الزواج بناء عظيم يجسد الإنسانية ويحافظ على ديمومتها حين يقوم على أطر سليمة، لكن تسرب فيروس التكبر ينقل العلاقة من الشراكة المتكافئة القائمة على التناغم إلى صيغة سلطوية عمودية. في علم النفس الإكلينيكي غالباً ما يكون التعالي آلية دفاعية ولا واعية للتغطية على هشاشة داخلية وشعور بالنقص عبر كسر مجاديف الشريك...
الزواج من انقى العلاقات الإنسانية وأطهرها واكثرها إثر إيجابية على الانسان ، وهي بناء عظيم يجسد الإنسانية ويعمل على ديمومتها عبر تجديد النوع الاجتماعي، لكن كل هذه الأهداف لن تحقق الا حين تبنى على قواعد إنسانية سليمة وليس بناءً على المظاهر والاعتبارات الأخرى التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
أن مسيرة الحياة الزوجية بطبيعتها الديناميكية والمعقدة لا تظل على وتيرة واحدة من الصفاء والتناغم، فمع مرور الأيام وتراكم الضغوط الحياتية وظهور التحولات الشخصية أو المهنية أو الاجتماعية، وقد تتسرب إلى العلاقة فيروسات صامتة تنخر في جذور المودة ببطء شديد، من أخطر هذه الفيروسات وأكثرها فتكاً باستقرار الأسرة هو التعالي أو التكبر بين الأزواج، فماهي اضراره على العلاقة الزوجية، وكيف يكون التعامل في مثل هذه الحالة؟
التكبر هذا المرض الاجتماعي الخطير والمستشري بين بني البشر عموماً ليس مجرد خلاف عابر أو لحظة غضب تنتهي بزوال أسبابها، بل يمثل أزمة عميقة في كيفية فهم الذات والآخر، حيث ينظر أحد الطرفين إلى الآخر بنظرة استعلاء أو انتقاص.
فعلى صعيد العلاقة الزوجية يمثل تغيير جوهري ومؤلم يصيب توازن العلاقة، إذ تتحول الشراكة المبنية على الحب والتناغم إلى صيغة سلطوية عمودية، يسعى فيها الطرف المتعالي للاستحواذ على مركز وهمي من الأهمية، بينما يدفع الآخر نحو هامش التهميش والتبعية.
من الواقع:
أحد زملائي في الدراسة سابقاً سرد لي ذات مرة موقف حصل له ومفاده ان زوجته التي كانت تحمل شهادة جامعية تنتقص منه لكونه لم يكمل شهادته الجامعية وكان حينها لديه شهادة المرحلة الإعدادية فقط، وبحسب كلامه هذا الامر هو ما دفعه لإكمال البكالوريوس والماجستير ليكسر تكبرها ويحفظ هيبته وكرامته.
الجذور النفسية:
في علم النفس الإكلينيكي ينظر إلى التعالي غالباً باعتباره آلية دفاعية لا واعية، فالشخص الذي يتعالى على شريك حياته لا يفعل ذلك غالباً من موقع قوة حقيقية، بل على العكس تماماً، وهنا يمارس نوعاً من التعويض المفرط للتغطية على هشاشة داخلية، أو شعور دفين بالنقص، أو عدم الأمان.
والسبب الثاني لاستعلاء الشريك على شريكه هو مرآة عاكسة لعدم قدرته على مواجهة عيوبه فيلجأ إلى تقليص حجم الطرف الآخر وكسر مجاديفه النفسية لكي يبدو هو الأكبر حجماً والأعلى كعباً وبالتالي الشعور بالنشوة والارتياح من دون الوعي بالنتائج التي تنتج من هذه الظاهرة النفسية.
كما تمثل أنماط التنشئة الوالدية سبباً من أسباب التكبر والتعالي بين الزوجين، حيث تلعب البيئة الأولى التي نشأ فيها الفرد دوراً محورياً في تشكيل بنيته السلوكية. فالأطفال الذين ينشئون في عائلات تسودها ثقافة التسلط، وتلغى فيها لغة الحوار المتكافئ لصالح الصوت الأعلى والفوقية الأبوية، يكتسبون هذه الأنماط لا شعورياً.
كما ان غياب الذكاء العاطفي والقدرة على التعاطف هو الاخر سبباً للتكبر، فالذكاء العاطفي هو صمام الأمان الذي يحمي العلاقات الزوجية من الانهيار، وغيابه لدى أحد الزوجين يعيقه عن إدراك مشاعر الطرف الآخر أو قراءة لغة جسده أو تفهم آلامه الصامتة. وبالتالي لا يرى الا نفسه.
مسارات العلاج:
ان مسارات العلاج لاستعادة التوازن النفسي تحتم التعامل مع مرض التكبر بين الزوجين بجدية، والعلاج ليس مستحيلاً بل يتطلب اعترافاً صادقاً بوجود المشكلة، وإرادة حقيقية من الطرفين، أو على الأقل من الشريك الأكثر وعياً، للعمل معاً لإنقاذ العلاقة قبل أن تصل إلى نقطة الانهيار.
وعلى الطرفين ان يتفهمون حقيقة ان الزوجين مكملين لبعضهما وليس مسلطين على انفسهمـا فحين يمتلك أحدهما مهارات او مقومات أكثر من الآخر على الآخر يوجه ذلك لخدمة شريكه وعائلته وليس التسلط والتعالي الذي يثير الشريك ويخلق مع حاجز نفسي.
ومن الأهمية بمكان ان العمل على تنمية مهارات الذكاء العاطفي والتعاطف الواعي بين الزوجين، فالعلاقات المستقرة تتغذى على القدرة على وضع النفس مكان الآخر، تدريب النفس على الإصغاء الفعال الذي يشعر أي طرف بكونه يشعر به وبآلامه واماله ويشترك معه في التخطيط لها وهكذا تسقيم الحياة وتستمر.



اضف تعليق