في كل مرحلة سياسية، تظهر ظاهرة أشخاص تتبدل مواقفهم ولغتهم وخطاباتهم بتبدل الجهات التي تتولى الحكم، وكأن الذاكرة قد مُسحت. إنها حالة من الولاء المتذبذب الذي لا يرتبط بمبدأ أو مشروع، بل بمن يمتلك النفوذ والقدرة على منح الامتيازات. إن الفارق كبير بين المراجعة الفكرية الصادقة والتسلق لمجرد انتقال السلطة...

في كل مرحلة سياسية، ومع كل تغيير في موازين السلطة، تظهر أمامنا ظاهرة تستحق التأمل والتوقف عندها طويلا، ظاهرة أشخاص تتبدل مواقفهم بتبدل الجهات التي تتولى الحكم، وتتغير لغتهم وخطاباتهم ومواقفهم وفقاً لهوية الحزب أو الشخصية التي تمسك بزمام المسؤولية.

تراهم اليوم في مقدمة المدافعين عن جهة سياسية معينة، يتحدثون عن إنجازاتها، ويشيدون بقراراتها، ويقدمون أنفسهم بوصفهم من أكثر المؤمنين بمشروعها وتوجهاتها، وما إن تتغير الظروف، وتتسلم جهة أخرى مقاليد الحكم، حتى تتغير الوجوه ذاتها، وتظهر مواقف جديدة، وكأن الذاكرة قد مُسحت، وكأن القناعات السابقة لم تكن موجودة من الأساس.

إنها حالة من الولاء المتذبذب، حيث لا يبدو الانتماء قائما على فكرة أو مبدأ أو مشروع سياسي واضح، وإنما يرتبط بمن يمتلك النفوذ والقرار والقدرة على منح الامتيازات، فبعض الشخصيات لا تجد حرجا في الانتقال من ضفة إلى أخرى، ولا ترى في تغيير مواقفها المتكرر أمرا يستوجب التفسير أو الاعتذار.

المهم لديها أن تبقى قريبة من مركز القوة، وأن تحافظ على حضورها في المشهد، مهما تغيرت الأسماء والشعارات والاتجاهات.

والأكثر إثارة للانتباه أن هذه الشخصيات تسارع إلى التقرب من المسؤولين الجدد، وتبدأ رحلة جديدة من المجاملات والإشادات والزيارات والتصريحات، فجأة يصبح المسؤول الجديد شخصية استثنائية، وتتحول قراراته إلى خطوات تاريخية، وتصبح رؤيته مشروعا يستحق الدعم والمساندة.

وعندما نعود إلى المرحلة السابقة، نجد أن بعض الوجوه نفسها كانت تتحدث بالأسلوب ذاته عن المسؤولين السابقين، وتدافع عن توجهاتهم، وتقترب من دوائرهم، وتسعى إلى نيل رضاهم، فهل كانت تلك المواقف تعبيرا عن قناعة حقيقية، أم أنها كانت مجرد وسيلة للحفاظ على المصالح والمكانة؟

ليس المقصود من هذا الحديث أن الإنسان لا يحق له مراجعة مواقفه أو تغيير قناعاته، فالمراجعة الفكرية والسياسية حق مشروع، والاعتراف بالخطأ فضيلة، والانتقال من موقف إلى آخر قد يكون نتيجة اكتشاف حقائق جديدة أو تغير الظروف أو ظهور معطيات لم تكن واضحة في السابق، فالمواقف السياسية ليست أحكاما أبدية، ومن حق أي شخص أن يختلف مع جهة كان يؤيدها، وأن يتفق مع جهة كان يعارضها، متى ما وجد أسبابا موضوعية لذلك.

لكن الفارق كبير بين تغيير الموقف نتيجة مراجعة فكرية صادقة، وتغيير الموقف لمجرد أن السلطة انتقلت إلى جهة أخرى، الفارق يظهر في طبيعة الخطاب، وفي القدرة على تفسير التحول، وفي مدى الاستعداد لتحمل مسؤولية التصريحات والمواقف السابقة، فالشخص الذي يمتلك قناعة حقيقية يستطيع أن يشرح لماذا غيّر رأيه، وما الذي دفعه إلى ذلك، وما الأدلة التي استند إليها، أما من يغير اتجاهه مع كل مرحلة، فقد يجد صعوبة في تقديم تفسير مقنع سوى أن الظروف أصبحت مختلفة.

وتزداد هذه الظاهرة وضوحا عندما نلاحظ أن بعض الأشخاص لا يقتربون من السلطة الجديدة بسبب برنامجها أو رؤيتها أو ما تحمله من أفكار، وإنما بسبب موقعها في هرم المسؤولية، فهم لا ينتظرون نتائج العمل، ولا يتابعون مدى نجاح السياسات، ولا يمنحون أنفسهم الوقت الكافي لتقييم الأداء، وإنما يبدأون بإعلان التأييد منذ اللحظات الأولى، وكأن وصول الحزب إلى السلطة وحده كاف لمنحه شهادة النجاح، وكأن المسؤول الجديد لا يمكن أن يخطئ ما دام يمتلك مفاتيح القرار.

وهذا السلوك يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بمفهوم الولاء والانتماء، فالولاء للمبادئ ينبغي أن يكون ثابتا أمام تغير الأشخاص، والالتزام بالمصلحة العامة يجب أن يتجاوز حدود الأحزاب والتحالفات والمناصب، أما الولاء للأشخاص بسبب مواقعهم، فإنه يجعل صاحبه أسيرا لتقلبات المشهد السياسي، ينتقل مع اتجاه الرياح، ويعيد تشكيل خطابه وفقاً للجهة الأقوى حضورا وتأثيرا.

من المؤسف أن هذه الممارسات قد تؤثر في ثقة المجتمع بالشخصيات العامة، خصوصا عندما يرى المواطن أن بعض الأصوات التي كانت ترفع شعارات معينة بالأمس أصبحت تتبنى نقيضها اليوم دون توضيح أو مراجعة معلنة، فالثقة لا تُبنى بكثرة التصريحات، ولا بعدد الصور مع المسؤولين، ولا بحجم عبارات المديح، فهي تُبنى بالوضوح والاتساق والقدرة على اتخاذ موقف مسؤول حتى عندما يكون ذلك الموقف مخالفا لمصالح أصحاب النفوذ.

اضف تعليق