يطرح الكاتب قراءة نفسية وتأملية في مفهوم الإدراك والوعي الذاتي، داعياً إلى إعادة ضبط الزاوية التي ننظر من خلالها إلى واقعنا ومكتسباتنا وتجاربنا اليومية بدلاً من التسرع في الهروب أو الهدم. ويسلط الضوء على مخاطر المقارنات المستمرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مبيناً أن الحكمة تكمن في التمييز بين ما يتطلب تغييراً واقعياً وقرارات حاسمة...

إذا لم يعجبك مكانك، فليس عليك دائمًا أن تغيّر المكان؛ ربما يكفي أن تغيّر زاوية رؤيتك إليه، فالحياة في كثير من الأحيان لا تتغير بالسرعة التي نتمناها، لكن الطريقة التي ننظر بها إليها قادرة على تغيير معنى المشهد كله.

نحن نعيش في زمن يدفعنا باستمرار إلى المقارنة، نراقب نجاح الآخرين ووظائفهم وشهاداتهم ومنازلهم وأسفارهم، ونشاهد عبر مواقع التواصل الاجتماعي أجمل لحظاتهم، ثم نقارنها بأصعب تفاصيل حياتنا، فنشعر بأننا تأخرنا وأن المكان الذي نقف فيه لا يليق بطموحاتنا، بينما قد تكون المشكلة أحيانًا ليست في المكان نفسه، بل في الزاوية التي ننظر منها إليه. 

قد يمر شخصان بالظروف ذاتها، فيراها أحدهما نهاية الطريق، بينما يراها الآخر بداية جديدة؛ الأول يرى في الفشل خسارة، والثاني يراه درسًا، والأول يقف أمام الباب المغلق طويلًا، بينما يبحث الثاني عن نافذة أخرى. إن تغيير زاوية الرؤية لا يعني تجاهل الواقع أو تبرير الأخطاء أو إقناع أنفسنا بأن كل شيء جميل، فهناك أوضاع تحتاج إلى تغيير حقيقي وقرارات ينبغي مراجعتها وأماكن قد يكون الرحيل عنها ضرورة، لكن الحكمة تكمن في التمييز بين ما يجب علينا تغييره وما ينبغي أن نغيّر نظرتنا إليه.  

كم من إنسان اعتقد أن تأخره في الوصول كان خسارة، ثم اكتشف بعد سنوات أن ذلك التأخير قاده إلى مكان أفضل، وكم من شخص حزن على فرصة ضاعت منه قبل أن تمنحه الحياة فرصة لم يكن يتوقعها، وكم من تجربة وصفناها يومًا بأنها الأسوأ في حياتنا ثم اكتشفنا لاحقًا أنها كانت من أكثر التجارب التي صنعت شخصياتنا.

مشكلتنا أننا نحاكم حياتنا وهي ما تزال في منتصف الطريق، ونريد أن نفهم نتيجة كل قرار فورًا وسبب كل خسارة في لحظتها، مع أن بعض الأشياء لا يظهر معناها إلا بعد مرور الوقت. وحتى في العمل والدراسة والعلاقات، قد ننشغل بما نفتقده وننسى ما نملكه، وقد نرى المرحلة الحالية عبئًا بينما تكون في حقيقتها مرحلة إعداد لما هو قادم. ولعل أهم زاوية علينا تغييرها هي نظرتنا إلى أنفسنا؛ فلا ينبغي أن نختصر قيمتنا في تجربة فشل، أو فرصة لم نحصل عليها، أو كلمة قاسية قيلت لنا، فالإنسان أكبر من امتحان أخفق فيه، وأوسع من وظيفة لم يحصل عليها، وأهم من رأي شخص لم يعرف قيمته.

الحياة ليست صورة ثابتة، بل مشهد واسع، وما نراه منها يعتمد كثيرًا على الزاوية التي نقف عندها؛ لذلك عندما تشعر بأن كل شيء أصبح ضيقًا، لا تتعجل في هدم ما حولك أو الهروب منه، تحرك قليلًا، وانظر من جهة أخرى، واسأل نفسك: هل أصبحت الحياة فعلًا بهذا السوء، أم أنني أنظر إليها اليوم بعين متعبة؟ فأحيانًا لا نحتاج إلى حياة جديدة ولا إلى مكان جديد، بقدر حاجتنا إلى رؤية جديدة تجعلنا نكتشف أن بعض الجمال كان موجودًا طوال الوقت، لكننا كنا ننظر إليه من الزاوية الخطأ.

اضف تعليق