيير تحقق بفضل التغذية العلاجية السليمة.

أما بالنسبة للمؤسسات الصحية والأمنية والقضائية التي ناقشناها سابقًا، فهناك جانب آخر لم يُعطَ الاهتمام الكافي، وهو وزارة التجارة. فعند وصول شحنات الأغذية المعلبة إلى الميناء، أحيانًا تكون قريبة من انتهاء صلاحيتها. لو كان لدينا نظام قضائي أو رقابة تجارية فعّالة، لتم منع دخول هذه الشحنات الفاسدة إلى السوق.

- الاستاذ علي جواد تقي؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:

موضوع الغذاء يعتبر من الموضوعات المهمة التي تحتاج إلى تشريع وتوعية. في الحقيقة، لولا مقطع الفيديو الذي انتشر، ربما لم يكن الكثيرون على علم بالمشكلة، حتى الدولة لم تكن مدركة لوجوده. مع أن هذه القضية تهم الجميع لأنها تتعلق بسلامة الغذاء، وهي مسألة إنسانية، إلا أن هناك تجاهلًا لهذه القضية، ولا نعرف الأسباب الحقيقية وراء ذلك. هذا الأمر يثير التساؤلات حول التشريعات المتعلقة بهذا المجال، حيث ينبغي أن يتوفر تشريع دقيق يتعلق بقضية اللحوم، وطريقة ذبحها، ونظافتها. في العراق، يبدو أن المطاعم هي من أكثر المجالات التي تشهد تطويرًا، ولذلك يجب أن تكون هناك ثقافة توعوية متعلقة بهذا الموضوع، وانتشارها عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي مهم للغاية.

- الباحث باسم الزيدي؛ مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

خلال الأيام الماضية، ناقش مجلس الوزراء مشروع قانون هيئة الغذاء والدواء استعدادًا لرفعه إلى مجلس النواب. يبدو أن هذا المشروع مستوحى إلى حد كبير من قانون هيئة الغذاء والدواء الأمريكية. يُطرح هنا تساؤل عمّا إذا كانت هذه الهيئة ستشكل مجرد عبء إضافي على مؤسسات الدولة، أم أنها ستحقق بالفعل التكامل التشريعي والمؤسساتي بالنظر إلى تشتت القوانين والمؤسسات في الوقت الحالي. المعلومات المتوفرة تشير إلى أن الهيئة ستجمع بين التشريعات والمؤسسات، وقد تمتد مهامها من مجال الغذاء إلى تنظيم الاستهلاك بشكل أوسع.

السؤال المطروح هنا أيضًا هو ما إذا كان هذا المشروع قد عُرض على الأكاديميين المختصين في الجامعات للحصول على آرائهم ووجهات نظرهم قبل رفعه إلى مجلس النواب، أم أنه مجرد قانون جاهز قد تظهر عيوبه عند التطبيق، مما يجرنا إلى نفس دورة حياة التشريعات العراقية المعتادة.

هناك ملاحظة أيضًا حول المسؤولية عندما يحدث خلل في النظام، حيث تتنصل الدولة والمؤسسات من المسؤولية بشكل روتيني، مما يترك المواطن كضحية لهذه الدائرة المفرغة. لماذا لا يكون هناك اهتمام أكبر بدور منظمات خاصة تراقب وتروّج للأغذية السليمة؟ نلاحظ وجود نقابات ومنظمات متعددة في مجالات مختلفة، لكن عندما يتعلق الأمر بالأمن الغذائي فلا يوجد اهتمام كافٍ، بالرغم من أن دولًا أخرى لديها مثل هذه المنظمات، وتعمل بشكل طبيعي واحترافي.

في العراق، نميل دائمًا إلى التركيز على الترند والأحداث المؤقتة، سواء كانت سلبية أو إيجابية، ولهذا نجد حتى مسائل الغذاء التي تشكل خطرًا على الصحة العامة تُحوّل إلى مجرد موضة أو نزعة بدلًا من معالجتها بشكل عملي وواقعي. الأمر يتحول إلى مجرد مظهر يبحث الناس فيه عن الرشاقة ويصرفون على ذلك الكثير من المال، في حين يغفلون عن أهمية اتباع نظام حياة صحي وثقافي يقلل من الأمراض ويعزز جودة الحياة.

- الأستاذ أحمد جويد؛ مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

قضية الغذاء في العصر الحالي، وخاصة في العقدين الأخيرين، تعتبر جريمة ضد الإنسانية تُرتكب من قِبَل جهات متعددة. من بين هذه الجهات، نجد التجار الذين يسعون وراء الربح السريع، والشركات التي تحقق أرباحًا ضخمة. هناك أيضًا وسائل الإعلام والإعلان التي تروج لهذه المنتجات، إلى جانب جهات مستفيدة مثل شركات الأدوية وبعض الأطباء.

على سبيل المثال، نرى كيف كانت علب السجائر تُحذّر من مخاطر التدخين الصحية في جملة صغيرة، بينما تروج بأن المنتج مصنوع من أجود أنواع التبغ. اليوم، المشكلات تتفاقم إلى حد بعيد، فنرى اللحوم المعالجة ونجهل المواد الداخلة فيها والأضرار الناتجة عنها. هناك أيضًا قضية الترويج للشيبس، حيث يتم وضع عملات نقدية لجذب الأطفال لشراء المزيد.

هذا بالإضافة إلى أن بعض المنتجات ليست تحت الرقابة الكافية، وتُخزن بطريقة سيئة في الأسواق. نلاحظ كذلك انتشار المطاعم على الطرق الخارجية إلى حد بدأت فيه ببيع لحوم الخنزير في مجتمع مسلم، مما يعكس مستوى الغش والخداع السائد.

الجريمة الأكبر تكمن في استهداف الأطفال من خلال مشروبات الطاقة ووجبات سريعة مثل الإندومي، وهذا بسبب الإعلانات المكثفة على مواقع التواصل الاجتماعي التي تُشجع الأطفال على استهلاك مثل هذه المنتجات. هنا تظهر مشكلة الغش والتضليل بشكل واضح، وهي برقبة تواطؤ الشركات لتحقيق مكاسبها غير مبالية بصحة المستهلكين، وخاصة الأطفال.

- الباحث محمد علاء الصافي؛ مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:

أود الإشارة إلى ملاحظة تتعلق بما يُعرف بمؤشر جودة الحياة. هذا المؤشر يشمل أساسًا الغذاء ويركز على العناصر الأساسية المرتبطة بالغذاء والإنسان، وهي الماء والهواء والتربة. إذا تعرضت هذه العناصر الثلاثة للتلوث بنسبة معينة، فإنها تؤثر على جودة الحياة. وبالطبع، تشمل جودة الحياة عوامل أخرى بيئية غير صحية وتلوثًا. عند مقارنة مؤشر الجودة المتوفر لدينا، نجد أن العراق في مراحل متأخرة مقارنة بالدول الأخرى.

يتضح أن العناصر الثلاثة الأساسية ملوثة في العراق، ربما بسبب قضايا مثل الطاقة أو النفط، حيث تحتوي تلك القطاعات على عوامل تلوث بيئي كبيرة. هذا التلوث يعود لأسباب عدة، منها سياسات النظام السابق والحروب التي شهدها العراق. خلال الحروب، تلوثت تربة العراق بالأسلحة المحرمة من قبل التحالف الأمريكي، كما تأثرت الأراضي خلال الحرب العراقية الإيرانية بسبب استخدام أسلحة كيميائية محرمة. تلك الأحداث تركت آثارًا طويلة الأمد لا يمكن محوها بسرعة، خاصة مع استمرار السياسات الحالية.

المقصود من الكلام هو أن موضوع جودة الحياة ليس ذا أهمية كبيرة للعراقيين، نتيجة الثقافات الاجتماعية السائدة.

- الأستاذ حسن كاظم السباعي؛ باحث وكاتب:

التغيير والتطور السريع في جميع مجالات الحياة لا يقل عن التطور الذي غيَّر وجه عصر الصناعة بصبغة العصر الرقمي، وذلك بقفزة غير متوقعة، وما يرتبط بالمهددات في سلامة الغذاء هي الأخرى تستجد، ولا بد من تحديث التشريع فيها كالتحديث في سائر الأمور التي تسير بلا توقف مع سلبياتها وإيجابياتها، فعدم المواكبة يؤدي إلى كوارث مفاجئة وغير متوقعة.

وكما أن التطور الرقمي قائم على الثانية، بل كسر من الثانية أو مئة جزء منها، فكذلك الرقابة على السلامة الغذائية لا بد أن تكون على هذا المستوى. ومن هنا نرى في الدول المتقدمة في أمر الغذاء الرقابة اليومية لكل غذاء وبجميع مراحله؛ من مرحلة الإشراف على المراتع والمزارع والإنتاج والتوزيع وحتى مرحلة البيع والشراء. ففي نيوزيلندا مثلًا، لا بد من فحص كل بضاعة توزع على السوبرماركتات المعروفة، حتى على مستوى الملح أو البيض، بل وحتى على طريقة التغليف والحافظات، فلا تصدر رخصة لتوزيعها إلا بعد فحصها الدقيق وإصدار شهادة الصحة والسلامة بشكل شبه يومي. ويشمل الفحص حتى على مستوى الدرجات؛ فالغذاء الصحي يحصل على خمس نجوم، والمهدرج أقل، والمعلب أقل وأقل، مع إلزام البائع بوضع جدول المحتويات ونوع المواد الحافظة والسعرات الحرارية، ومنع دخول أي لحوم أو فاكهة بدون تفتيش حازم، وذلك بالأجهزة الحديثة، وإن تطلب الأمر بالطرق التقليدية القديمة. 

أما المحلات الصغيرة التي لا تهتم بهذه العملية المتسلسلة والمكلفة للوقت، فإنها لم تحظَ بالشعبية أو الإقبال العام؛ مما يدل على أنها تحولت إلى ثقافة مترسخة عند المواطن المستهلك، فلا يذهب إلى أي محل لإشباع بطنه، بل يذهب إلى أماكن ذات ثقة تخضع لرقابة مشددة. أما الشخص غير المهتم، فحاله كحال من لا يهتم بمقومات السلامة حتى فيما يرتبط بغير الغذاء، فيتعرض مثلًا للأسقام نتيجة عدم وقاية نفسه من البرد، وعليه فلا يشمله هذا القبيل من الاهتمام والتشدد.

من هنا، وبناءً على ما سبق، فإن التنظيم التشريعي المطلوب في سلامة الغذاء لرفع المهددات المحتملة قائم على أمرين: أولًا: التحديث والمراقبة المستمرة واليومية. وثانيًا: نشر الثقافة والتوجيه للمستهلكين على ألّا يؤمِّنوا حاجياتهم من الأماكن التي لم تخضع لتلك الرقابة المشددة.

وعليه، فلا بد أيضًا للمؤسسات الصحية والأمنية والقضائية من أن تحدّث نفسها وفقًا للمستجدات، بل وتسبق الأمور من خلال وضع الاحتمالات الطارئة، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال الدورات التعليمية المكثفة والدائمة، ومواكبة التطورات في كيفية الرقابة والإشراف ومتابعة الإصدارات الجديدة في هذا المجال.

- الأستاذ صادق الطائي؛ باحث:

يعد الغذاء حقًا من الحقوق البارزة، ولا يمكن التضليل أو التلاعب فيه؛ لأنه حساس وضروري. وكثير من الحروب والنزاعات جاءت وحدثت بسبب الغذاء وتوزيعه على الناس، والقوانين تمنع محاصرة الدول ومنع الغذاء، ولكن أمريكا، وسكوت الدول على الدور العدواني الأمريكي في تجويع الشعب الإيراني، جعلها تستمر في الضغط والبحث عن أساليب جديدة للضغط والتجويع. الدولة التي تعتمد وتستورد كل شيء تكون حياتها خطرة لأي عملية غلق للحدود أو منع دخول المواد الغذائية. أما العراق، فيعتبر من الدول القائمة على الاستيراد، تحيط به أنظمة مرتبطة بأمريكا والغرب عدا إيران. مهما تكن سلامة المؤسسات الصحية والأمنية والدوائر القضائية جيدة، إلا أن العقوبات الأمريكية والتدخل غير المبرر إنسانيًا يؤثران في الحالة. إذن، رفع العقوبات واحترام حاجات الشعب وتركه يقدم لشعبه غذاءً كافيًا سليمًا وصحيًا، أعتقد أن هذا هو الصحيح. أما وجود تشريع وصحة وقوة قضائية جيدة وهناك عقوبات، فلا ينفع الحالة.

.........................................

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2026

هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

http://ademrights.org

ademrights@gmail.com

https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق