العراق لا يحتاج إلى مجرد استحداث عنوان حكومي جديد تحت مسمى وزارة دولة للذكاء الاصطناعي، بقدر حاجته إلى إصلاح إداري شامل يجعل التقنيات الحديثة أداة عملية لتغيير الدولة. إن رقمنة الروتين القائم دون تعديل قواعده تعني نقل البيروقراطية من الورق إلى الشاشات؛ والحل يكمن في توحيد قواعد البيانات، وتقليص حلقات الموافقات، وإخضاع الأداء للنتائج...

أثار طرح تشكيل وزارة دولة للذكاء الاصطناعي جدلا في وسائل التواصل الاجتماعي العراقية، بين مؤيد بلا رؤية ورافض بلا معرفة، فيما غابت المسألة الجوهرية: كيف يمكن توظيف هذه التطبيقات في إصلاح الإدارة العامة، لا استحداث عنوان حكومي جديد داخل منظومة تعاني تضخم الهياكل وتشتت الصلاحيات؟

تقدم التجارب الدولية مدخلا عمليا للنقاش. ففي المغرب، تجمع وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة بين مسارين متكاملين: تحديث الخدمات الحكومية وإعادة النظر في الإجراءات الإدارية. وفي تونس، ترتبط استراتيجية الإدارة الإلكترونية بتطوير التشريعات، وتكامل الأنظمة المعلوماتية، وتبسيط المعاملات ومكافحة البيروقراطية. أما الإمارات، فقد اعتمدت منذ عام 2017 استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي تستهدف تحسين الأداء الحكومي، وتطوير القدرات، وتوسيع استخدام التطبيقات في قطاعات متعددة. وهذه نماذج مختلفة في هيكلها، لكنها تضع التكنولوجيا ضمن مشروع مؤسسي يتجاوز حدود التسمية الوزارية.

عراقيا... ليست العبرة استنساخ تجربة بعينها، بل تحديد وظيفة الذكاء الاصطناعي في إصلاح الدولة. فالمطلوب إعادة هندسة الإجراءات، توحيد قواعد البيانات، تقليص حلقات الموافقات، ربط الإنفاق بالنتائج، تعزيز الرقابة على الأداء. أما رقمنة الروتين القائم من دون تغيير قواعده، فتعني نقل البيروقراطية من الورق إلى الشاشة، لا إصلاحها.

لذلك، لا ينحصر السؤال في الحاجة إلى وزارة دولة للذكاء الاصطناعي، بل في قدرتها على التنسيق بين الوزارات والجامعات والقطاع الخاص، وامتلاك الصلاحيات اللازمة لتنفيذ برنامج وطني واضح. فوجود وزارتي التخطيط والتعليم العالي، وهيئة المستشارين والأمانة العامة لمجلس الوزراء، لا يغني عن مرجعية تحدد المسؤوليات وتمنع تضارب الاختصاصات وتتابع التنفيذ.

وتتسع أهمية هذا المسار إلى مكافحة الفساد، وتحليل الإنفاق العام، وكشف أنماط التلاعب، وتبسيط معاملات المواطنين، وتحسين بيئة الاستثمار. لكن هذه الأهداف لا تتحقق بمجرد إدخال تقنيات حديثة؛ إنها تتطلب بيانات موثوقة، وكفاءات مؤهلة، وحماية قانونية للمعلومات، ومساءلة عن القرارات والنتائج.

كذلك، لا يمكن بناء نموذج اقتصادي حديث أو المضي في طريق التنمية بأدوات إدارية تعطل المعاملات وتشتت القرار. فالذكاء الاصطناعي ينبغي أن يكون جزءا من إصلاح الإدارة، لا ملفا تقنيا منفصلا عنها. وهذا ما يجعل التجربتين المغربية والتونسية مفيدتين للعراق في الربط بين التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات، فيما تقدم التجربة الإماراتية نموذجا لتخصيص استراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي.

أما الاعتراض على استحداث وزارة جديدة بسبب كلفتها، فيستدعي بحث البدائل قبل حسم الموقف. يمكن استثمار الخبرات العراقية الموجودة، وإعادة تنظيمها ضمن جهة تنسيقية ذات صلاحيات فعلية، أو إنشاء وزارة إذا ثبت أن الهيكل القائم عاجز عن أداء المهمة. وفي الحالتين، يجب أن تكون الأولوية للنتائج، لا للمناصب والامتيازات.

المشكلة الأهم.. تتمثل في غياب برنامج معلن يحدد أهداف الجهة المقترحة وصلاحياتها ومراحل التنفيذ ومؤشرات قياس الأداء. ومن دون ذلك، يصبح الجدل حول اسم الوزارة سابقا على مناقشة وظيفتها، وتتحول وسائل التواصل إلى ساحة مواقف متعارضة بشأن مشروع لم تتضح تفاصيله بعد. لان العراق لا يحتاج إلى استحداث وزارة للذكاء الاصطناعي بقدر حاجته إلى إصلاح إداري يجعل الذكاء الاصطناعي أداة لتغيير الدولة. فإن كانت الوزارة المقترحة ستختصر الروتين، وتوحد القرار، وتحد من الفساد والهدر، وتخضع الأداء للمساءلة، فلتُقاس جدواها بهذه النتائج. 

وإن كانت ستضيف هيكلا جديدا إلى البيروقراطية القديمة، فلن يكون اسمها الحديث سوى غطاء لمشكلة مستمرة. فالدول لا تدخل المستقبل بتغيير أسماء مؤسساتها، بل بتغيير طريقة عملها.. ويبقى من القول لله في خلقه شؤون!!

اضف تعليق