يناقش المقال أهمية التكامل بين القطاعين العام والخاص لضمان الحق في العمل ومعالجة اختلالات سوق العمل في العراق. ويعرض مزايا كل قطاع ومشكلاته، وأسباب تفضيل الوظائف الحكومية، وأهمية تشريعات العمل والضمان الاجتماعي، وعقود الشراكة، وآليات التمويل والإدارة، مؤكدًا أن التكامل بينهما يسهم في خلق فرص العمل، وتنمية المهارات، وتقليل...
يعد موضوع التكامل بين القطاعين العام والخاص محورًا رئيسيًا لتحقيق الإصلاح في سوق العمل وحلحلة الأزمات التي يعاني منها كل منهما، في التوظيف والمنافسة لاستقطاب أفضل العناصر البشرية، والامتثال إلى أعلى معايير النزاهة والشفافية فيما تقدمه. فعلى سبيل المثال، في القطاع العام يتزايد بشكل يومي طالبو التعيين في الوظائف الحكومية، والواقع يقول إن فئة كبيرة من المجتمع تنتظر الحصول على فرصة عمل، ومع توالي الأعوام الدراسية يتكدس خريجو بعض التخصصات التي ألزم المشرع العراقي سابقًا بتعيينهم بشكل مطلق في الوظائف الحكومية، لا سيما في الوظائف الصحية وحاملي الشهادات الدراسية العليا.
وفي الوقت ذاته، تعجز الحكومة عن تلبية هذا المطلب بسبب حالة الترنح في الاقتصاد العراقي وما يعانيه من نقص في الموارد واستنزاف إيرادات الدولة وغياب التخطيط والإدارة المالية الرشيدة، ما تسبب في تفاقم حالة التضخم والتشوه في الهوية الاقتصادية للبلد.
ولعل أس المشكلة في الرغبة الجامحة لدى كل الخريجين بمختلف التخصصات والمؤهلات بالعمل في الوظائف الحكومية، لما لها من مزايا تتمثل في الاستقرار الوظيفي وتأمينها موردًا مستمرًا ومستقرًا للموظف، كما أنها تؤمن له راتبًا تقاعديًا له ولأسرته بعد وفاته. كما تمثل أمام ناظري هؤلاء مسائل أخرى، كقلة ساعات العمل، وبساطة الحصول على الإجازات، وكثرة العطل، وإمكانية الحصول على عمل جزئي آخر بعد انقضاء ساعات الدوام الرسمية. يضاف إلى ذلك ما يمكن الحصول عليه من تسهيلات مصرفية ومزايا أخرى تعد عنصر جذب للشباب على وجه الخصوص.
وتتسبب أزمة الثقة بأرباب العمل في القطاع الخاص بالتأسيس لعوامل طاردة للشباب من اللجوء إلى العمل في هذا القطاع المحوري، وعلى الرغم من أن المشرع العراقي خطا خطوات كبيرة ومهمة في اتجاه توطين فرص العمل في القطاع الخاص، وسعى إلى إيجاد مظلة الأمن الاقتصادي للعاملين، بالخصوص بعد إقرار قانون العمل رقم (37) لسنة 2015، وقانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم (18) لسنة 2023، إلا أن أزمة الثقة بالقطاع الخاص لا تزال قائمة.
لذا لا بد من السعي الجاد إلى التطبيق المستدام للتشريعات العمالية وتشريعات الضمان الاجتماعي لتحقيق الاختراق الحقيقي في جدار الثقة أولًا، ولإيجاد حلول دائمة للوضع الاقتصادي على المستوى الفردي (للأفراد) والجماعي (أو الاجتماعي)، وبالمحصلة الامتثال للواجب القانوني الواقع على السلطات العامة بتوفير فرص عمل للجميع، حيث تنص المادة (22) من دستور جمهورية العراق للعام 2005 على: ((العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة)).
يلاحظ أن الاعتماد شبه الكامل للشباب على الوظائف الحكومية في طلبهم لفرص العمل له تداعياته على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، فتخصيص الجزء الأكبر من الموازنة العامة للدولة لتمويل الرواتب والمصاريف اليومية يقلل من تخصيصات الموازنة الاستثمارية المخصصة أصلًا لاستكمال البنى التحتية والمشاريع التنموية، لا سيما الإسكانية منها أو المتعلقة بالقطاعات الأساسية مثل الصحية والتعليمية.
ولما كان العراق في الآونة الأخيرة من أشد الدول تأثرًا بالمشاكل الدولية والصراعات في الإقليم المحيط، صار من الواجب البحث عن حلول حقيقية، ونعتقد أن شعار دعم وتنمية القطاع الخاص لم يعد مجرد كلام نظري، بل بات حاجة ملحة لا غنى عنها، ولا بد من البحث أيضًا في السبل الممكنة لخلق شراكة فعلية بين القطاعين العام والخاص، فكلاهما دوره محوري في النشاط الاقتصادي وتحقيق الأمن المالي للأفراد، ولا يمكن لأي منهما أن يحل بشكل كامل وفاعل محل الآخر ليقوم بدوره، والأصلح الاتجاه إلى الشراكة والتكامل في الأدوار.
وما يميز القطاع العام أن المؤسسات التي يتكون منها تكون مملوكة للدولة وتمارس سلطة تنظيمية تجاهها، ويعد القطاع العام من أهم ركائز بناء الدولة، ويضطلع بدور محوري في النهوض بوظائفها وتحقيق المصلحة العامة، وفي الغالب تُسند إليه مهمة تحقيق الخدمات التي يعجز القطاع الخاص أحيانًا عن النهوض بها أو لا يجد الدافعية إليها، كونها لا تحقق العوائد التي تشكل الدافع الرئيس لتحركاته. كما يسهم في تخطيط الاقتصاد ووضع السياسات والخطط الاستراتيجية والإسهام في تحقيقها، وبدأ هذا القطاع على مستوى العراق في مواكبة التطور التكنولوجي والتحول الرقمي لضمان شمولية الخدمات وتسريع التنمية الشاملة.
أما في القطاع الخاص، فتكون المؤسسات والشركات مملوكة للأفراد العاديين كأصل عام، ويشار إلى أن هذا القطاع، في الغالب، لا تملك الدولة سيطرة، على الأقل مباشرة، على تحركاته وأنشطته الاقتصادية، فهدفه الأساس تحقيق الأرباح، بيد أنه يسهم، ولا شك، في قيادة الواقع الاقتصادي، ويضطلع بدور رئيسي في تحقيق المنفعة العامة من خلال تلبية الاحتياجات العامة الاستهلاكية، وكذلك استيعاب جزء كبير من القوة العاملة، والإسهام في حركة عجلة الاقتصاد العراقي، فإليه يعود الفضل في زيادة الناتج المحلي.
ويتكون، كمبدأ عام، من سلة كبيرة من المؤسسات التجارية والمالية، ومنها الشركات والمصارف والمؤسسات ذات النفع العام وما سواها، ويتميز هذا القطاع بالمرونة وسرعة الاستجابة للتغييرات الهيكلية أو المرحلية، وسرعة اتخاذ القرار وربط الأجور بالأداء.
ومن الوسائل اللازمة لتحقيق التكامل بين القطاعين إبرام عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، من بوابة أن تعهد الدولة إلى الشركات الرصينة الخاصة ببناء وتشغيل مشاريع استراتيجية تتعلق باستثمار موارد طبيعية أو النهوض بالمرافق المتصلة بالبنى التحتية. وهذا ما اتجهت الحكومة العراقية إليه مؤخرًا عندما أصدرت تعليمات الاستثمار والشراكة بين الجهات الممولة مركزيًا مع القطاع الخاص رقم (1) لسنة 2024، والتي تنص المادة الخامسة منها على: ((للجهات الممولة مركزيًا إبرام عقود شراكة مع القطاع الخاص العراقي أو الأجنبي)).
ومن نافلة القول إن العقود القائمة على الشراكة تعني اتفاق الإرادات المتقابلة للقيام بأعمال وإنشاءات بالاشتراك في المخاطر والمنافع، وتهدف عادةً كل من الجهة الحكومية والمقاول أو الشركة إلى تحقيق أعلى منفعة إنتاجية ممكنة. ويمكن ضمان المصلحة العامة من خلال بنود العقد التي تخضع بالتأكيد لرقابة وإشراف الجهات الإدارية العليا والتشريعية المختصة، وكذا الهيئات المستقلة كهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية.
والشراكة تتحقق في تبني مشروع مشترك بين القطاعين العام والخاص لتقديم خدمة عامة أفضل وتشغيل أكبر قدر من الشباب العراقي، ويتحقق ما تقدم بأن كل طرف يتعهد بحشد ما لديه من إمكانيات بشرية وفنية ومالية، أو يساهم بنسبة معلومة بحشدها لتحقيق الأهداف المحددة، كما أن كل منهما يتحمل جزءًا من المخاطر الناتجة عن المشروع، والتي قد تتمثل في خسائر معينة، بمعنى أن العلاقة القانونية بين الطرفين تكون متكافئة. كما يفترض أن تكون العلاقة تكاملية في أداء الأعمال اللازمة لإنجاز المهمة، وتضامنية في حالتي تحقيق الربح أو الخسارة.
ويساعد على ما تقدم أن مدة العقد، في الغالب، تكون طويلة نسبيًا، قد تصل إلى ما يربو على العشرين سنة، لضمان تحقيق الأهداف المرسومة، وكلا الطرفين يتبادلان الأدوار في العمل اليومي لإنجاز المشروع، ومن ثم يبدأ التنسيق اليومي في مرحلة التشغيل أو الإدارة.
كما أن تمويل القطاع العام يكون بشكل رئيس من الموازنة العامة الاتحادية التي تلعب الثروات النفطية والمعدنية الدور الأكبر في إمدادها بالموارد، أضف إلى ذلك الضرائب والرسوم، وتُوجَّه حصيلة هذه الأموال عادةً إلى توفير الخدمات العامة، في حين يعتمد القطاع الخاص على رؤوس الأموال الخاصة والقروض والتسهيلات المصرفية، لذا فهو يرتبط بشكل وثيق بالأسواق والأعمال التجارية، ويُوجَّه إلى الاستثمارات لتحقيق المزيد من الأرباح.
الفارق الآخر أن الحكومة تعيّن، وبإجراءات رسمية، مديري المؤسسات العامة، وتتدخل في صياغة النصوص التي من شأنها أن تقود إلى اختيار مجلس إدارة الشركات أو الهيئات والمجالس العامة بما ينسجم مع توجهات وتطلعات الحكومة. أما في القطاع الخاص، فيكون الاختيار عادةً وفق قواعد تركز على الكفاءة والأداء، ويسهم مالكو رأس المال في وضع قواعد محكمة وصارمة تقود إلى اختيار الجهات القيادية، وهذا الأسلوب من شأنه أن يحقق النجاعة ويأتي بالقيادات على أسس موضوعية عمادها المؤهلات الحقيقية والخبرات المتراكمة والقابلية على العمل والابتكار والتجدد.
من جهة أخرى، يرتبط القطاع العام بوظائف الدولة الرئيسية في النهوض بجملة من الواجبات لضمان وتعزيز الكرامة الإنسانية، فتركز جل أنشطته على صيانة وتوسيع البنى التحتية للمجتمع بما يخدم الجميع ويحقق المصلحة العامة. أما القطاع الخاص فيسعى، وكأصل عام، إلى تحقيق أهداف ذاتية قد تتمثل في الأرباح أو الشهرة أو طلب الثواب والجوانب الشعورية أو الاعتيادية.
وتُبنى القرارات الحكومية على أسس سياسية، في كثير من الأحيان، تلعب الاعتبارات الثانوية دورًا في انحرافها باتجاه معين، بينما يبني القطاع الخاص قراراته وخططه على أسس موضوعية من شأنها الاتجاه أكثر نحو الربح أو تعظيم المكاسب. لكل ما تقدم، إن التكامل بين الطرفين سيقود إلى محاصرة السلبيات وتعزيز الإيجابيات، ويصب في النهاية في صالح تشغيل أكبر قدر من اليد العاملة، والتي ستصبح بعد حين ماهرة قادرة على أن تقود عملًا حرًا مستقلًا، وبهذا نرفع الضغط المتزايد على طلب الوظائف الحكومية.
نخلص من كل ما تقدم إلى أن الوظائف الحكومية لها إيجابيات تتمثل في أنها تحقق الأمن الوظيفي إلى حد ما، وتخلق حالة من الاستقرار في الدخل ووضوح الإجراءات الخاصة بالترقية أو الترفيع أو العلاوة، فجلها تجري بشكل منظم. ويعاني القطاع العام من بطء الإجراءات البيروقراطية المعقدة، ومحدودية القدرة على صقل المهارة الفردية، وتجنب التجدد والابتكار، وتفضيل اتباع الروتين اليومي، أضف إلى ذلك تعدد مستويات السلطة الرئاسية، وشيوع ظاهرة المجاملة أو غيرها من صور الفساد الإداري والمالي.
بينما العمل في القطاع الخاص من شأنه تنمية المهارات المهنية للفرد، وإمكانية الحصول على أجور أعلى، لا سيما في حالة تراكم الخبرة والمهارة، يضاف إلى ذلك الحوافز والمكافآت لسلاسة صرف الأموال في المشاريع الخاصة. فالقطاع الخاص يُعدّ، وبحق، بيئة عمل تساعد على الابتكار والتجدد والتميز، نتيجة انعدام الضغوط التي يتسبب بها فساد الإدارة العامة في القطاع العام.



اضف تعليق