في وقت تواجه فيه الحكومة المركزية ضغوطاً مالية متزايدة ومحدودية في تمويل الالتزامات الأساسية، يبرز قرار إعفاء الجامعات الأهلية من الديون والتبعات المالية بوصفه قضية تستحق نقاشاً جاداً حول أولويات الإنفاق العام ومعايير العدالة. إن هذه المؤسسات تعتمد على إيرادات سنوية كبيرة من أجور الدراسة، وما تنازل الدولة عنه من إيرادات مستحقة...
في وقت تواجه فيه الحكومة المركزية ضغوطا مالية متزايدة، وتعاني الموازنة العامة من محدودية التمويل اللازم لتغطية النفقات الجارية والوفاء بالالتزامات الأساسية، يبرز قرار إعفاء الجامعات الأهلية من الديون والتبعات المالية بوصفه قضية تستحق نقاشا جديا حول أولويات الإنفاق العام، ومعايير العدالة في توزيع الأعباء المالية.
الجامعات الأهلية مؤسسات تعليمية تعمل في إطار اقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات المتحققة من أجور الدراسة والرسوم المختلفة، وبعض هذه المؤسسات يحقق إيرادات سنوية كبيرة، مستفيدا من الإقبال المتزايد على التعليم الجامعي الأهلي، وما يمثله من سوق واسعة تضم أعدادا كبيرة من الطلبة.
ويحق لنا التساؤل هنا: إذا كانت هذه الجامعات تمتلك مصادر دخل خاصة وتحقق إيرادات معتبرة، فما المبرر الاقتصادي والمالي لتحميل خزينة الدولة أعباء إعفائها من الديون؟
الإعفاء من الديون ليس إجراء إداريا عابرا، وإنما قرار تترتب عليه آثار مالية مباشرة أو غير مباشرة، تتمثل في التخلي عن إيرادات مستحقة للدولة أو تخفيف التزامات مالية عن جهات بعينها، وعندما تتخذ الحكومة مثل هذا القرار في ظل شح الموارد، يصبح من الضروري توضيح أسبابه، وحجم المبالغ المشمولة به، والجهات المستفيدة منه، والنتائج المتوقعة على المال العام.
فالموازنة الحكومية ليست موردا غير محدود، والأموال التي تتنازل عنها الدولة يمكن أن تكون جزءا من تمويل احتياجات أكثر إلحاحا، مثل الخدمات الصحية، وتطوير المدارس الحكومية، وتحسين البنى التحتية، وتسديد مستحقات العاملين، وتوفير التمويل اللازم للمؤسسات العامة، ومن غير المنطقي أن تتعامل الحكومة مع مواردها المحدودة من دون ترتيب واضح للأولويات، أو أن تمنح امتيازات مالية لجهات قادرة على تحقيق إيراداتها من نشاطها الاقتصادي، في الوقت الذي تواجه فيه مؤسسات الدولة صعوبات في تغطية نفقاتها الأساسية.
ولا يعني ذلك أن الجامعات الأهلية لا تؤدي دورا مهما في استيعاب الطلبة وتوسيع فرص التعليم العالي، أو أن كل جامعة أهلية تحقق الأرباح ذاتها وتتمتع بالقدرة المالية نفسها، فالتقييم العادل يتطلب التمييز بين المؤسسات المتعثرة فعليا وتلك التي تمتلك موارد كافية، وبين الديون الناتجة عن ظروف استثنائية وتلك التي ترتبت على التزامات اعتيادية.
لكن أي إعفاء عام، من دون دراسة مالية معلنة ومعايير دقيقة، يفتح الباب أمام التساؤل عن مدى عدالته وجدواه.
ومن حق الرأي العام أن يعرف، هل أُجريت دراسة لتحديد قدرة الجامعات المستفيدة على السداد؟ وهل رُبط الإعفاء بالتزامات واضحة تخدم الطلبة والمجتمع؟ وهل ستنعكس هذه الخطوة على تخفيض الأجور الدراسية أو تحسين جودة التعليم؟ أم أن المستفيد الحقيقي سيكون الوضع المالي للمؤسسات المعنية، من دون مقابل ملموس للمصلحة العامة؟
المطلوب ليس اتخاذ موقف مسبق من الجامعات الأهلية، وإنما إخضاع القرارات المالية لمعايير الشفافية والمساءلة والمصلحة العامة، فإذا كانت هناك جامعات تواجه تعثرا حقيقيا، فيمكن وضع حلول محددة لكل حالة، بدلا من اعتماد إعفاءات واسعة لا تميز بين القادر على السداد والمحتاج إلى الدعم.
آخر القول، المال العام أمانة والإعفاءات المالية يجب أن تكون استثناء مبررا، لا امتيازا يُمنح من دون حساب واضح للعائد الاجتماعي والاقتصادي، وعندما تعاني الحكومة من نقص التمويل اللازم لتسيير شؤونها اليومية، يصبح من الواجب أن تسأل نفسها قبل كل قرار: هل هذه هي الأولوية التي تستحق أن تُوجَّه إليها موارد الدولة؟ وإذا كانت الجامعات الأهلية تمتلك ما يكفيها، فلماذا تتحمل الخزينة العامة كلفة إعفائها؟



اضف تعليق