إن أخطر ما يمكن أن نفعله بتاريخنا هو أن نسلّمه لخوارزمية تقرر لنا ماذا نشاهد، أو لمقطع فيديو يقرر لنا خلال دقائق من كان بطلاً ومن كان مذنباً. إن المعلومة التي توافق ما نؤمن به مسبقاً هي تحديداً المعلومة التي يجب أن نكون تجاهها أكثر حذراً ونطالبها بالدليل...
في زمن أصبحت فيه شاشة الهاتف نافذتنا الأولى إلى العالم، يبرز سؤال يستحق أن نتوقف عنده طويلاً: هل يمكن أن نبني حقيقة تاريخية على تقرير فيديو أو منشور في صفحة يتابعها مئات الآلاف، وربما الملايين؟ وهل كثرة المشاهدات والاعجابات والمشاركات تمنح المحتوى صفة الحقيقة؟
المشكلة اليوم ليست في وجود الفيديو أو الصورة أو المنشور، فهذه الأدوات أصبحت جزءاً مهماً من عملية التوثيق ونقل الأحداث، وإنما تكمن المشكلة في الطريقة التي نتعامل بها معها، إذ أصبح بعضنا يشاهد مقطعاً لا يتجاوز بضع دقائق، صُمم بعناية، وانتُقيت له صور مؤثرة وموسيقى حديثة وتعليق صوتي مقنع، ثم يخرج منه بحكم نهائي على حادثة تاريخية ربما امتدت جذورها ووقائعها سنوات طويلة، وكأن التاريخ أصبح قصة قصيرة يمكن اختصارها في دقائق.
والحقيقة أن التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك بكثير؛ فالفيديو قد يقدم جزءاً حقيقياً من الواقعة لكنه لا يقدم بالضرورة الحقيقة كاملة، والصورة قد تكون أصلية لكن وضعها في سياق مختلف قادر على تغيير معناها، وحتى الوثيقة تحتاج إلى معرفة مصدرها وتاريخها والظروف التي كُتبت فيها، أما الموسيقى والمؤثرات البصرية وطريقة المونتاج وانتقاء المشاهد وترتيبها فهي جميعاً عناصر قادرة على التأثير في مشاعر المتلقي وتوجيه انطباعه قبل أن تمنحه فرصة كافية للتفكير في المعلومات التي أمامه. وهنا تظهر مشكلة أكثر خطورة، وهي أننا في كثير من الأحيان لا نبحث عن الحقيقة بقدر ما نبحث عما يؤكد القناعة التي كوّناها مسبقاً.
ولنفترض أن لدينا طرفين نسميهما A وZ، فإذا كان شخص ما يتابع باستمرار صفحات وقنوات وبرامج تميل إلى Zوتقدم A بوصفه الطرف المخطئ دائماً، فمن الطبيعي أن تتراكم أمامه يومياً عشرات المقاطع والمنشورات والتعليقات التي تعزز هذه الصورة، وبعد مدة قد يصبح من الصعب عليه حتى التفكير في احتمال أن يكون A على حق في واقعة معينة، أو أن تكون القضية أكثر تعقيداً مما عُرض عليه، والأمر نفسه ينطبق تماماً على الطرف الآخر؛ فمن يتابع حصراً المنصات التي تميل إلى A ضد Z سيعيش داخل بيئة معلوماتية مختلفة، وسيعتقد بدوره أن ما يشاهده هو الحقيقة الواضحة التي لا تقبل النقاش.
وهكذا يمكن لشخصين أن يعيشا في المدينة نفسها وفي الزمن نفسه، لكن يحمل كل واحد منهما في هاتفه حقيقة مختلفة عن الآخر، ليس لأن أحدهما بالضرورة أكثر ذكاءً أو وعياً، وإنما لأن كلاً منهما يتعرض بصورة مستمرة لمصادر تنتقي له جانباً معيناً من المشهد وتكرر أمامه الرواية ذاتها.
وهذه واحدة من أبرز مشكلات البيئة الرقمية الحديثة؛ فالخوارزميات، إلى جانب اختياراتنا الشخصية، تستطيع أن تضع الإنسان داخل دائرة من المحتوى المتشابه، فيشاهد الفكرة نفسها بعشرات الصيغ حتى يشعر بأن كثرة تكرارها دليل على صحتها، في حين أن عشرات الصفحات والمقاطع التي شاهدها ربما تعيد تدوير الرواية نفسها والمصدر نفسه والصورة نفسها.
ومن هنا يجب أن نفرق دائماً بين انتشار المعلومة وصحة المعلومة، فالصفحة التي يتابعها مليون شخص ليست بالضرورة أكثر دقة من كتاب متخصص لا يقرأه إلا بضعة آلاف، والفيديو الذي حصد عشرة ملايين مشاهدة لا يتحول بعدد المشاهدات إلى وثيقة تاريخية، والشخص الذي يتحدث بثقة أمام الكاميرا لا تصبح روايته صحيحة بسبب جودة التصوير أو قوة الإلقاء أو عدد متابعيه. وعندما يتعلق الأمر بحوادث تاريخية حساسة ومهمة تصبح المسؤولية أكبر، فلا ينبغي أن نكتفي بالسؤال: ماذا يقول هذا الفيديو؟ وإنما علينا أن نسأل أيضاً: من أنتجه؟ ومتى أُنتج؟ وما المصادر التي استند إليها؟ وما الذي عرضه وما الذي أغفله؟ وهل توجد وثائق معاصرة للحدث؟ وماذا تقول المصادر الأخرى؟ وهل توجد روايات متعارضة؟ وما الذي اتفق عليه الباحثون والمؤرخون، وما الذي لا يزال موضع خلاف بينهم؟ فالتاريخ لا يُقرأ بعين المنتصر وحده، ولا بعين المهزوم وحده، ولا بعين من نحب أو من نكره، وإنما يحتاج إلى الوثيقة والشهادة والسياق والمقارنة والنقد والتحقق من المصادر.
وهنا تكمن مفارقة عصرنا؛ فالمعلومات أصبحت أقرب إلينا من أي وقت مضى، لكن سهولة الوصول إلى المعلومة لم تجعل الوصول إلى الحقيقة أسهل بالضرورة، وربما جعلت المهمة أكثر تعقيداً، لأن الحقيقة أصبحت محاطة بكم هائل من المقاطع والتعليقات والصور المجتزأة والعناوين المثيرة والمحتوى المصمم أساساً لجذب انتباهنا واستثارة مشاعرنا.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بتاريخنا هو أن نسلّمه لخوارزمية تقرر لنا ماذا نشاهد، أو لمقطع فيديو يقرر لنا خلال دقائق من كان بطلاً ومن كان مذنباً، ومن كان على حق ومن كان على باطل. لذلك عندما نشاهد فيديو يتناول حادثة تاريخية، ينبغي ألا يكون سؤالنا الأول: هل أقنعني؟، بل ما دليله؟، وعندما نقرأ منشوراً ينسجم تماماً مع قناعاتنا علينا أن نكون أكثر حذراً لا أقل، لأن المعلومة التي توافق ما نؤمن به مسبقاً هي تحديداً المعلومة التي قد نقبلها من دون أن نطالبها بالدليل.
يمكن للفيديو أن يكون بداية للبحث، ويمكن للصورة أن تكون دليلاً مهماً، ويمكن للمنشور أن يقودنا إلى معلومة تستحق التحقق، لكن لا ينبغي لأي منها منفرداً أن يكون نهاية البحث ومصدر الحكم النهائي، فالحقيقة التاريخية لا تُقاس بعدد المتابعين، ولا بعدد المشاهدات، ولا بجمال المونتاج، ولا بالموسيقى التي ترافق الصور، وإنما بقوة الأدلة وتعدد المصادر وفهم السياق والقدرة على التمييز بين ما حدث فعلاً وما يريد الآخرون منا أن نعتقد أنه حدث.



اضف تعليق