الفصل بين شخصية البيت وشخصية المدرسة ليس ترفاً سلوكياً ولا ازدواجية سلبية، بل هو ضرورة نمائية تضمن التوازن النفسي والنجاح الاجتماعي للطالب. خلط الأبناء بين الحرية المطلقة في الأسرة والحرية النسبية في المؤسسة التعليمية يعيق نضجهم؛ والتكامل التربوي الحقيقي لا يعني تطابق المعاملة، بل تكامل الأدوار...

يعيش أي فرد في هذا العالم ربما في اليوم ذاته في عدة بيئات مختلفة في اليوم الواحد، ولكل بيئة من هذه البيئة محدداتها وضوابطها الاجتماعية والأخلاقية والقيمية التي تفردها عن الأخرى، وهو ما يقتضي ان يكون التعامل وفق الجو العام في كل بيئة مختلف، والخروج عنه يعد خروج عن القيم والمحددات العامة وبذا يعد ناشزاً ومرفوض مجتمعياً.

هذه الظاهرة تعد من أكثر الظواهر التي تسترعي انتباه التربويين وعلماء النفس هي حالة التباين السلوكي والشخصي التي تظهر بوضوح على الطالب بين بيئته الأسرية الأولى وجداره المدرسي الثاني سيما في بداية العام الدراسي، وهذا التباين يثير تساؤلاً تربوياً ونفسياً جوهرياً: هل يعد هذا الاختلاف دليلاً على وجود مشكلة أو ازدواجية سلبية في الشخصية؟ أم أنه استجابة تكيفية صحية تقتضيها طبيعة الأدوار الاجتماعية؟  

ولأنني وظيفياً أنتمي لبيئة تربوية تعج بالكثير من النماذج التي ينطبق عليها طرحي قررت الخوض في هذا المضمار لتبيان قواعد سير الانسان في أي بيئة يمارس نشاط فيها بما يبقيه آمناً وبعيداً عن خرق القانون العام الذي وضع للحفاظ على البيئة، فماهي أهمية ان يحترم الانسان المحددات العامة؟، وماذا ينتج عن خرقها سواء على صعيد الفرد او المجتمع في تلك البيئة؟

من الواقع:

في المدرسة التي امارس وظيفتي فيها تم استدعاء مجموعة من الطلبة الى الإدارة بداعي مخالفتهم القوانين والأنظمة المدرسية، الغريب ان أحدهم كان يدافع بشراسة عن حقه في يكون شعره على الطريقة التي هو عليها وان كانت مخالفة لأنظمة المدرسة، من كلامه استنتجت ان لديه خلط بين الحرية المطلقة التي يحصل عليها في بيته وبين الحرية النسبية التي يتلقها في المدرسة.

وفي هذا السياق نؤكد على تفكيك البناء النفسي للطفل والمراهق، ومحاولة العمل على ترسيخ وأدراك أن الفصل بين شخصية البيت وشخصية المدرسة ليس ترفاً سلوكياً، بل هو ضرورة نمائية تضمن التوازن النفسي والنجاح الاجتماعي للفرد، وإن محاولة فرض تطابق مطلق بين شخصية الطالب في هذين الفضاءين المختلفين تعيق نموه الطبيعي، بينما يمثل فهم واحترام طبيعة كل بيئة مفتاحاً أساسياً لبناء شخصية متكاملة وقوية في المستقبل وعلى كافة الصعد.

كيف ننمي فهم اختلاف البيئات في أبنائنا؟

لتحقيق هذا الدور التكيفي الناجح دون أن يتحول إلى انفصام مدمر للهوية، لا بد من وجود جسور تواصل واعية ومستمرة بين الأسرة والمدرسة، إن التكامل الحقيقي لا يعني تطابق المعاملة، بل يعني تكامل الأدوار لبناء شخصية متزنة، وذلك يتحقق عبر التالي: 

يجب على المؤسسات التعليمية أن تعي أن كل طالب يمتلك قصة خلفية وظروف عائلية تفسر بشكل كبير ردود أفعاله العاطفية وسلوكياته اليومية، والإدارة التي تمتع بوعي نفسي وتربوي لا تقيم الطالب بناء على بعض سلوكياته في المدرسة بحسب بل يجب النظر الى ما وراء هذه السلوكيات.

وهنا تبرز أهمية تقديم الإرشاد للطلاب والمتابعة الدائمة لفهم الجوانب النفسية التي تؤثر على شخصية الطالب، وذلك يتم بصورة تكاملية بين الإدارة والإرشاد التربوي والنفسي في المدرسة، اذ لابد من فهم السلوك وتقديم النصائح التي تحفظ للمدرسة هيبتها وتحفظ للطالب كرامته.

وعلى أولياء أمور الطلبة تحمل مسؤولياتهم في تهيئة أبنائهم نفسياً لتقبل بيئة المدرسة والالتزام بقوانينها الحاكمة لها، ويتحقق ذلك من خلال تدريج الاستقلالية وتعويد الأبناء على تحمل نتائج أفعالهم، فعندما يشعر الطالب أن أسرته تدعمه عاطفياً ولكنها تحمله مسؤولية سلوكه في المدرسة، فإنه يتعلم بالفطرة كيف يرسم حدوداً واضحة لشخصيته في كلا المكانين وهذا هو المطلوب. 

اضف تعليق