لا تقتصر قراءة مآلات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية على التوقعات العسكرية، بل تقتضي البحث في أهداف استمرار المواجهة وشروط إنهاؤها. إن أطروحة "الجغرافيا المفتوحة" تمثل محاولة إيرانية لمنع واشنطن وتل أبيب من احتكار تحديد نطاق الحرب وسقفها، عبر جعل أي هجوم قابلاً لإنتاج تداعيات تتجاوز الحدود المختارة...
لم تعد قراءة مآلات الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية محصورة في التوقعات العسكرية أو متابعة الضربات والتهديدات المتبادلة. فالحرب، بما تفرضه من تداخل بين الحسابات العسكرية والسياسية، تقتضي البحث في أهداف استمرار المواجهة، وما يسعى كل طرف إلى انتزاعه منها، والشروط التي يمكن أن يقبل بها لإنهائها.
ضمن هذا السياق، تحاول هذه الورقة تحليل تطورات المواجهة خلال الفترة من 1 إلى 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، انطلاقا من دلالة بيان السيد مجتبى الخامنئي بشأن الرد على أي تهديد من دون قيود جغرافية. ولا تتعامل الورقة مع البيان باعتباره إعلانا عن توسيع بنك الأهداف العسكرية فحسب، بل بوصفه رسالة تستهدف التأثير في معادلة التفاوض ذاتها.
تقوم أطروحة الورقة على أن مفهوم (الجغرافيا المفتوحة) يمثل محاولة إيرانية لمنع واشنطن وتل أبيب من احتكار تحديد نطاق الحرب وسقفها وتوقيت انتهائها. حيث تريد طهران نقل كلفة العمل العسكري إلى حسابات الطرف المقابل، عبر جعل أي هجوم محتمل قابلا لإنتاج تداعيات تتجاوز الحدود التي يختارها منفذوه. وبذلك يصبح الردع وسيلة للتأثير في شروط التفاوض، وليس مجرد أداة للرد بعد وقوع الهجوم.
تكمن الدلالة السياسية للبيان في ربط الرد الإيراني بأي تهديد، من دون التقيد بنطاق جغرافي محدد، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل الأصول الأمريكية والإسرائيلية المادية وغير المادية، مع ترك تحديد توقيت الرد وشروط إنهاء الهجمات للمؤسسات والقوى المعنية داخل إيران.
هكذا يبرز السؤال المركزي: هل تستطيع طهران تحويل الجغرافيا المفتوحة إلى ورقة ردع تفرض تفاوضا متبادلا، أم أن توسيع نطاق التهديد قد يقود إلى مواجهة تتجاوز قدرة الأطراف على التحكم بمساراتها؟
في محاولة تحليل المعلومات.. تبدو الاجابة على هذه التساؤلات في الاتي :
اولا: ينقل هذا التوجه التهديد من مستوى الرد على ضربة محتملة إلى مستوى التأثير في قرار توجيهها. فواشنطن وتل أبيب قد تمتلكان القدرة على اختيار أهداف الهجوم وتوقيته، لكنهما لا تستطيعان ضمان بقاء الرد الإيراني ضمن الحدود التي ترغبان بها. وبذلك تصبح احتمالات امتداد الحرب جزءا من كلفة المبادرة العسكرية، لا مجرد نتيجة لاحقة لها.
غير أن الإعلان عن رد مفتوح لا يثبت امتلاك إيران قدرة عسكرية بلا حدود، ولا يعني أن قرار الحرب قد اتخذ. ففاعلية الرسالة تقاس بمدى تأثيرها في حسابات الخصم، وبقدرة طهران على إقناعه بأن أي هجوم لن يكون بالضرورة عملية محدودة يمكن احتواء نتائجها. بل يمكن اعتبار البيان مجرد (حالة تعبئة شعبية) لكن ذلك يمكن أن يظهر في نوعية الردع الذي تشدد طهران عليه قي توسيع نطاق التهديد بهدف منع الحرب أو رفع كلفتها، فيما الطرف المقابل قد يقرأ الرسالة باعتبارها دافعا إلى توجيه ضربة استباقية لتقليص القدرة الإيرانية على تنفيذ تهديداتها. لذلك لا تكفي (الجغرافيا المفتوحة) وحدها لتغيير موازين القوة؛ فقيمتها تتوقف على تحويل التهديد إلى معادلة سياسية وعسكرية تؤثر فعليا في قرار الخصم.
ثانيا: لا يعني استمرار الاتصالات الدبلوماسية أن الأطراف اقتربت بالضرورة من التسوية. في الحروب، لا يكون التفاوض دائما طريقا مباشرا إلى وقف القتال، بل قد يتحول إلى أداة لكسب الوقت، أو تحسين الموقع العسكري والسياسي، أو إعادة ترتيب شروط المواجهة.
تقدم دراسة إريك مين في كتابه "كلمات الحرب: التفاوض أداة للصراع" الصادر عام 2025 مدخلا مهما لفهم هذه المسألة. فهو يميز بين المفاوضات الجادة التي تستهدف الوصول إلى تسوية، والمفاوضات التي تستغل الدبلوماسية لتحقيق أغراض استراتيجية أخرى، مثل تخفيف الضغوط السياسية أو إعادة تنظيم القدرات العسكرية. وبذلك لا تكون المفاوضات أثناء الحرب نقيضا للقتال بالضرورة، بل قد تصبح جزءا من أدوات إدارته.
وتساعد هذه المقاربة على تفسير إمكان تزامن الاتصالات السياسية مع التهديدات والاستعدادات العسكرية. فوجود قناة تفاوضية لا يكفي لإثبات تراجع احتمالات التصعيد، كما أن استمرار العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة إغلاق فرص التسوية.
في المقابل، قد تنتج المفاوضات تفاهمات مرحلية تقوم على تبادل المصالح والمكاسب، من دون أن تعالج الأسباب الاستراتيجية للخلاف. عندها يتوقف استقرار الاتفاق على طبيعة الالتزامات المتبادلة، وآليات التحقق منها، والضمانات التي تحول دون استئناف المواجهة.
وبتطبيق ذلك على المواجهة الإيرانية مع واشنطن، فإن معيار جدية التفاوض لا يكمن في تبادل الرسائل أو تعدد الوسطاء، بل في طبيعة ما يقبله كل طرف من التزامات، ومدى قابليتها للتنفيذ والتحقق. فالمسألة ليست مجرد اتفاق على وقف إطلاق النار، بل على الشروط التي تجعله قابلا للاستمرار، وتمنع استخدام الهدنة للتحضير لجولة عسكرية جديدة.
ثالثا: في ضوء تداخل الردع والتفاوض وتعارض الأهداف، يمكن تحديد أربعة سيناريوهات رئيسية لمآلات المواجهة... ليست مسارات منفصلة بصورة مطلقة، بل احتمالات قد تتداخل أو ينتقل أحدها إلى الآخر.
السيناريو الأول: تفاهم مرحلي لاحتواء التصعيد
يقوم هذا السيناريو على اتفاق محدود يوقف الهجمات وينظم الملاحة في مضيق هرمز، مقابل خطوات إيرانية قابلة للتحقق في الملف النووي، وإجراءات أمريكية مقابلة بشأن القيود البحرية والاقتصادية.
تسمح هذه الصيغة لكل طرف بتقديم تنازلات محدودة من دون التخلي عن أهدافه الاستراتيجية. وهي تقوم على تبادل المصالح أكثر من قيامها على معالجة جذور الصراع، الأمر الذي يجعلها قابلة للتحقق، لكنها تظل هشة إذا لم تقترن بضمانات متبادلة وآليات رقابة واضحة، أو إذا رفضت إسرائيل حدود الاتفاق.
سيكون المؤشر الفاصل.. الانتقال من تبادل الرسائل إلى التزامات محددة ومتزامنة. كما أن قدرة واشنطن على ضمان التزام إسرائيل بالتفاهم ستكون عاملا مؤثرا في استقراره.
السيناريو الثاني: ضربة محدودة يعقبها تفاوض تحت دخان الحرائق!!
يفترض هذا السيناريو.. لجوء واشنطن أو تل أبيب إلى ضربة عسكرية (قاسية جدا) تستهدف انتزاع تنازلات إيرانية واضحة ، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا بعد العملية.
يستند هذا الخيار إلى تقدير أن طهران ستختار احتواء الرد تجنبا لمواجهة أوسع. وفق الاعتبارات التقليدية. لكن هذا التقدير قد يصطدم بمنطق (الجغرافيا المفتوحة) ... فإذا تجاوز الرد الإيراني نطاق الضربة وأهدافها، فقد تتحول العملية المحدودة إلى مواجهة متعددة الجبهات، وتتراجع قدرة الأطراف على التحكم بتصعيدها. أما إذا بقي الرد محصورا، فقد يعزز ذلك الاعتقاد بأن الضغط العسكري قادر على تحسين شروط التفاوض.
يتوقف هذا السيناريو عند طبيعة الأهداف المستهدفة، وحجم الرد الإيراني، ومدى استعداد واشنطن لتحمل تداعياته، فضلا عن قدرة الأطراف الإقليمية على منع تحول الضربة المحدودة إلى مواجهة مفتوحة. ضدها
السيناريو الثالث: جمود مسلح وتفاوض بلا تسوية
في هذا المسار، لا تنجح الوساطات في إنتاج اتفاق، ولا يذهب أي طرف إلى حرب شاملة. تستمر التهديدات والتحركات العسكرية والضغوط الاقتصادية، فيما تبقى قنوات الاتصال مفتوحة لمنع الانفجار.
يمثل هذا السيناريو.. نموذج ترامب المفضل لشراء الوقت.. ويمثل إدارة للصراع وليس إنهاء له. فهو يمنح الأطراف وقتا لإعادة ترتيب أوراقهم وتحسين مواقعهم ، لكنه يبقي احتمالات التصعيد قائمة؛ إذ يمكن لحادث عسكري في مضيق هرمز أو استهداف أحد الأصول العسكرية أن ينقل المواجهة من الجمود إلى الاشتباكات.
المؤشر الأوضح على هذا المسار. وفي هذه الحالة لا تكون (الجغرافيا المفتوحة) قد أنتجت تسوية، لكنها تكون قد أسهمت في إبقاء كلفة المواجهة حاضرة في حسابات الأطراف.
السيناريو الرابع: اتفاق أمريكي ـ إيراني وخلاف إسرائيلي مستمر
يفترض هذا السيناريو إمكانية توصل واشنطن وطهران إلى تفاهم بشأن الملف النووي والملاحة والقيود الاقتصادية، من دون اتفاق شامل على الصواريخ والقدرات الإقليمية الإيرانية. عندها تكون الولايات المتحدة قد توصلت إلى تسوية جزئية مع إيران، لكنها لا تكون قد أنهت الخلاف مع إسرائيل بشأن حدود التهديد الإيراني.
تكمن المعضلة في أن الاتفاق قد يوقف المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية، لكنه لا يضمن توقف العمليات الإسرائيلية إذا رأت تل أبيب أن التفاهم لا يعالج مصادر قلقها الاستراتيجي. وبذلك يصبح تباين الأهداف بين واشنطن وتل أبيب عاملا مؤثرا في استقرار أي اتفاق.
ويكشف هذا السيناريو أن القدرة الأمريكية على التوصل إلى تفاهم مع طهران لا تعني بالضرورة امتلاكها القدرة على فرض تسوية شاملة على حليفها الإسرائيلي، الأمر الذي قد يبقي احتمالات تجدد المواجهة قائمة.
رابعا: ما الذي يرجح مسارا على آخر؟
لا يمكن ترجيح أحد السيناريوهات بمجرد قراءة التصريحات السياسية أو تقدير حجم الحشود العسكرية. فالمطلوب متابعة التحولات التي تكشف انتقال الأطراف من إدارة الضغط إلى اتخاذ القرار.
وتتمثل المؤشرات الأساسية في أربعة اتجاهات مترابطة:
أولها، مدى تقدم الوساطة نحو اتفاق محدد، وما إذا كانت الرسائل المتبادلة تتحول إلى التزامات قابلة للتحقق في ضمانات متبادلة بشأن وقف الهجمات والملاحة والملف النووي.
وثانيها، طبيعة التحركات العسكرية الأمريكية، وما إذا كانت تبقى في إطار الردع والضغط أم تنتقل إلى استعدادات عملياتية تشير إلى احتمال تنفيذ ضربة.
وثالثها، موقف إسرائيل من أي تسوية أمريكية ـ إيرانية محدودة، ومدى استعدادها للالتزام بها أو مواصلة عملياتها خارج إطار التفاهم.
ورابعها، التطورات المرتبطة بمضيق هرمز، وما إذا كانت التهديدات المتبادلة ستتحول إلى إجراءات تؤثر في أمن الملاحة وحركة التجارة والطاقة.
لا تنفصل هذه المؤشرات عن طبيعة التنازلات المتبادلة في الملف النووي والقيود الاقتصادية. فاختبار جدية التفاوض لا يكون بما يعلنه الأطراف عن رغبتهم في التسوية، بل بما يقدمونه فعليا من خطوات متقابلة.
لا تقدم هذه المؤشرات إجابات مسبقة، لكنها تتيح التمييز بين تفاوض يستهدف إنهاء المواجهة وتفاوض يستخدم لإعادة ترتيب شروط الجولة التالية.
في ضوء كلما تقدم.. يتكرر السؤال... من يملك قرار نهاية الحرب!؟ هل هو قرار واشنطن، وما يستطيع الرئيس ترامب فرضه من شروط، أم أن معادلة وفق منظور (الجغرافيا المفتوحة) تستطيع منع فرض نهاية أحادية للمواجهة؟
لا تختزل هذه الحرب في التفوق العسكري المباشر، ولا في قدرة طرف على توسيع نطاق التهديد. فإيران تحاول منع خصومها من حصر الحرب في جغرافيا تختارها واشنطن وتل أبيب، والاحتفاظ بحرية المبادرة والقدرة على التأثير في الشروط الأمنية والسياسية لأي تسوية. وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى منع تحول هذا التهديد إلى معادلة تقيد خياراتهما العسكرية وتفرض عليهما تنازلات تفاوضية.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي لبيان السيد مجتبى الخامنئي ليس عدد الأهداف التي يمكن أن يشملها الرد، بل قدرته على تغيير حسابات الخصم ومنع فرض نهاية أحادية للحرب. فالجغرافيا المفتوحة لا تكتسب قيمتها من اتساع نطاق التهديد وحده، وإنما من قدرتها على تحويل الردع إلى شروط تفاوضية قابلة للصمود.
وإذا لم تنجح المفاوضات في تحويل توازن الردع إلى ضمانات والتزامات متبادلة، فإن وقف العمليات لن يكون تسوية للصراع، بل هدنة تؤجل مواجهات جديدة ضمن متواليات الحرب والتفاوض. ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!.



اضف تعليق