بين الدولار الأبيض المخصص للموازنة والرواتب، والدولار الأسود المتسرب عبر السوق الموازية للالتفاف على العقوبات الدولية، تكتمل دراما الاقتصاد السياسي في العراق. بدلاً من تقليص هدر النفقات التشغيلية وامتيازات كبار المسؤولين، وُضعت كلفة الأزمة المالية وتداعيات حرب مضيق هرمز مباشرة في جيب المواطن عبر تخفيض قيمة الدينار...

في مراجعة بسيطة للعم غوغل، يمكن حصر تصريحات متلفزة لرئيس وزراء سابق، عندما كان رئيس لجنة التقييم الاستراتيجي البرلمانية، تحدث فيها عن إمكانية تمويل نصف الرواتب من خلال مصفوفة حلول تبدأ بإعادة النظر في امتيازات الدرجات الخاصة ومصروفات مكاتب الرئاسات الثلاث، والعدالة الانتقالية.. و لا تنته بتقشف في الموازنة التشغيلية.

على خط مواز، ظهرت قاعدة أخرى في نافذة بيع العملة: دولار أمريكي أبيض لتمويل الرواتب وفقرات الموازنة، ودولار أسود يهرب إلى جهات إقليمية معاقبة أمريكيا. فيما توظف واشنطن سيادتها على الدولار لفرض عقوباتها، لمواجهة خرق تلك العقوبات عبر السوق الموازية العراقية.

بين الدولارين يبرز السؤال: كيف عالجت حكومة الزيدي وتحالف إدارة الدولة، ولاسيما الإطار التنسيقي، تداعيات حرب مضيق هرمز على الاقتصاد العراقي؟ وهل كانت المعالجة حماية للاقتصاد والمواطن، أم إعادة تدوير للأزمة عبر جيب المواطن؟

أولا: لم تتحقق ملاحظات رئيس الوزراء السابق بشأن التقشف، ولم تظهر بدائل حقيقية للاستيراد عبر إعادة تنشيط الصناعة والزراعة واستيعاب البطالة. بقيت الدولة معتمدة على النفط والاستيراد، فيما بقيت أبواب الهدر مفتوحة.

ثانيا: جاء تخفيض قيمة الدينار ليضع كلفة الأزمة مباشرة على المواطن، مع ارتفاع الأسعار والخدمات بنسب كبيرة، فيما استمر الإنفاق على امتيازات الدرجات الخاصة، بل أضيفت إليها بدعة نواب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية، بمليارات الدنانير. والمفارقة أن هذا كله يقدم تحت عنوان السيادة الوطنية، وكأن تخفيض قيمة العملة لا يعني في النهاية تخفيض القوة الشرائية للمواطن.

ثالثا: بعد عقدين من الاقتراض الداخلي والخارجي، ما زالت الحكومة مطالبة بمصارحة الشعب بحجم العجز المالي الحقيقي، لا بتدوير السياسات ذاتها التي أنتجتها مفاسد المحاصصة. فالمشكلة ليست في نقص الشعارات، بل في اقتصاد سياسي يحمي امتيازات أمراء الإقطاع السياسي المتجدد، فيما تستخدم البنادق لضمان استمرار كعكة المحاصصة.

يعود السؤال إلى الاقتصاد: هل تستطيع الحكومة الفصل فعلا بين الدولار النفطي العراقي الأبيض والدولار الأسود الذي تتحرك به السوق الموازية والجهات الخاضعة للعقوبات؟ أم أن المواطن سيبقى الحلقة الأضعف في معادلة يدفع فيها ثمن نقص الدولار، وتخفيض الدينار، والهدر المالي، فيما تبقى أسباب الأزمة خارج المساءلة؟ فيما يتراقص على هامش هذه الخسارة شعارات الكرامة وقبول العقوبات الأمريكية؟! 

تلك مربط الفرس في تخفيض سعر صرف الدينار: حين تتحول السيادة من حماية قيمة العملة وقوة المواطن الشرائية إلى تبرير نتائج الأزمة، يصبح الدولار الأبيض في الموازنة مجرد واجهة، فيما يتحرك الدولار الأسود في السوق من خلفها.

هنا تكتمل كوميديا الدولار الأسود: دولة تملك النفط والدولار، لكنها تحمل المواطن كلفة العجز والهدر والعقوبات؛ وسيادة ترفع شعار حماية الاقتصاد، فيما ينخفض سعر العملة ويصعد سعر الحياة. وعندها قد يعود العراقي إلى ذاكرة حصار تسعينات القرن الماضي، لا ليستعيد الماضي، بل ليسأل سؤال الحاضر نفسه: ما حدا مما بدا؟ ويبقى من القول: لله في خلقه شؤون!!

اضف تعليق