يناقش المقال فقه الأولويات في فكر الإمام الشيرازي بوصفه منهجًا لترتيب قضايا الإصلاح بحسب الضرورة والأثر والسبب والواقع والإمكان. ويركز على البدء بإصلاح الإنسان، وبناء الوعي والعلم والإرادة، ثم الانتقال إلى الأسرة والشباب والتعاون الاجتماعي، وصولًا إلى الإصلاح الاقتصادي والعمل والإنتاج. ويؤكد أن النهضة تتطلب تخطيطًا متدرجًا يحول الأفكار...
يمثِّل الإصلاح أحد المفاهيم الأساسيَّة في الفكر الإسلامي؛ لأنَّ الإنسان يعيش في واقع متحرِّك تتداخل فيه أسباب القوَّة والضَّعف، وتتعدَّد فيه المشكلات التي تحتاج إلى المعالجة، وتتفاوت فيه حاجات الأفراد والمجتمعات بحسب ظروفها ومراحلها. وقد لا تكمن المشكلة في غياب الرَّغبة في الإصلاح، فقد تتوافر الرَّغبة، وتكثر الدَّعوات، وتتنوَّع المشاريع، ثمَّ لا يتحقَّق التَّغيير المطلوب بسبب غياب الرُّؤية التي تحدِّد نقطة البداية، وترتِّب الأعمال، وتفرِّق بين ما يمثِّل أصل المشكلة وما يمثِّل نتيجة من نتائجها.
ولهذا السَّبب تبرز قضية الأولويات. فالمجتمع الذي يريد النُّهوض يحتاج إلى أن يعرف ما الذي ينبغي أن يبدأ به، وما الذي يأتي بعده، وما القضايا التي يؤدِّي إصلاحها إلى فتح الطَّريق أمام إصلاح قضايا أخرى. فقد يكون الخلل في الإنسان سببًا في خلل اجتماعي أوسع، وقد تكون أزمة الفكر سببًا في ضعف القدرة على اتِّخاذ القرار، وقد ينتهي ضعف الاقتصاد إلى مشكلات أسريَّة واجتماعيَّة، وقد يفضي غياب التَّخطيط إلى تبديد الطَّاقات مهما كانت كبيرة.
ويكتسب هذا الموضوع أهميَّة خاصَّة عند دراسة فكر الإمام السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي؛ إذ نجد في مؤلفاته اهتمامًا واسعًا بقضايا الإنسان والمجتمع والحياة، مع حضور واضح للجانب العملي. ويأتي كتابه «لنبدأ من جديد» مثالًا مهمًّا في هذا المجال؛ فقد تناول فيه عوامل الهزيمة وأسباب الانتصار، والبدء من النَّفس، والحرية والعلم والصنعة والكرامة الاقتصاديَّة، والتَّخطيط، والزَّواج، ووحدة الصَّف، واستثمار الطَّاقات، وتجديد الفكر، والتَّوكل، والارتباط بالله (سبحانه)، والفهم الصَّحيح للحياة. وهذا التَّنوع في الموضوعات يسمح بقراءة الكتاب بوصفه مشروعًا مترابطًا لإعادة بناء الإنسان والمجتمع، لا مجرَّد مجموعة من النَّصائح المتفرقة.
وتنبع أهميَّة هذا البحث من محاولة الانتقال من سؤال: ماذا قال الإمام الشيرازي في الإصلاح؟
إلى سؤال أكثر عمقًا: ما القضايا التي تبدو في فكره مقدِّمات لقضايا أخرى؟
وما المعايير التي يمكن استنباطها لترتيب الأولويات الإصلاحيَّة؟
وسنحاول في هذا المقال الإجابة عن هذه التَّساؤلات على شكل مباحث:
المبحث الأوَّل: مفهوم الأولويات وأساسها في الفكر الإصلاحي
إنَّ تعدُّد مجالات الإصلاح يقتضي ترتيب القضايا بحسب أهميَّتها وأثرها وموقعها ضمن البناء العام للمشروع الإصلاحي؛ لأنَّ الجهد البشري محدود، والموارد المتاحة لا تسمح بمعالجة جميع القضايا في وقت واحد وبالمستوى نفسه. ولهذا يظهر مفهوم فقه الأولويات بوصفه أداة منهجيَّة تساعد على تحديد القضية التي تستحق التَّقديم في المعالجة، بالنَّظر إلى ضرورتها، واتِّساع أثرها، وصلتها بقضايا أخرى، والظُّروف المحيطة بها، والإمكانات المتاحة لمعالجتها.
وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود تفاوت بين الأعمال في مراتبها وآثارها؛ قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(1). فهناك تفاوت في قيمة ومرتبة الأعمال، ووجود القيمة في أصل العمل لا يعني تساوي الأعمال في الأولويَّة والأثر. وهذا المعنى يمثِّل أساسًا مهمًّا في بناء مفهوم الأولويات؛ إذ تتفاوت القضايا في ضرورتها، وتتفاوت الأعمال في آثارها، وتتفاوت وسائل الإصلاح في قدرتها على إحداث التَّحول.
ويرتبط هذا التَّصور بمبدأ آخر يتمثَّل في مركزيَّة الإنسان في عمليَّة التَّغيير؛ قال الله (تعالى): ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(2). فالآية تؤسِّس لعلاقة وثيقة بين التَّحول النَّفسي والتَّحول الاجتماعي، وتلفت إلى أهميَّة بناء الإنسان القادر على حمل مشروع التَّغيير وترجمة قيمه إلى سلوك وممارسة.
ومن هذا المنطلق يمكن قراءة مشروع الإمام الشيرازي في الإصلاح بوصفه مشروعًا يقوم على تشخيص أسباب الضَّعف، ثمَّ بناء القدرة على تجاوزه.
وبعبارة أخرى: تشخيص أسباب العجز واعتبارها خطوة سابقة على بناء وسائل النُّهوض؛ لأنَّ معالجة المشكلة تحتاج إلى معرفة جذورها والعوامل التي أسهمت في نشوئها. فالجهد الإصلاحي الذي لا ينطلق من تشخيص دقيق قد يتَّجه إلى معالجة النَّتائج مع بقاء الأسباب المنتجة لها قائمة.
المطلب الأوَّل: مفهوم فقه الأولويات
يمكن تعريف فقه الأولويات في المجال الإصلاحي بأنَّه القدرة على ترتيب القضايا والأعمال والوسائل بحسب ضرورتها وأثرها وعلاقتها بغيرها، بحيث يُقدَّم ما تتوقف عليه مصالح أوسع، وتُرتَّب الأعمال اللاحقة وفق ما تقتضيه مراحل البناء والإمكانات المتاحة.
ويقوم هذا المفهوم على مجموعة من المعايير التي تساعد في تحديد موقع كلِّ قضية ضمن المشروع الإصلاحي، ومن أبرزها:
أوَّلًا: معيار الضَّرورة: ويقوم على تقديم القضايا التي يتوقف عليها حفظ مصالح الإنسان والمجتمع واستقرارهما، ثمَّ الانتقال إلى القضايا التي تتَّصل بالكمالات والتَّحسينات.
ثانيًا: معيار الأثر: فالقضية التي يمتدُّ أثر إصلاحها إلى شرائح واسعة أو ينتج عنها تغيُّر في مجالات متعدِّدة تستحق عناية أكبر من القضية التي يقتصر أثرها على نطاق محدود.
ثالثًا: معيار السَّببيَّة: ويقتضي البحث عن الأسباب المنتجة للمشكلة، وتوجيه المعالجة إليها متى أمكن ذلك؛ لأنَّ معالجة السَّبب تؤسِّس لمعالجة مجموعة من النَّتائج المرتبطة به.
رابعًا: معيار التَّأسيس والبناء: فهناك قضايا تؤدِّي وظيفة تأسيسيَّة بالنِّسبة إلى قضايا أخرى، كالعلم والتَّربية والوعي والتَّخطيط؛ إذ تهيئ هذه المجالات الإنسان والمؤسَّسة والمجتمع للانتقال إلى مراحل أكثر تقدُّمًا في العمل والإصلاح.
خامسًا: معيار الواقع: وهذا يحدِّد الأولويات في ضوء حاجات المجتمع الفعليَّة وظروفه التَّاريخيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والثَّقافيَّة، فالأولويَّة التي تفرضها مرحلة معيَّنة قد تختلف عن الأولويَّة التي تفرضها مرحلة أخرى.
سادسًا: معيار القدرة والإمكان: لأنَّ نجاح المشروع الإصلاحي يرتبط بمدى تناسب أهدافه مع الإمكانات المتاحة لتنفيذها، ولذلك يحتاج تحديد الأولويات إلى تقدير الموارد البشريَّة والماديَّة والعلميَّة والتَّنظيميَّة التي يمكن توظيفها في عمليَّة الإصلاح.
وتنسجم هذه المعايير مع المنهج القرآني الذي يراعي التَّدرج في بناء الإنسان والمجتمع. فقد نزل القرآن الكريم على مراحل، وانتقلت التَّشريعات والتَّوجيهات وفق مقتضيات التَّربية والبناء، وهو ما يكشف عن أهميَّة مراعاة الاستعداد والمرحلة والقدرة في عمليَّة التَّغيير.
وعليه، فإنَّ فقه الأولويات هو عمليَّة اجتهاديَّة تتطلَّب الجمع بين فهم الغايات، وتشخيص الواقع، ومعرفة الوسائل، وتقدير الإمكانات، وملاحظة النَّتائج المتوقعة.
المطلب الثَّاني: الأولويات بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع
تظهر القراءة المتكاملة لفكر الإمام الشيرازي أنَّ العلاقة بين المجالين تقوم على التَّفاعل والتَّكامل؛ فالإنسان يمثِّل عنصرًا فاعلًا في الأسرة والمؤسَّسة والمجتمع، والمجتمع يوفر البيئة التي تؤثِّر في تكوين الإنسان وتحدِّد جانبًا من فرصه في التَّعلم والعمل والمشاركة. فالإنسان الواعي ينعكس وعيه على أسرته وعمله وعلاقاته الاجتماعيَّة، والأسرة الصَّالحة تسهم في بناء شخصيَّة متوازنة، والمؤسَّسة المنظمة تتيح للطَّاقات الفرديَّة مجالًا أوسع للعطاء، والمجتمع الذي يوفر فرص العلم والإنتاج والتَّعاون يساعد الأفراد على تحويل القيم التي يحملونها إلى ممارسات واقعيَّة.
ويؤكِّد القرآن الكريم هذا التَّرابط في قول الله (تعالى): ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (3). فالآيات تجمع بين الإيمان والعمل الصَّالح من جهة، والتَّواصي بالحقِّ والصَّبر من جهةٍ أخرى، فتنتقل من بناء الإنسان في ذاته إلى مسؤوليَّته تجاه الآخرين.
ومن هذه الرُّؤية يمكن فهم الأولويات في الفكر الإصلاحي للإمام الشيرازي باعتبارها منهجًا في ترتيب جهود النُّهوض، يقوم على تشخيص أسباب الضَّعف، وبناء الإنسان، وتنمية الوعي، وتطوير القدرة على التَّخطيط والعمل، ثمَّ توسيع دائرة الإصلاح لتشمل الأسرة والمؤسَّسة والمجتمع.
فالنُّقطة الأولى في العمل هي (البدء من النَّفس)؛ إذ يوجه الإنسان إلى مراجعة ذاته قبل الانشغال بتحديد مسؤوليَّة الآخرين عن مظاهر الخلل. فالإصلاح يحتاج إلى وعي الفرد بأفكاره وعاداته وقدراته، وإلى مراجعة أسلوب تعامله مع الوقت والفرص والإمكانات التي يمتلكها.
وتظهر أهميَّة هذا المبدأ في مشروع الإمام الشيرازي من خلال اهتمامه بمظاهر الضَّعف التي تعيق الإنسان عن أداء دوره، ومنها الكسل، وضعف الطُّموح، والتَّقليد، والاستسلام للأمنيات، وضعف الاستعداد. فالمشكلة قد لا ترتبط دائمًا بغياب الموارد والإمكانات، فقد تكون مرتبطة بطريقة توظيف الموارد المتاحة وإدارة القدرات الموجودة.
وتقوم عمليَّة بناء الإنسان الإصلاحي على العلم والوعي؛ فمعرفة الواقع وتشخيص مشكلاته وفهم أسبابه ونتائجه تمنحه القدرة على اتِّخاذ القرار السَّليم، وقد قال (تعالى): ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(4). ومن هذا الوعي ينطلق التَّخطيط السَّليم القائم على تحديد الأهداف، ومعرفة الإمكانات، واختيار الوسائل المناسبة، والإفادة من التَّجارب السَّابقة.
ويتَّصل بذلك تجديد الفكر ومراجعة المفاهيم؛ لتحرير الإنسان من الجمود والتَّقليد الذي يعطِّل العقل ويضعف المبادرة، قال الله (تعالى): ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ * فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾(5)، فيكون التَّجديد قائمًا على فهم الثَّوابت والقيم، وتطوير الوسائل والأساليب بما ينسجم مع حاجات الزَّمان والمكان.
وحين يستقيم الفكر ويكتمل الوعي، تأتي الإرادة لتدفع المعرفة نحو التَّطبيق، وتحول الأهداف إلى أعمال ملموسة، وقد أكَّد القرآن قيمة السَّعي والعمل بقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (6).
ومن هنا تتَّجه النَّهضة إلى استثمار الطَّاقات الذِّهنيَّة والبدنيَّة والماليَّة والزَّمنيَّة، وتوجيهها نحو أهداف نافعة في إطار من التَّنظيم والمثابرة، ويمنح الطُّموح هذه الحركة دافعًا متجدِّدًا حين يقترن بوضوح الهدف وحسن إدارة الإمكانات. وبهذا تتكامل مقوِّمات بناء الشَّخصيَّة الإصلاحيَّة؛ فالعلم يوجِّهها، وتجديد الفكر يفتح أمامها آفاق الحركة، والإرادة تحرك طاقاتها، والعمل يترجم أهدافها إلى واقع، وعندما يبدأ الإنسان بإصلاح نفسه وفق هذه المقوِّمات يصبح أكثر قدرة على الإسهام في إصلاح أسرته ومؤسَّسته ومجتمعه، فتغدو نهضة الإنسان أساسًا لنهضة المجتمع.
المبحث الثَّاني: الأولويات الأسريَّة والاجتماعيَّة
تحتل الأسرة موقعًا أساسيًّا في مشروع الإصلاح؛ فهي البيئة الأولى التي تتشكَّل فيها شخصيَّة الإنسان، وفيها يتعلَّم مبادئ السُّلوك، ويتعرَّف إلى معنى الانتماء والرَّحمة والتَّعاون. ولهذا ارتبط صلاح الأسرة بصلاح المجتمع، قال الله (جلَّ جلاله): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(7)، فالآية تجعل رعاية الأهل وتوجيههم جزءًا من التَّكليف الذي يتحمَّله الإنسان تجاه من يعيشون في محيطه.
وتبدأ هذه المسؤوليَّة بالتَّربية التي تحتاج إلى حضور الوالدين ومتابعتهما وقدرتهما على التَّوجيه والصَّبر، قال الله (سبحانه): ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (8). وقد أشار الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلى هذا التَّكليف في رسالة الحقوق حين قال: «وَأَمَّا حَقُّ وَلَدِكَ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْكَ وَمُضَافٌ إِلَيْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِخَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَأَنَّكَ مَسْئُولٌ عَمَّا وُلِّيتَهُ مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ وَالدَّلَالَةِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْمَعُونَةِ لَهُ عَلَى طَاعَتِهِ، فَاعْمَلْ فِي أَمْرِهِ عَمَلَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُثَابٌ عَلَى الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، مُعَاقَبٌ عَلَى الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ»(9).
فالأبناء لا يحتاجون إلى الرِّعاية الماديَّة وحدها، وإنَّما يحتاجون إلى بيئة تمنحهم القيم والثِّقة والقدرة على أداء الواجبات.
ومن هذا الأساس يأتي الزَّواج بوصفه الطَّريق الطَّبيعي لتكوين الأسرة واستمرارها، ولذلك تعامل الإمام الشيرازي مع قضيَّته ضمن رؤية اجتماعيَّة تتجاوز العلاقة بين الرَّجل والمرأة إلى الظُّروف التي تساعد على تكوين الأسرة واستقرارها. فارتفاع تكاليف الزَّواج، وبعض العادات الاجتماعيَّة، والظُّروف الاقتصاديَّة، والبطالة، كلها عوامل قد تؤثِّر في هذه المؤسَّسة، ومعالجة آثارها تحتاج إلى فهم أسبابها والعمل على تيسير سُبل الزَّواج، خاصَّة مع ما تؤكِّده الرِّوايات الإسلاميَّة من أهميَّة الدِّين والخُلُق في اختيار شريك الحياة.
فالقرآن الكريم يمنح الزَّواج معنًى أعمق من مجرَّد الارتباط الاجتماعي، حين يقول (تعالى): ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(10)؛ إذ إنَّ السَّكن والمودَّة والرَّحمة عناصر تمنح الأسرة قدرتها على الاستقرار، وتوفِّر للأبناء بيئة صالحة للتَّربية، وتجعل الحياة الزَّوجيَّة أساسًا لبناء علاقات اجتماعيَّة أكثر توازنًا.
ويمتدُّ الاهتمام بعد ذلك إلى الأجيال الصَّاعدة، فالشَّباب يمثِّلون طاقة المجتمع المتجدِّدة، وحسن تربيتهم وتوجيههم يحدِّد جانبًا مهمًّا من مستقبله. لذلك تظهر الحاجة إلى تربية تجمع بين العلم والأخلاق والعمل، وتدرِّب الشَّاب والفتاة على التَّفكير والمبادرة وتحمُّل المسؤوليَّة واستثمار الوقت والقدرات.
وحين يجد الشَّباب المجال المناسب لاستثمار طاقاتهم، تتحوَّل قدراتهم من إمكانات فرديَّة إلى قوَّة اجتماعيَّة فاعلة، فتتجه طاقاتهم إلى العلم والإنتاج والإبداع والخدمة، ويصبحون طرفًا حاضرًا في معالجة مشكلات مجتمعهم وصناعة مستقبله.
ولا يمكن لهذه الطَّاقات أن تؤدِّي دورها الكامل في بيئة يسودها التَّفرق والصِّراع، لذلك تأتي وحدة الصَّف والتَّعاون بوصفهما امتدادًا طبيعيًّا للأولويات الأسريَّة والتَّربويَّة، قال الله (تعالى): ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(11). فالمجتمع يحتاج إلى مساحة تجمع أفراده حول القيم والمصالح المشتركة، وتتيح لهم التَّعاون مع حفظ الاختلاف وإدارته بروح مسؤولة.
ويظهر المعنى الاجتماعي للتَّعاون بصورة أوضح في ثقافة قضاء حوائج النَّاس وإسعادهم؛ عن المفضَّل، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال لي: «يَا مُفَضَّلُ، اسْمَعْ مَا أَقُولُ لَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَافْعَلْهُ، وَأَخْبِرْ بِهِ عِلْيَةَ (12) إِخْوَانِكَ.
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، وَمَا عِلْيَةُ إِخْوَانِي؟
قَالَ: الرَّاغِبُونَ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ إِخْوَانِهِمْ.
قَالَ: ثُمَّ قَالَ: وَمَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حَاجَةً، قَضَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِائَةَ أَلْفِ حَاجَةٍ، مِنْ ذَلِكَ أَوَّلُهَا الْجَنَّةُ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُدْخِلَ قَرَابَتَهُ وَمَعَارِفَهُ وَإِخْوَانَهُ الْجَنَّةَ، بَعْدَ أَنْ لَا يَكُونُوا نُصَّابًا.
وَكَانَ الْمُفَضَّلُ إِذَا سَأَلَ الْحَاجَةَ أَخًا مِنْ إِخْوَانِهِ، قَالَ لَهُ: أَمَا تَشْتَهِي أَنْ تَكُونَ مِنْ عِلْيَةِ الْإِخْوَانِ؟»(13). فخدمة الآخرين هي وسيلة لترسيخ التَّكافل، وتحويل العلاقات بين أفراد المجتمع من مجرَّد تعايش إلى مشاركة وتراحم.
وهكذا تتَّصل هذه الأولويات بعضها ببعض؛ فالأسرة تضع الأساس الأوَّل لشخصيَّة الإنسان، والزَّواج يوفر الإطار الذي تستمر فيه الأسرة، والتَّربية تصنع جيلًا قادرًا على حمل المسؤوليَّة، واستثمار الشَّباب يحوِّل الطَّاقات إلى قوَّة منتجة، ثمَّ يأتي التَّعاون ووحدة الصَّف ليجمع هذه الجهود في اتِّجاه واحد.
المبحث الثَّالث: الإصلاح الاقتصادي وبناء القدرة على الاستقلال
للاقتصاد موقع مهمٌّ في المشروع الإصلاحي؛ لما له من أثر مباشر في حياة الإنسان واستقرار الأسرة وقدرة المجتمع على تلبية حاجاته، فالفقر والبطالة وضعف الإنتاج تترك آثارًا تتجاوز الجانب المادِّي لتصل إلى التَّعليم والأسرة والاستقرار الاجتماعي. ولهذا السَّبب اهتمَّ الإمام الشيرازي بالعمل والإنتاج والصَّنعة والحرفة ومعالجة البطالة، داعيًا إلى بناء إنسان قادر على الاعتماد على طاقاته، ومجتمع يستثمر موارده بدل أن يبقى أسيرًا للاستهلاك والاعتماد على الآخرين.
ويبدأ الإصلاح الاقتصادي من ترسيخ قيمة العمل في وعي الإنسان، فالعمل وسيلة للكسب وحفظ الكرامة واستثمار القدرات والمشاركة في إعمار الأرض، قال الله (تبارك وتعالى): ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾(14). ومن هنا يصبح العمل مسؤوليَّة تتيح للإنسان أن يحوِّل ما يمتلكه من علم ومهارة وإرادة إلى منفعة تعود عليه وعلى مجتمعه.
وتبرز الصنعة والحرفة ضمن هذا التَّصور بوصفهما مجالين مهمَّين لاستثمار الطَّاقات وفتح أبواب الرِّزق، فالمهارة التي يكتسبها الإنسان يمكن أن تتحوَّل إلى مصدر دخل، ثمَّ إلى مشروع منتج يسهم في توفير فرص العمل وتنويع مصادر الإنتاج.
بل نجد أنَّ الإسلام، عندما يوازن بين العابد العاطل عن العمل وبين العامل المنتج، فهو يقدِّم العامل على العابد، ويجعله راجحًا عليه؛ «رُويَ أنَّ حَوارِيِّي عيسى (عليه السلام) كانُوا إذا جَاعُوا قالوا: يا رُوحَ اللَّهِ، جُعْنا، فَيَضرِبُ بيَدِهِ علَى الأرضِ - سَهلًا كان أو جَبَلًا - فَيُخرِجُ لِكُلِّ إنسانٍ مِنهُم رَغِيفَينِ يَأكُلُهُما، فإذا عَطِشُوا قالوا: يا رُوحَ اللَّهِ، عَطِشْنا، فَيَضرِبُ بيَدِهِ على الأرضِ - سَهلًا كان أو جَبَلًا - فَيُخرِجُ ماءً فَيَشرَبُونَ، قالوا: يا رُوحَ اللَّهِ، مَن أفضَلُ مِنَّا؟
إذا شِئنا أطعَمتَنا، وإذا شِئنا سَقَيتَنا، وقد آمَنّا بكَ واتَّبَعناكَ!
قالَ: أفضَلُ مِنكُم مَن يَعَملُ بيَدِهِ، ويَأكُلُ مِن كَسبِهِ، فصاروا يَغسِلُونَ الثِّيابَ بالكِراء» (15).
كما يؤكِّد القرآن قيمة السَّعي في الحياة بقوله (سبحانه): ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (16)، لتتصل العبادة بالحركة والعمل وطلب الرِّزق. وحين تتَّسع أمام الإنسان مجالات العمل والإنتاج، يصبح أكثر قدرة على استثمار وقته وطاقته، ويتحوَّل الشَّباب من طاقات تنتظر الفرصة إلى طاقات تصنع الفرص.
وتتطلَّب القدرة الاقتصاديَّة كذلك علمًا وتخطيطًا وإدارة للموارد؛ فالإنتاج الحديث يحتاج إلى إنسان يتعلَّم ويطوِّر مهاراته، ومؤسَّسات تحسن توظيف الإمكانات، ومجتمع يقدِّر العمل ويشجع المبادرة. وبهذا يتكامل الإصلاح الاقتصادي مع بناء الإنسان والأسرة والشَّباب؛ فالعلم يفتح طريق المهارة، والمهارة تقود إلى العمل، والعمل يعزز الإنتاج، والإنتاج يدعم استقرار الأسرة، والاستقرار يقوِّي المجتمع.
إنَّ الواقع المتغيِّر لا ينتظر اكتمال التَّنظير، وحاجات الإنسان والمجتمع لا تحتمل تأجيل الإصلاح إلى زمن قد لا يأتي، ومن هنا تبرز الحاجة إلى الإفادة من فكر الإمام الشيرازي في بناء رؤية عمليَّة تعيد ترتيب الجهود، وتجمع الطَّاقات، وتوجّه الإمكانات نحو مواطن الخلل الحقيقيَّة، وتمنح كلَّ قضية ما تستحقه من عناية بحسب أثرها وحاجتها.
وإن تطبيق هذا المنهج اليوم يمكن أن يفتح مسارًا مختلفًا في التَّعامل مع مشكلات المجتمع، قائمًا على الوعي والتَّخطيط والعمل المتدرج بدل الاستسلام لتراكم الأزمات، ولذلك تبرز ضرورة المبادرة إلى تحويل هذه الرُّؤية إلى برامج ومشروعات وممارسات واقعيَّة، كلٌّ في موقعه وبقدر استطاعته، حتَّى لا يبقى الإصلاح فكرة مؤجلة أو مشروعًا ينتظر الظُّروف المثاليَّة.
فالمجتمعات لا تنهض بما تمتلكه من أفكار فحسب، وإنَّما بما تحسن تحويله من أفكار إلى إرادة، ومن إرادة إلى عمل، ومن عمل إلى واقع. ومن هنا فإنَّ أسرع ما يمكن أن يبدأ به الإصلاح هو أن يبدأ اليوم، وأن تتحوَّل الأولويات التي كشفها هذا الفكر إلى خطوات عمليَّة تحفظ للإنسان كرامته، وللمجتمع قدرته على النُّهوض، وللمستقبل حقّه في أن يُبنى بوعي ومسؤولية.



اضف تعليق