يناقش المقال بسخرية فكرة استحداث وزارة للذكاء الاصطناعي في العراق وسط أزمة مالية وارتفاع الدولار وضعف الخدمات والإنتاج المحلي. ويقارن الكاتب بين الخطاب الرسمي الداعي إلى التقشف وبين توسيع المناصب والوزارات، منتقدًا سوء إدارة الموارد والفساد، ومؤكدًا أن العراق يحتاج إلى إدارة كفوءة واستثمار منتج وخدمات أساسية قبل...

منذ شهور يقف ساستنا على المنابر يعظوننا كما يعظ الخطيب الناس يوم الجمعة، يحدثوننا عن فضائل التقشف وبركات شد الأحزمة وثواب ضغط النفقات، حتى شددنا الأحزمة إلى آخر ثقب فيها، ثم ثقبناها ثقوبًا جديدة بالمسمار. وبينما الناس يعدّون الدنانير في جيوبهم عدّ المريض لأيامه، خرجت علينا الكتل السياسية ببشرى غير سارة، فهي تتشاور وتتهامس وتتغامز وتتفاهم على استحداث وزارة جديدة اسمها وزارة الذكاء الاصطناعي.

الأسواق عندنا تحترق، وصادراتنا النفطية تعثرت حتى صرنا نتبادل التهاني إذا تمكنت إحدى شحناتنا من المرور عبر مضيق هرمز، والحكومة رفعت سعر صرف الدولار وخفضت قيمة الدينار، فصار الموظف يقبض راتبه كاملًا ثم يكتشف في السوق أنه قبض نصفه. في هذا الزحام من الأزمات تفتّق ذهن الطبقة السياسية عن فكرة لامعة، فالمواطن العراقي لا ينقصه شيء إلا وزارة للذكاء الاصطناعي!

أما الأزمة المالية التي صدّعوا بها رؤوسنا، فقد سأل عنها مواطن كفيف حين سمع الخبر في نشرة الأخبار، فقال متعجبًا: إذا كانوا سيستحدثون وزارات جديدة، فأين الأزمة المالية إذن؟ رأى الرجل بأذنيه ما عجز ساستنا عن رؤيته بعيونهم المفتوحة، ولم يحتج في سؤاله إلى ذكاء اصطناعي ولا طبيعي، كفاه شيء من الحياء.

نحن بلد عجز ذكاؤه البشري عن استثمار أموال النفط في سنوات الوفرة والانتعاش، إذ دخلت خزينتنا الوطنية مئات المليارات، وخرجت مدننا من تلك السنوات أفقر مما دخلتها، لا مدينة تصلح لعيش مريح، ولا ماء يُشرب من الحنفية دون أمراض، ولا كهرباء تبقى في البيت حتى يكمل الطفل واجبه المدرسي، أما الفساد فقد صار أرسخ في البلد من جذور النخيل.

سياسيونا ومن يقود سفينة هذا البلد عجزوا عن إنصاف الخيار والطماطم في موسم الوفرة، فحين تنخفض أسعارها وتصير بسعر التراب، يرميها الفلاح على قارعة الطريق؛ لأن أجرة نقلها إلى السوق أغلى من ثمنها، فتدوسها السيارات وتأكل منها الحمير الشاردة.

أما ذكاؤنا البشري فلم يهتدِ كله إلى تشييد معمل واحد يحول هذه الطماطم إلى معجون، وهذا الخيار إلى طرشي ومخلل، لذلك ما زلنا نستورد الخل والطرشي ومعجون الطماطم من تركيا، فتعبر الطماطم التركية الحدود معلبة أنيقة، وتجلس على المائدة ذاتها التي رمينا من فوقها طماطمنا، وتنظر إلينا نظرة الضيف الذي يعرف أن صاحب البيت مغفل.

بلد لم يستطع أن يصنع الطرشي يريد اليوم أن يصنع الذكاء الاصطناعي. إنه أشبه برجل يسكن بيتًا سقفه من الصفيح، يقطر عليه المطر شتاءً وتجلس الشمس بجانبه صيفًا، والكهرباء مقطوعة عنه منذ أيام، فيذهب إلى السوق ويشتري ثريّا من الكريستال، ثم يعلّقها في وسط الغرفة، ويسهر تحتها على ضوء الفانوس، ويدعو الجيران ليتفرجوا على تقدّمه.

هذه الوزارة الموعودة ذكّرتني بأختٍ لها رحلت عن دنيانا بصمت، هي وزارة الأهوار. استحدثتها الطبقة السياسية في زمن مضى لترضية طرف بعينه، وخصصت لها الأموال، ونصبت لها وزيرًا بمكاتب وسيارات، ثم اختفت كما يختفي طائر الماء بين القصب، فلا أحد يعرف متى غابت ولا أين ذهبت أموالها.

لم تترك لنا من آثارها سوى نصب للشهيد في قلب الهور، صار مع الأيام مزارًا للجاموس والثعالب البرية، بينما يعيش الناس من حوله بلا ماء صالح للشرب، وأطفالهم يدرسون في مدارس من الطين والقصب، والطرق التي تخترق الأهوار، وهي شرايين حياتهم، صار اسمها عند أهلها طرق الموت لكثرة ما ابتلعت من أرواح. هذه حصيلة وزارة واحدة من وزارات الترضية، فما الذي ستتركه لنا الوزارة الجديدة؟ أغلب الظن أنها ستترك نصبًا للروبوت المجهول!

الطريف أن الذكاء الاصطناعي عندنا لا يشكو من قلة المسؤولين عنه، فلدينا مستشار لرئيس الوزراء لشؤونه، ومركز وطني يحمل اسمه، ولجنة عليا تتابعه، حتى صار عدد المسؤولين عن الذكاء الاصطناعي في العراق أكثر من عدد تطبيقات الذكاء نفسه، ومع ذلك يرى ساستنا أن الملف ينقصه وزير.

لم يعد الأمر سرًا، فحتى بائعة القيمر على الطرق الخارجية باتت تعرف أن الوزارة عندنا ليست فكرة ولا برنامجًا، إنما هي وزير ووكلاء ومديرون عامون ومستشارون، ومخصصات وحمايات وسيارات مصفحة ومواكب، وبناية مستأجرة بأضعاف ثمنها، وتعيينات لأقارب هذا ومعارف ذاك.

فما الرسالة التي أرادت الطبقة السياسية إيصالها إلى المواطن وهي تطالبه بالتقشف في الصباح وتتقاسم وزارة جديدة في المساء؟ الرسالة واضحة ويفهمها الجميع: تقشفوا أنتم ونحن نتوسع، شدوا أحزمتكم ونحن نفك أحزمتنا بعد العشاء.

ثم ما الإنجاز الذي يمكن أن تحققه هذه الوزارة لبلد مثل بلدنا؟ الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كهرباء دائمة، ونحن نعيش على المولدة الأهلية. يحتاج إلى بنية رقمية وإنترنت سريع، ونحن ننتظر تحميل الصفحة الواحدة كما ننتظر عودة الكهرباء. يحتاج إلى مدن حديثة وبيانات منظمة، ونحن نعيش في العشوائيات ونبحث عن سكن كما يبحث الغريق عن خشبة. حياتنا بهذه المواصفات أقرب إلى مطلع القرن الماضي منها إلى قرن الذكاء الاصطناعي.

لهذا أقترح على ساستنا، ما داموا مصرّين على وزارة جديدة، أن يستحدثوا وزارة للطرشي، تجمع الطماطم والخيار من الطرقات قبل أن تدوسها العجلات، وتحولها إلى معجون ومخلل يغنينا عن الاستيراد من تركيا، ولا بأس أن تُلحق بها دائرة لتجفيف الزوري وصناعة المسموطة، وأخرى لجمع الخريط من البردي وطبخ الحلاوة الشعرية. وزارة كهذه ستنتج على الأقل شيئًا يؤكل، ولن يستطيع وزيرها أن يدّعي إنجازًا لا نراه.

ننتظر أن تُسند وزارة الذكاء الاصطناعي، كما جرت العادة، إلى رجل لا تربطه بها صلة من قريب ولا من بعيد، تنتهي علاقته بالتكنولوجيا عند إرسال صور الورد مع عبارة صباح الخير في مجموعات الواتساب.

ما ينقص هذا البلد في الحقيقة ليس وزارة جديدة، إنما أن يغادر السياسي فكرة أن المنصب غنيمة يرتّب بها أوضاعه الشخصية، بدل أن يكون أمانة يبني بها البلد. كثير منهم يدخل الوزارة كما تدخل السيارة محطة الوقود، يملأ خزائنه حتى تفيض، ويملأ معها خزانات الأقارب والأنصار، ثم يخرج ليفسح المكان لسيارة أخرى جاءت تنتظر دورها، ولا أحد منهم يسأل عن المحطة نفسها: هل بقي فيها وقود، وهل تحتاج إلى تطوير وتوسعة؟

يتولى أحدهم الوزارة وهو يسكن بيتًا مستأجرًا، ويغادرها وله قصور في الداخل وشقق في الخارج، بينما الوزارة التي تولاها لم تتقدم خطوة واحدة، والناس الذين أقسم على خدمتهم ما زالوا ينتظرون الماء والكهرباء والطريق. يوم يدخل السياسي إلى المنصب ليبني البلد لا ليبني نفسه، لن نحتاج إلى وزارة للذكاء الاصطناعي، فالذكاء الطبيعي وحده سيكفينا.

اضف تعليق