يتناول المقال التحركات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران لإحياء المفاوضات وخفض التصعيد، ودور الوساطات الإقليمية في تقريب المواقف بشأن الملف النووي والأمن الإقليمي. ويحلل عقبات الثقة والضمانات والتنازلات المتبادلة، وتأثير الحسابات الانتخابية الأمريكية والإسرائيلية في احتمالات التسوية أو المواجهة. كما يستعرض مسارات محتملة للتفاوض والتصعيد، وسط ضيق الوقت واتساع الخلافات...

وجّه نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، بتوجيه من الرئيس دونالد ترمب، رسالة في ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ إلى محسن رضائي، الذي يتصدر المشهد الدبلوماسي في طهران، بهدف إعادة إطلاق المفاوضات. ويُرجّح أن الرسالة جزء من جهود إحياء المسار التفاوضي، إذ تضمنت دعوة إلى استئناف التفاوض وشروطًا أمريكية عامة.

وعلى الجانب الإيراني، أكدت أوساط متشددة تمسك بلادها بشروطها، غير أن الرسالة حظيت بتغطية واسعة في الصحافة الإيرانية، مما يشير إلى انفتاح نسبي لدى دوائر القرار على بعض المقترحات. ويُلاحظ أن المراسلات حتى الآن تتناول شكل التفاوض وهيكليته أكثر من شروط الاتفاق نفسها.

يندرج هذا التطور ضمن حراك متعدد المستويات، فقد بدأ مساره بزيارة خاطفة للمشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني والوسيط التقليدي، إلى طهران في ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦، أفضت إلى اجتماع رباعي ضم وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين، والجنرال محسن رضائي. وبحسب مصادر إيرانية، ناقش المشاركون الحلول الدبلوماسية لتعزيز الأمن الإقليمي ودعم الوساطتين الباكستانية والقطرية.

وقد عدّه المراقبون في الداخل الإيراني خطوة لكسر الجمود، وتكمن أهميته أيضًا فيما أعقبه من تفاعلات داخل النظام السياسي، فقد أُعلن عن لقاءين ذوي دلالة: الأول في ٢١ تشرين الأول بين رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف والمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، لبحث التطورات الميدانية؛ والثاني في ٢٧ تشرين الأول بين المرشد الأعلى ورضائي. وفي اللقاء الثاني، شدد المرشد الأعلى على ضرورة التنسيق مع الرئيس مسعود بزشكيان والبحث عن مخرج من حالة اللاحرب واللاسلم القائمة منذ أشهر، وقرأ المراقبون القريبون من الحكومة ذلك إذنًا ضمنيًا بالانفتاح على التفاوض، وتجاوب الرئيس الإيراني بتأكيد أن الحكومة ستعمل بكامل طاقتها لتحقيق الأهداف التي حددها القائد.

وتعززت هذه القراءة بزيارة ثانية لوفدين سعودي وتركي في اليوم التالي، يمكن تفسيرها بأنها قناة إيرانية لنقل رسالة إلى واشنطن، ثم بأنباء عن زيارة جديدة للوفد القطري في ٣٠ تشرين الأول. كما جرى اتصال هاتفي بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي لبحث الملف الإيراني، تلاه بساعات الإعلان عن رسالة فانس، وترافق ذلك مع تقارير عن مساعٍ تركية لعقد لقاء إيراني–أمريكي قبل ٣ تشرين الثاني الحالي.

وتجدر الإشارة إلى ازدواجية الخطاب الإيراني: ففي العلن، أكد علي باقري كني، نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي لشؤون السياسة الخارجية والأمن الدولي، تمسك بلاده بشروطها السبعة للعودة إلى الدبلوماسية، واستمرت التصريحات التصعيدية لقيادات الحرس الثوري، بيد أن الديناميات الإقليمية تدفع عمليًا نحو مزيد من الانخراط، مما يعكس تباينًا بين الخطاب المعلن والسلوك التفاوضي الفعلي.

تقوم مقاربة الوسطاء على مبدأ تخفيف الحمولة التفاوضية، وتتجلى في ثلاثة مستويات:

1. فصل الملف الإقليمي: سعت أطراف منها قطر والإمارات إلى إبعاد القضايا الإقليمية، ومنها الأذرع الإيرانية، عن طاولة التفاوض الثنائي، مع التأكيد على بلورة نظام أمن إقليمي عبر مفاوضات بين دول المنطقة.

2. تقليص الملف النووي: عملت أطراف منها روسيا وباكستان على إحالة بعض محاوره إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتوافق على زيارة المواقع الإيرانية، ومعالجة عقدة اليورانيوم عالي التخصيب بإحياء خيار نقله إلى روسيا.

3. التوفيق بين المقترحات: بذل الوسطاء جهودًا لدمج خطة الأيام السبعة الإيرانية مع الطرح الأمريكي القاضي بفتح مضيق هرمز وإدراج الملف النووي منذ اللحظة الأولى.

وينطلق هذا النهج من فرضية أن تعقّد الملفات المطروحة هو بحد ذاته عامل ينفّر الطرفين من التفاوض، وأن توزيعها على مسارات فرعية قد يعيد إليهما الحافز على الحوار.

لكن ترد على هذه المقاربات والوساطات قيود بنيوية، منها:

1. أزمة الثقة وضعف الالتزام الموثوق: لم يعد أيٌّ من الطرفين يثق بالآخر، فالجانب الإيراني يؤكد أن واشنطن لم تلتزم بـ«مذكرة تفاهم إسلام آباد»، ويطالب بضمانات تحول دون العودة إلى الخيار العسكري أو لغة التهديد أثناء التفاوض. وفي المقابل، يرى الجانب الأمريكي أن الحوار غير مجدٍ؛ لأن في طهران من يملك القدرة على تجاوز القواعد في أي لحظة، دون اعتبار لالتزامات الفريق المفاوض. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التركيز على المجلس الأعلى للأمن القومي تحديدًا، بوصفه مدخلًا إلى مراكز القرار العميقة. وبالتوازي، يتعهد الوسطاء بضمان التزام واشنطن بمخرجات الحوار، ويمكن تفسير الحضور الجماعي في طهران للقوى الثلاث المشاركة في «حلف مكة» بأنه محاولة لطمأنة الجانب الإيراني.

2. معضلة الخطوة الأولى ومن يتنازل أولًا: يعتقد كل طرف أنه خرج منتصرًا من المواجهة العسكرية، ويرى أن على خصمه أن يبادر بالتنازل، ويسعى الوسطاء إلى تجاوز ذلك باقتراح أنصاف الخطوات، وتقديم التنازلات بوصفها استجابة للأصدقاء لا للخصم، ومنها: توافق مع الوكالة الدولية بشأن المراكز النووية؛ وإرسال المخزون إلى طرف ثالث (وهو ما يرفضه المسؤولون الإيرانيون بشدة)؛ والسماح بقدر محدود جدًا من التخصيب للأغراض العلمية بإشراف الوكالة؛ والفتح الجزئي لمضيق هرمز من الجانب العماني؛ وإيجاد صيغة لتحرير الأرصدة المجمدة.

3. ضيق الأفق الزمني: تُبذل هذه الجهود فيما يشبه الوقت الضائع، ومع تعارض المطالب الكبرى، كبحث الملف النووي منذ البداية، وتجميد العقوبات كافة منذ اللحظة الأولى، والحصول على ضمانات حقيقية، يصبح ردم الفجوة في أيام معدودة بالغ الصعوبة. ولذلك، يتجه الوسطاء إلى حوار مبدئي يستهدف اتفاق مبادئ يمهد لتفاوض شامل لاحق.

في الحقيقة، تواجه أيضًا هذه الوساطات ومسار التفاوض معوقات أخرى ترتبط بالبيئة الانتخابية في الولايات المتحدة، وتقوم على أن احتمالات التسوية أو التصعيد تتحدد بتفاعل ثلاثة عناصر: قيد الكونغرس على الرئيس الأمريكي، ومناعة رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي داخليًا، وحسابات طهران في كلفة الانتظار:

1. البعد الأمريكي: حدد ترمب ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ موعدًا مفصليًا، فقد أعلن في ٨ تشرين الأول أن بلاده لن تهاجم إيران قبل الانتخابات النصفية، وأنها تجري مباحثات مثمرة مع طهران، وكان قد صرّح سابقًا بأن الحرب ستنتهي فورًا بعد الانتخابات. وفي المقابل، فإن الجمود الدبلوماسي يزيد احتمال العودة إلى القتال، وإن مسؤولين أمريكيين لمحوا إلى إمكان إصدار أمر باستئناف العمليات بعد الاقتراع. ويضغط على الإدارة داخليًا تدني شعبية الرئيس إلى ٣٣٪ في استطلاع رويترز/إبسوس، وهو أدنى مستوياتها خلال ولايته، على خلفية الحرب وكلفة المعيشة، فضلًا عن تقدم الديمقراطيين في الاقتراع العام على مستوى الكونغرس، وكلفة الحرب البالغة نحو ٣ مليارات دولار شهريًا.

2. البعد الإسرائيلي: أُجريت الانتخابات الإسرائيلية في ٢٧ تشرين الأول المنصرم، وبيّنت استطلاعات الخروج تعادلًا بين ائتلاف نتنياهو وتحالف المعارضة الرئيس، دون قدرة أيٍّ منهما على تحقيق الأغلبية، وهو ما يعني فقدان الائتلاف الحاكم أغلبيته السابقة البالغة ٦٤ مقعدًا، مع بقاء النتائج النهائية غير محسومة. وتستغرق مشاورات تشكيل الحكومة عادة ما بين ٣٠ و٤٥ يومًا أو أكثر، وهذا يضع رئيس الوزراء في وضع انتقالي هش، فهو بحاجة إلى رصيد أمني يعزز موقعه، وقد يميل إلى معارضة أي اتفاق يخفف العقوبات أو يتيح تخصيبًا محدودًا، لكنه في الوقت نفسه أضعف قدرة على فرض إرادته على واشنطن.

3. البعد الإيراني: تقرأ طهران موعد ٣ تشرين الثاني بعدسة مختلفة، وتراهن على أن تفاقم الكلفة السياسية للحرب قبل الاقتراع قد يضعف الموقف الأمريكي. وقد أعلن محسن رضائي نفسه أن طهران لن تعود إلى الطاولة قبل تلبية مطالب أساسية، مما يعني أن رهان الانتظار قائم.

وبالتركيب بين هذه الأبعاد، هناك أربعة مسارات محتملة. يُرجّح المسار التفاوضي إذا فاز الديمقراطيون بمجلس النواب، وصاحبه ائتلاف إسرائيلي هش أو غائب؛ لأن ضغط الداخل يدفع ترمب إلى البحث عن إنجاز خارجي، وتضعف في الوقت نفسه قدرة إسرائيل على تعطيل «اتفاق المبادئ». أما إذا فاز الديمقراطيون وعاد نتنياهو بائتلاف متماسك، فيغلب المسار المختلط: ترمب مقيد بالكونغرس، ونتنياهو يضغط لتشدد نووي أكبر، فيتعثر الاتفاق دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ويُرجّح المسار التصعيدي إذا احتفظ الجمهوريون بالمجلسين أو اكتفوا بخسارة طفيفة، إذ يتحرر ترمب من القيد الانتخابي وتزداد فرص الضربات المحدودة أو الضغط على البنية التحتية إن لم تقبل أنصاف الخطوات. ويبقى التصعيد قائمًا كذلك في حال فشل الوساطة الإقليمية قبل ٣ تشرين الثاني، إذ ينتهي التعهد بعدم الهجوم وتتحول المهلة الانتخابية إلى مهلة عسكرية فعلية.

وتتجاذب المسألة أطروحتان نظريتان: أطروحة «الحرب التحويلية» التي ترى أن الزعيم الضعيف داخليًا قد يصعّد لاستعادة الشرعية، وهي أقرب إلى حالة نتنياهو؛ وأطروحة «الرئيس المقيّد» التي ترى أن خسارة الأغلبية ترفع كلفة الحرب وتدفع نحو صفقة تحفظ ماء الوجه، وهي أقرب إلى حالة ترمب. ومن المؤشرات التي ينبغي رصدها بعد الاقتراع: نتيجة مجلس النواب وخطاب ترمب في الأيام الأولى، ومواقف رضائي وباقري كني من اتفاق المبادئ ومرونة ملف نقل اليورانيوم، وترتيب مشاورات الائتلاف الإسرائيلي ودور الأحزاب العربية، وأي تحركات عسكرية أمريكية في الخليج. فكلها ظروف متشابكة، كلٌّ منها يرتبط بالآخر. 

تفكيك هذا التشابك معقد، لا يسمح باتباع نسق تفاوضي أو تقديم تنازلات من أي طرف، ما يعني أن التفاوض قد يصبح تحت النار والضغط للتوصل إلى مسار تراجع عن الخطوة الأولى، التي قد تدفع للتهدئة المرحلية. وهذا ما يعكس اكتمال الاستعدادات العسكرية لدى الطرفين وغلبة الأصوات الداعية إلى الحرب، على أمل أن تعمل هذه التحركات على جمع واشنطن وطهران على طاولة واحدة، وتجنيب المنطقة مواجهة جديدة. لكن الفجوة بين توقعات الطرفين واسعة وعميقة، وقد تلتحق هذه المحاولات بسلسلة جهود سابقة بُذلت في اللحظات الأخيرة ولم تثمر.

ومع ذلك، فإن تعدد الأطراف الإقليمية المنخرطة، والخشية المشتركة من حرب طويلة لا تعود على المنطقة بمكاسب، يشكلان حافزًا لمواصلة الجهد. وتضيف النافذة الانتخابية في الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي بُعدًا حاسمًا، فنتيجة انتخابات التجديد النصفي وتشكّل الائتلاف الإسرائيلي سيحددان ما إذا كان الحوار ضمن الحدود الدنيا أرضيةً قابلة للبناء، أم مقدمةً لمرحلة تصعيد مشروط. وبهذا المعنى، قد تمثل هذه المحاولات آخر الفرص المتاحة أمام الوساطة الدبلوماسية قبل أن تتحول الحسابات الانتخابية إلى حسابات مواجهة عسكرية أوسع من سابقاتها.

مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2026 ©

http://mcsr.net

اضف تعليق